- إحصائية رسمية: 81% من حالات التحرش في 2010م لغير محجبات

- الفتيات: الحجاب أنقذنا من مضايقات في الأتوبيس والعمل والجامعة

- د. أبو الحسن: الفيلم ينفذ أجندة مقررات بكين بمحاربة العفة

- الشال: المخرج خالف الواقع عندنا تجنب السافرة واستخدم المحجبة

- وجدي العربي: هناك أغراض أخرى وراء ربط المحجبة بالتحرش

- صابرين: ربط المحجبة بالفقر والجهل والتخلف مخالف للحقيقة

 

تحقيق: سارة محمد علي

من 20 عامًا سمحت مصر للمنظمات والمقررات الدولية المتعلقة بقضايا المرأة والطفل، بوضع قدمها في محيط الأسرة المصرية، ومنذ مؤتمر السكان المشبوه عام 1990م والذي فتح الباب لمقررات بكين وهناك خطوات متصاعدة لهدم قيم المجتمع والثوابت الراسخة في نفوس أبنائه، وتنوعت الحملات بين الثقافة الجنسية وفرضها على الأسرة والحرب على ختان الإناث، مرورًا بالحرب على النقاب، وانتهاء بحرب جديدة على الحجاب نفسه.

 

وقد استخدمت الأصابع الغربية كل الوسائل لتنفيذ مخططاتها، وكان من أبرز هذه الوسائل الدراما والسينما بالعديد من الأفلام التي رسخت هذه المفاهيم بتناولات درامية مختلفة، والتي كان آخرها "فيلم 678"، المعروض الآن على شاشات السينما، وسط حملة ترويج شديدة له.

 

الفيلم يتناول ظاهريًّا التحرش بالفتيات والنساء باعتباره بات ظاهرةً في مصر، تمثِّل خطورةً على المجتمع والجنس النسائي على وجه التحديد، إلا أن السُم الذي دسَّه منتجو الفيلم في عسل محاربة الانحلال هو تحرش واضح بالحجاب، من خلال بطلة الفيلم المحجبة حجابًا واسعًا فضفاضًا وغير ملفت للنظر، بل وإنها طوال الفيلم بدون أي مساحيق على وجهها، ومع ذلك فإنها تتعرض للتحرش ليلاً ونهارًا، وخاصة في "الأتوبيس" باعتباره وسيلة مواصلاتها الوحيدة.

 

أراد صناع الفيلم أن يقولوا لجميع الفتيات والنساء إن الحجاب ليس هو الحامي لهنَّ من التحرش، وإن المتحرشين لا يهمهم زيَّ الفتاة أيًّا كان نمط ملابسها، وإن الحجاب ليس عفةً في كثير من الأحيان، وأراد الفيلم أيضًا أن يرسخ العديد من المعلومات المغلوطة، وخاصة عندما أشار إلى أن نسبة التحرش بالمحجبات تفوق بكثير نسبة التحرش بغيرهن المتبرجات.

 

"إخوان أون لاين" ناقش هذا الفيلم من جوانب بعيدة عن البناء الدرامي والنقد الفني، وما يقوله النقاد حول القيمة والرسالة وما شابه ذلك، وبدايتنا كانت مع تقرير مهم لوزارة الداخلية حول التحرش، سيتم إصداره قريبًا، وقد اطَّلعنا عليه من خلال أحد الذين شاركوا فيه، وأكد التقرير أن عام 2010م سجل 52 ألف حالة تحرش، منها 66% كانت في أماكن العمل، و34% في الشارع أو المواصلات العامة، وطبقًا للتقرير فإن 70% من التحرشات أخذت طابعًا جنسيًّا، منها 17% باللمس، والـ30% الباقية كانت بالكلام الجنسي، منهم 20% عبارة عن غزل مباشر، وأشار التقرير إلى أن 8.9 من الحالات تطورت لحدِّ الاغتصاب.

 

أما أهم ما جاء في التقرير فهو أن 81% من اللاتي تم التحرش بهن كنَّ يرتدين ملابس مثيرة وصلت لحدِّ الفاضحة، وحتى اللاتي كنَّ يرتدين الحجاب منهن فإن ملابسهن كانت مثيرة جدًّا، وليس لها أي ارتباط بالاحتشام أو الوقار، وعلاقتها بالحجاب هو غطاء الرأس.

 

ولأن الفيلم رصد الظاهرة- كما قال من داخل الأتوبيس- فإننا صعدنا إلى العديد من الأتوبيسات التي تجمع بين ركابها رجالاً ونساءً، وسألنا الفتيات والنساء وخاصة المحجبات منهنَّ حول حالات التحرش، وهل كان للحجاب دور في منعه أم أنه- كما أشار الفيلم- ليس له قيمة أو دور في حماية الفتاة.

 

أوضحت منة محمود الطالبة بالثانوية العامة- والتي كانت تقف في طرقة الأتوبيس- أن ما جاء في الفيلم مخالف للواقع، مشيرةً إلى أن التحرش موجود ولكنه مع فئة بعينها هي التي تدفع الشباب للتحرش بهن، سواء من خلال الملابس المثيرة أو الضيقة أو الضحكات والتعليقات الملفتة، والنظرات و"المكياج" والروائح الجذابة، وهي أمور تدفع الشباب إلى التحرش، بينما يختلف الوضع مع المحجبات اللاتي يلتزمن بآداب الحجاب بشكل كامل سواء في المظهر أو السلوك، مؤكدةً أن حجابها كان سببًا في حمايتها في مواقف كثيرة.

 

وفي أتوبيس آخر التقينا بسمر محمد الطالبة بكلية الخدمة الاجتماعية، والتي أوضحت أنها تعرَّضت مع عدد من زميلاتها غير المحجبات لمضايقات، ولكن المضايقات كانت تتركز مع الأخريات، أما هي فإنها ترتدي الحجاب وتلتزم بآدابه وسلوكه، وهو ما جعلها بعيدة عن هذه المضايقات.

 

وتروي سمر قصة حدثت معها داخل الجامعة قائلة: "في أحد الأيام كانت تسير مع عدد من زميلاتها في الجامعة، وجاءت مجموعة من الشباب بسيارة، وأخذوا يطوفون حول الكلية يحاولون التحرش بمن يستطيعون، فمنهم من يتحرش بالكلام ومنهم من يتحرش باللمس، وعندما أراد أحدهم الاقتراب منها قال له صديقه ابتعد عنها فمظهرها يقول إنها محترمة، ولن تمر على خير إن اقتربنا منها، وبالفعل تركونا ورحلوا" وتنهي سمر كلامها قائلة: "هكذا حماني حجابي".

 

أما مي شعبان الطالبة بكلية التربية، فترى أن الحجاب رمزٌ وقيمةٌ دينية واجتماعية، تُجْبِرُ الكل على احترامه مهما كان طبعه أو ملته، أما التي تخرج كاشفةً لجسدها فلا تنتظر من أحد احترامها، ولتتوقع التحرش من أي صاحب نفس ضعيفة، وترى مي أن الفيلم بالغ جدًّا في وصف حالة التحرش التي تتعرض لها المحجبة، وتقول: إنها تسير في الشارع كل يوم، ولا ترى ذلك يحدث معها أو مع غيرها، وإن حدث فإنه يكون بنسب ضئيلة جدًّا تكاد لا تُذْكَر.

 

وبعيدًا عن الأتوبيس تشير ريهام عبد الله الطالبة بكلية الصيدلة جامعة القاهرة إلى أن إحدى صديقاتها وهي فتاة محترمة جدًّا ولكنها غير محجبة تعرضت لموقف مؤلم؛ حيث تعرض لها مجموعة من الشباب وأرادوا النيل منها باللمس، فصرخت في وسط الشارع طالبة النجدة، وهو ما حدث لها وبعد أن هرب الشباب من المارة قال لها أحد الذين أنقذوها: "يا ابنتي باين عليكي محترمة وبنت ناس.. ليه لابسة الحاجات الملفتة دي.. وماذا كان سيحدث معكِ لو كنت في مكان مفهوش ناس تستطيع نجدتك، ونصيحتي ليكي البسي الحجاب حتى تحمي نفسك".

 

وهو ما حدث مع عبير محمد الموظفة في إحدى الشركات الخاصة، والتي توضح أنها في بداية عملها في مجال السكرتارية كانت تهتم بمظهرها ولم تكن محجبة، وهو ما كان يعرضها لمضايقات واسعة من بعض الموظفين معها بل ومن بعض العملاء أيضًا، وهو ما دفعها إلى ارتداء الحجاب داخل العمل فقط، وعندما لمست التغيير الكبير في معاملات الذين كانوا يضايقونها قررت ارتداءه بشكل دائم.

 

هدم القيم الدينية

 الصورة غير متاحة

 د. منال أبو الحسن

   كلام الفتيات وإن كان كشف كذب هذا الفيلم وأمثاله، إلا أن الخبراء فضحوا الهدف من وراء مثل هذه الأفلام وغيرها من أشكال الدراما؛ حيث أكدت الدكتورة منال أبو الحسن مدرس الإعلام بجامعة 6 أكتوبر- والتي شاهدت الفيلم- أن هذا الفيلم يعد ورقةً ضمن أجندة دولية تسعى إلى هدم القيم الدينية والاجتماعية لدى مجتمعنا، وهو حلقة ضمن سلسلة بدأت وسوف تستمر في هدم تلك القيم؛ حتى تصل بنا في النهاية إلى فكرة أنه لن يحمي الفتاة الدين أو الحجاب أو الأخلاق، إذن تعالي نحميكي عن طريق فرض القوانين الدولية مثل القوانين التي طُرحت في مؤتمر بكين، وهي قوانين إن طُبِّقت على بلادنا سوف تذهب بها إلى الانحلال والضياع، فهي قوانين تُعطي المرأة حرية غير مسئولة، وكأنها تعيش في المجتمع وحدها، بينما المجتمع يتكون من مرأة ورجل وشاب وطفل وتعدي أي طرف فيهم على حقوق الآخر سوف يؤدي إلى حدوث خلل تام في نظام المجتمع.

 

وتقول د. منال أبو الحسن: إن هذه القوانين لن تؤدي إلى الحدِّ من حالات التحرش، بل سوف تتسبب في مضاعفتها؛ لأن عملية التحرش بها ثلاثة أطراف، وهم: المتحَرِش والمتحَرَش بها والظروف الاجتماعية المحيطة، وتلك القوانين سوف تجعل كل ظروف المجتمع تؤدي للتحرش، فهي تعطي المرأة حق السفور وارتداء ما تشاء من ملابس ماجنة؛ ما يجعلها تتعدى على حرية الرجل؛ لأنها بذلك تثير غرائزه وشهوته، وكذلك حين يعطي المجتمع حق ممارسة الحرية الجنسية للجميع فإن ذلك يجعل منه مجتمعًا مهلهلاً لا أخلاق ولا قيم فيه، ولن ينهض أبدًا، لذلك يجب أن ننتبه لتلك المؤامرة التي تحاك ضد مجتمعنا، ولا نسمح لوسائل الإعلام ولا لأي شخص أو جهة بهدم معتقداتنا وأفكارنا، ولنستيقظ دائمًا للأشياء التي يبثها الإعلام لنا، ونعرف خباياها الدفينة ونواجهها ونتصدى لها.

 

خفايا مقصودة

ما ذهبت إليه د. منال أبو الحسن أيَّدَه الفنان وجدي العربي، والذي أكد أنه حينما يعرض الفيلم بطلة محجبة والكل يتحرش بها فلا بد من أن هناك مقصدًا آخر وراء ذلك، وليس مجرد عرض لقضية التحرش الجنسي.

 

واستنكرت الفنانة المحجبة صابرين ربط الفيلم بين المحجبة والفقر والجهل، ودللت على ذلك بوجود سيدات أعمال وفنانات ومذيعات وأساتذة جامعات ومثقفات وكلهن محجبات، وطالبت صابرين صنَّاع السينما بالبحث عن قضايا المجتمع الحقيقة، وعدم افتعال أزمات وقضايا تخدم أجندات بعينها.

 

المهم الجائزة

 الصورة غير متاحة

المخرج مصطفى الشال

   ويؤكد المخرج الكبير مصطفى الشال أن مؤلف ومخرج الفيلم جانبه الصواب في تناول المحجبة في الفيلم؛ لأنه بعيد كل البعد عن الواقع، والأولى أن تكون سافرة؛ لأن السافرة هي التي تشجِّع الشاب على التحرش بها لأنها تستثيره، بينما المحجبة لا يظهر منها أي مفاتن، وحتى إن حدث ذلك فهو في أضيق الحدود، وليس الشائع في بلدنا.

 

ويرى أنه ربما من أهداف مؤلف ومخرج الفيلم أن يتناول الموضوع من خلال محجبة جلبًا لتعاطف الجمهور معه؛ لأنه إن عرضها سافرةً فسوف يكون رد فعل الناس أنها تستحق ما حدث لها، ولكنه يرى أنه حتى ذلك السبب ليس مبررًا لربط التحرش بالحجاب، مضيفًا أن مثل تلك الأفلام تبحث عن كل ما هو فج وشاذ حتى يصل الفيلم إلى العالمية ويأخذ جائزة؛ لأنه إن عرض قضيةً واقعيةً بلا عري ولا مجون ولا شيء غريب فلن يحصل على جائزة دولية، وهدف مثل تلك الأفلام هو حصد الجوائز وليس صناعة السينما والفن الهادف.

 

ويبدي أسفه لانتشار تلك الأفلام وصمت الرقابة على عرضها، ويتمنى أن يصبح الإعلام تجسيدًا لما هو واقعي ومنتشر وليس تجسيدًا لما هو واحد في المليون، ونَشْرَه على اعتباره أنه هو السائد، ويدعو الشال كل مؤلف ومنتج إلى التفكير أولاً في المشاهد، واحترامه قبل التفكير في الجوائز وحصدها على حساب قيمنا وأخلاقنا.

 

تشويه مصر

وترى الدكتورة انشراح الشال أستاذ الإذاعة بكلية الإعلام جامعة القاهرة أن فيلم 678 وما يماثله أسهم بشكل كبير في تشويه سمعة مصر، موضحةً أن الإعلام الآن يبحث عن الفضائح لينشرها، ويبحث عن الحالات الفردية التي لا تتعدى العشرات ويظهرها وكأنها الثمانون مليون مصري، مشيرة إلا أنها بذلك لا تدعو إلى عدم مناقشة هذه القضايا ولكن يجب مناقشتها برقي دون إسفاف ومجون، وبحياد وموضوعية.

 

وتشير إلى أن الموجهين للإعلام والدراما والسينما يزعمون أنهم يقدمون أعمالاً واقعيةً، إلا أنهم للأسف يقدمون كلَّ ما هو بعيد عن طبيعة المجتمع المصري لترسيخ قيم محددة، والحصول على مكاسب شخصية ضيقة، مؤكدةً أن التعرض لقضية التحرش يتم حسب هوى مَن يقدمه، وليس حسب حقيقة ما يحدث على الأرض، فليس من المنطقي أن تكون الفتاة المحجبة والملتزمة هي التي تتعرض للتحرش، وكان أجدر بصانعي الفيلم إن كانوا محايدين ألا تكون البطلة فتاةً محجبةً، وتتعرض للتحرش من الشباب يوميًّا، فهذا غير منطقي أبدًا، حتى وإن حدث فإنه يكون في حدود ضيقة جدًّا، وحالات شاذة وفردية، مثلها مثل الذي يتحرش بأمه، والذي يتحرش بأخته، أو ما عُرف بزنا المحارم، فكلها في النهاية حالات فردية ليس أكثر، ويجب أن نعلم جميعًا أن قيمنا الدينية والسنة النبوية فيها من الأحاديث ما إن طبقناه سوف نحمي مجتمعنا من التحرش، وسوف نعيش جميعًا مطمئنين على بناتنا في ظلِّ مجتمع آمن.

 

ظاهرة بلا وجود

 الصورة غير متاحة

د. صلاح عبد المتعال

   ويرى الدكتور صلاح عبد المتعال مستشار المركز القومي للبحوث الجنائية والاجتماعية أن ما يحدث في مصر وخاصة في صناعة السينما أو البرامج التي انتشرت تحت مسمى (التوك شو)، وكذلك المسلسلات والأغاني المصورة كل هذه الأمور جعلت في مصر فوضى إعلامية وثقافية، اختلط فيها الخاص بالعام، وهو أمر مقصود وخاصة مع الفئات التي تريد المخططات الأجنبية النيل منها، مثل الأسرة والقيم المجتمعية، التي تضمن الحفاظ على القيم الإسلامية، ومنها بالطبع الحجاب.

 

ويضيف أنه عند مناقشة أي قضية على أنها ظاهرة مجتمعية على مَن يطرحها أن يرجع أولاً إلى الإحصائيات والبيانات والتقارير الخاصة بها ثم يناقشها، ولكن ما حدث في الفيلم أنه خلق قضية وافتعل منها ظاهرة ليس لها وجود، وهو في هذا الأمر إما أنه جاهل ويبحث عن الشهرة والفرقعة الإعلامية أو أن له أهدافًا خبيثةً ودنيئةً، مؤكدًا أن الثقافة والإعلام المصري بكلِّ أنماطهما عندما يناقشان الحجاب يناقشانه كمظهر يجب إخفاؤه ولا يناقشانه كسلوك يجب دعمه.