كلما قرأت هذه الآية الكريمة في سورة النازعات وأتدبرها، أرى فيها سنة الله التي لا تتغير ولا تتبدل في الطغاة.

 

فلقد جاءت هذه الآية ختامًا لمصير فرعون مصر الذي لم يرتدع، ولم ينزجر، ولم يسمع لقولة الحق، فما كان من الله ذي القوة والجبروت إلا أن يأخذ هذا الطاغية أخذ عزيز مقتدر.

 

وسنظل نتلو هذه الآية إلى قيام الساعة نتذكر بها مصير ذلك الطاغية المتجبر وأمثاله وأشباهه من الطغاة والمتجبرين في كل زمان ومكان، وها أنا ذا أتلوها وأتدبرها وأنا أشاهد أمام عيني سقوط أحد الحكام الطغاة في وطننا العربي المسكين، وهو الرئيس التونسي المطرود زين العابدين بن علي.

 

ذلك الطاغية الذي أذل شعبه وسلبه حريته وحقوقه، وظنَّ كما ظن غيره من الطغاة أن الأمور ستجري كما يشاء وكما يريد، ولكن يبدو أن الرؤساء والحكام المستبدين لا يقرءون تاريخ بلادهم وثقافة شعوبهم.

 

لقد غاب عن الرئيس المطرود ما كتبه شاعر تونس الفذ أبو القاسم الشابي، والذي يحفظه كل إنسان يناضل من أجل حريته، كما أوقن أن ما كتبه الشاعر الفذ محفور في قلب وعقل كل تونسي أصيل، ولكن أين عيون الطغاة وعقولهم من هذا المكتوب؟!

 

إذا الشعب يومًا أراد الحياة    فلا بد أن يستجيب القدر

ولا بـد لليـل أن ينجلي     ولا بد للقيد أن ينكسر

نعم لقد أراد شعب تونس الحياة؛ فجلب الفجر بتطلعاته، وكسر القيد بإصراره، وأزاح عن صدره ذلك الرزء الثقيل، نعم انجلى ليل زين العابدين بكل ما يحمل من ألم وأنين لكل أبناء تونس، وأذن فجر الحرية من جديد.

 

نعم انكسرت القيود وزالت السدود بمعاول التضحية والدماء ليثبت الشعب التونسي حقيقة أن الحرية لا توهب ولكن تُنتزع.

 

لقد جاء طرد الرئيس التونسي وإزاحته عن سدة الحكم؛ ليزلزل عروش أمثاله من الطغاة الجاثمين على صدور شعوبهم، وليترك خلفه رسالة موجهة ذاق هو مرارتها ورأى مضمونها على أرض الواقع يقول فيها: احذروا نفضة الشعوب الجائعة فإنها لا تبقي ولا تذر، احذروا نفضة الشعوب المعذبة فإن جراحها ودماءها لعنة على أمثالنا.

 

إن الشعب التونسي لم يتحرر وحده من هذا النظام القمعي البغيض بل حرر معه كل الشعوب العربية من الخوف والرعب والذعر، وأنه سيعيد رسم العلاقات بين الحكام والشعوب من جديد.

 

فعلى حكامنا أن يراجعوا أنفسهم في علاقتهم مع شعوبهم فهي السبيل الوحيد للنجاة قبل أن يأتي يومٌ لا ينفع فيه الندم، وما تونس منا ببعيد.