- المواطنون: محاولات تجميل الشرطة ساذجة وغير مقبولة

- القطري: الحل في وضع الوزارة بأكملها تحت وصاية الشعب

- البلتاجي: إعادة صياغة رسالة الشرطة وإخضاعها لسيادة القانون

- أبو سعدة: محاسبة أي شرطي يخطئ في حق الشعب بعقوبة قاسية!

 

تحقيق: إيمان إسماعيل

رسائل قصيرة وإلكترونية ومجموعات على (الفيس بوك) همها فقط محاولة إعادة الثقة والقبول بين الشعب وأفراد الشرطة، في سبيل عودة ذلك الجهاز إلى عمله بعد الانسحاب المنظم والعشوائي لقواته يوم جمعة الغضب 28 يناير، وما صاحبه من جرائم كبيرة أضيفت إلى سجل قيادات الشرطة التي زادت من تلطيخ أيديها بدم الشعب المصري.

 

وما زالت الفضائح المتوالية والدماء الزكية تلاحق سمعة الشرطة ورجالها وتأبى النيران المتقدة في نفوس أهالي المصابين والشهداء أن تُرجِع الوضع إلى ما كان عليه، وربما ترفض عودتهم أصلاً، فيما ينادي آخرون بعودة أفراد الأمن بشروطهم، وأولها العمل في سبيل خدمة المواطن مع احترام آدميته والإيمان بحقوقه.

 

عبد المأمور!

وتقول ياسمين محمد "محاسبة": "جرائم الشرطة التي تم فضحها على مسمع ومرأى من العالم أجمع جعلتني أشعر أننا كنَّا عبيدًا وأذلاءً لجهاز الشرطة البلطجي الذي استكبر وعاث في الأرض الفساد، لذا لا بدَّ أن تقلص صلاحياته بشكلٍ كبيرٍ في الفترة القادمة".

 

أما سيف الإسلام محمد فيقول: "بعدما شاهدت بعيني الشرطة وهي تضرب الرصاص الحي علينا، ثم تضحك بعدها بكلِّ كبرٍ بسبب إصابتها عددًا كبيرًا من المواطنين الأبرياء، فضلاً عن أنهم كانوا يرون المواطنين وهم غرقى في دمائهم، فلن أرضى أبدًا بمحاولات الشرطة الساذجة في تجميل صورتهم من خلال إعلانات مستفزة وتحركات ساذجة".

 

"قصة أنا عبد المأمور لا ترفع المسئولية عن مَن قاموا بالمجازر" بتلك الكلمات عبر بكلِّ حرقة أحمد عبد الوهاب "مهندس" قائلاً: إن كلَّ الضباط الذين قامت وسائل الإعلام الحكومية باستضافتهم قالوا إنهم كانوا فقط ينفذون أوامر مَن فوقهم، وأنهم كانوا يتألمون وهم يقصفون المواطنين بالقنابل وبالرصاص الحي، ولكن لو كانوا يتألمون حقًّا لرفضوا تنفيذ تلك التعليمات الوحشية وما حدثت أي مجازر".

 

محاكمة علنية

وتشدد سالي علي "ربة منزل" وقريبة لأحد المصابين في مظاهرات الغضب: "لن نرضى بأي محاولات هزيلة من جانب الشرطة لتجميل وجههم، سواء بتغير ملابسهم أو بتغير شعارهم، فما سيشفي صدورنا هو محاكمة رجال الشرطة من أصغرهم لأكبرهم فردًا فردًا، سواء كبرت رتبته أم صغرت، وسواء أعطى أمرًا بارتكاب الجرائم، أو كان من المنفذين للتعليمات، على أن تكون المحاكمة علنية أمام وسائل الإعلام جميعًا، وأمام مَن رغب من الشعب في الحضور.

 

وتضيف قائلةً: "وتلك هي الخطوة الأولى، ثم عليهم بحث كيف يمكن تنشئة رجال الشرطة على القيم والمبادئ والأخلاقيات والتواضع؛ بحيث يتم إعادة هيكلة مدارس وكليات الشرطة؟، بالإضافة إلى أن يتم وضع عقوبات رادعة لكلِّ فرد في الشرطة حرَّض على أي اعتداء أو اعتدى بنفسه".

 

أما أمنية عادل "طبيبة" فترى أن جهاز الشرطة إذا ما تولى أمره الجيش، سيصلح من حالهم كثيرًا وسيعلمهم أخلاقياتهم السامية، ومبادئهم وسيصلح من حال أفراده كثيرًا".

 

محاولات الداخلية

من جانبها تحاول وزارة الداخلية تجميل صورتها من خلال حملة استعانت فيها بالرسائل النصية على الهواتف المحمولة، تؤكد أن الإخلاص والصدق والالتزام بالقانون، هي السمات الأساسية للفترة القادمة، فضلاً عن الحملات التي أقامتها في التليفزيون المصري، والوقفات الاحتجاجية لرجال الشرطة التي ينظمونها لتحسين صورتهم.

 

وحين عين الدكتور عصام شرف رئيس الوزراء الجديد للحكومة الانتقالية، اللواء منصور مصطفى عيسوي، وزيرًا للداخلية، كان أول الأسئلة ما الذي سيفعله لخلق الثقة بين وزارته والشعب بعد انعدامها خاصةً إبَّان الثورة؟، واقتراحات تدعو لإخضاع الوزارة تحت سيادة القوات المسلحة، ما طرحناه على الخبراء لاستطلاع آرائهم.

 

جيش مهزوم

 الصورة غير متاحة

محمود القطري

ويرى العميد محمود القطري، عميد شرطة سابق، أن وضع الشرطة الآن مريض وضعيف جدًّا، تمامًا مثل الجيش المهزوم هزيمةً ساحقةً، موضحًا أنه لا يمكن للجيش المهزوم أن يعيد تشكيل نفسه بنفس عناصره وقيادته السابقة وبنفس تفكيره!.

 

ويؤكد أنه لا يمكن لبلد أن يعيش من غير قوات أمن وجهاز الشرطة، بشرط أن تتم تنقية الجهاز من الخونة، الذين تآمروا عن عمدٍ، والخونة الذين أهملوا وتركوا مواقعهم في الأحداث الأخيرة التي شهدتها مصر؛ حتى تعم الفوضى في البلد، مشترطًا أن يشرف على تلك التنقية السياسيون ورجال القضاء وأساتذة القانون ممن يقومون بوضع قانون جديد للبلد.

 

ويناشد المجلس الأعلى للقوات المسلحة أن لا يترك مهمته قبل أن يرسي أسسًا وقواعد جديدة للشرطة؛ بحيث يكون جهاز الشرطة المصرية مستقلاً، وينص على ذلك في القانون الجديد، مشيرًا إلى أن المادة رقم "1" من قانون الشرطة، تنص على أن رئيس الشرطة هو رئيس الجمهورية، وبذلك لا يمكن محاسبته.

 

ويدعو قطري إلى أن يكون رئيس جهاز الشرطة هو الدستور والقانون فقط، حتى يمكن لجهاز الشرطة محاسبة الرئيس، ويكون مستقلاً بذاته.

 

مدرسة العادلي

كما يطالب المجلس الأعلى للقوات المسلحة بصفته الحاكم الحالي، بأن يقوم بتنقية جهاز الشرطة من خلال إقصاء كل مساعدي وزير الداخلية السابقين، وإقصاء المجلس الأعلى للشرطة، بالإضافة إلى إقصاء الصف الأول والثاني من جهاز الشرطة تمامًا، موضحًا أن ذلك الإقصاء لن يضر بجهاز الشرطة لأن هناك صفوفًا ثالثة ورابعة وخامسة، ولديهم خبرة ممتازة، أما الصفوف الأولى والثانية فتربوا في مدرسة العدلي الفاشلة والراسبة أمنيًّا لنحو 15 سنةً، فمن الصعب تغير سلوكهم.

 

ويوضح أن إلغاء مباحث أمن الدولة وإلغاء الأمن المركزي أمران لا بدَّ من إتمامهما، ضمن عملية تنقية جهاز الشرطة، بالإضافة إلى ضرورة تخفيف العبء عن الشرطة من أمور ليست من اختصاصها فتلغى إدارات شرطة الكهرباء، والتموين والتجارة الداخلية، والتهرب الضريبي، والحراسات الخاصة على البنوك، والكنائس، والمنشآت الهامة، وشرطة التعمير والمجتمعات الجديدة على أن يُستعاض عنها بأمنٍ خاصٍ تابع لهذه الجهات يرخِّص لأفرادها بالضبطية القضائية في حدود الاختصاصين الفني والجغرافي، على أن تخضع مثلها مثل غيرها لحراسة الشرطة العادية.

 

ويصف قطري حملات جهاز الشرطة في الإعلام الحكومي حاليًّا بأنها ساذجة ومستفزة للمواطن الذي طالما عانى من بطش الشرطة، ويقول هي حملات فاشلة تمامًا ذات خلل عقلي، تدل على اهتزاز جهاز الشرطة بالكامل ومحاولة تعلقة بقشة، إلا أنها لن تؤتي بثمارها لأنها صاحبة وجدانٍ فاسدٍ متصلة بمدرسة العادلي الفاشلة.

 

ويرى ضرورة تقليد أجهزة الشرطة الغربية، التي يضرب رجالها التحية العسكرية للمواطنين في الشارع، ويتعاملون مع المواطنين بمنتهى الاحترام والتقدير، ويوقن رجالها أنهم خدم عند الشعب لا غير، مستنكرًا تصريح وزير الداخلية الجديدة بأن دورات حقوق الإنسان سيتم تدريسها بشكلٍ أجود في أكاديميات الشرطة، مؤكدًا أن كلَّ ذلك كلام إنشائي لتسكين الرأي العام.

 

ويستبعد نجاح فكرة أن توضع قبضة الداخلية تحت إشراف الجيش، مشيرًا إلى أن القوات المسلحة معنية بأمن الخارج فقط، والمطلوب إعداد ضابط شرطة لا يقتل وإن قتل يكون خائنًا، أما ضابط الجيش يقتل وإن لم يقتل يعتبر خائنًا، فضابط الشرطة مختلف تمامًا عن ضابط الجيش.

 

ويشدِّد على رعاية وفرض أخلاقيات ضابط الشرطة بميثاق شرف، يكون كالبذرة يتم رعايتها في مناخ مناسب في معسكرات الشرطة بعد فلترتها، بحيث تعود الشرطة تحت وصاية الشعب.

 

ويطالب بسرعة حل مباحث أمن الدولة، على أن يسند عملها الخارجي إلى المخابرات العامة، والداخلي إلى الأمن العام والمباحث الجنائية، بالإضافة إلى إلغاء الأمن المركزي ويُضَاف عمله إلى إدارات قوات الأمن، على أن يكون المجندين في الشرطة من حملة المؤهلات بنسبة 50%، فضلاً عن ضرورة أن تُغّل يد الإدارة العامة للإعلام والعلاقات عن مراقبة الصحف ووسائل الإعلام، على أن يُعاقب المخالف جنائيًّا بالحبس والعزل.

 

سيادة القانون

 الصورة غير متاحة

د. محمد البلتاجي

ويوضح الدكتور محمد البلتاجي، عضو مجلس أمناء ثورة 25 يناير وعضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين في برلمان 2005م، أنه لا بديل عن تصفية جهاز أمن الدولة تمامًا، وتقديم كلِّ قياداته إلى المحاكمة، سواء التي شاركت في القمع بشكلٍ مباشرٍ أو غير مباشرٍ، بالإضافة إلى ضرورة إعادة صياغة رسالة وزارة الداخلية بشكلٍ كاملٍ من جديد، وتقديم رجال الشرطة اعتذارًا وبراءة من كلِّ الممارسات السابقة بشكلٍ واضحٍ.

 

ويشدد على ضرورة تفعيل خضوع جهاز الشرطة لسيادة القانون، ومراقبة القضاء لحماية حقوق الشعب، معتبرًا أن الحملات الراهنة لتجميل الشرطة شكلية وسطحية ولن تستطيع إقناع المواطنين.

 

ويدعو إلى مشاركة شخصيات حقوقية وقضائية ومدنية في العمل بأجهزة الشرطة، لضمان نزاهتها وتأمين المواطنين والشعب، أما فكرة أن يخضع جهاز الشرطة تحت مسئولية الجيش فيراها غير صالحة؛ ويقول: "نحن لا نريد أن نحيا تحت سيطرة منظمة عسكرية".

 

ويشير إلى تخفيف جهاز الشرطة من مسئوليات أقحمت عليه وتثقل كاهله، وأوقعته في أخطاء جسمية، وعلى رأسها المشاركة في إدارة الانتخابات النيابية والرئاسية؛ بحيث تنقل تلك المهمة إلى وزارة العدل أو وزارة الإدارة المحلية، كما هو سائد في كثير من دول العالم، لكي يتولى القضاء إدارة العملية الانتخابية برمَّتها، بما في ذلك إعداد الجداول الانتخابية بعيدًا عن إدارة الشرطة.

 

نفس الكأس!

 الصورة غير متاحة

 حافظ أبو سعدة

ويقول حافظ أبو سعدة، رئيس المنظمة المصرية لحقوق الإنسان: إننا في حاجةٍ إلى إعادة هيكلة الشرطة من جديد، وإلغاء القوانين الاستثنائية، وتدريب رجال الشرطة على احترام حقوق الإنسان، مشيرًا إلى أن ذلك لن يتم قبل محاسبة رجال الشرطة المتورطين من أصغرهم لأكبرهم، والاعتراف بارتكاب جرائمهم الشنعاء.

 

ويضيف: المخطئون لا بدَّ أن يتجرعوا من نفس الكأس، وينالوا عقوبتهم؛ حتى يُشفى صدور المواطنين المصريين، مطالبًا بتطبيق القانون بحسمٍ، ووضع رقابة ذاتية داخل وزارة الداخلية، من خلال كاميرات وسماعات، فضلاً عن قيام النيابة العامة برقابة دورية على أقسام الشرطة، وإجراء تفتيشات مفاجئة، ليتم ردع المخالفين والمتكبرين.

 

ويدعو إلى أن يخضع كلُّ شرطي يضرب المواطنين لعقوبة جائرة، إلا إذا ثبت أن ذلك كان ضروريًّا للدفاع عن النفس، وتحويل المخطئين إلى محاكمة سريعة لِتُلزِم العاملين في الشرطة باحترام حقِّ المواطن في الحياة، والرضوخ لنصوص القانون.

 

ويؤكد أن حملات الشرطة لن تجدي بأي أثر على المواطنين، "لأن الصورة لن يتم تغيرها إلا عندما يتغير الأصل"، مستنكرًا أن جهاز الشرطة ما زال ينتهج نهجًا خاطئًا في تصحيح صورته، من خلال تغير شعارات والتشبث بأخرى خادعة، دون وجود أي تحرُّك فعلي في إصلاح المنظومة من الداخل.