- أمين إسكندر: التخلص من فتن النظام السابق أمر معقد للغاية

- الجندي: يجب البعد عن تصيد الأخطاء للغير وأن نتحلى بالتسامح

- جورجيت قليني: هناك مستفيدون من عودة الأوضاع إلى قبل 25 يناير

 

تحقيق: الزهراء عامر

في الوقت الذي يحتفل فيه المصريون بانتصار ثورتهم البيضاء التي استطاعت أن تقضي على العديد من المشاكل المزمنة التي يعاني منها المجتمع عشرات السنين، وعلى رأسها الطائفية والعنف والغضب، وبعد الوحدة والتآخي الذي شهده ميدان التحرير، قام بعض رموز النظام السابق وضباط أمن الدولة بإشعال نيران الفتنة مرةً أخرى، والعمل على تغذيتها من أجل معاودة الاشتعال بشكل لا يمكن السيطرة عليه، والقضاء على الثورة بشكل نهائي.

 

وعلى الرغم من أننا طوال ثمانية عشر يومًا من عمر الثورة، وفي ظلِّ الغياب الأمني الكامل، واختفاء الشرطة كليًّا، إلا أننا لم نسمع عن اعتداء واحد على كنيسة أو حتى معبد يهودي، فها نحن الآن وبعد أن بدأت الشرطة تعود لمهامها وهي فاقدة للثقة في نفسها- نسمع عن القسيس الذي قُتل، والدير الذي تعرَّض للقصف.

 

فالمصريون استيقظوا يوم الجمعة الماضي على خبر كان كالكابوس بالنسبة لهم، ألا وهو مقتل مسلمين اثنين وإصابة ثالث وإشعال النار في كنيسة وهدمها؛ وذلك بقرية صول مركز أطفيح محافظة حلوان، وعند تشييع الجنازة قام البعض بإحراق الكنيسة.

 

وفي اليوم التالي تظاهر بضعة آلاف من المسيحيين أمام مبنى الإذاعة والتلفزيون، مطالبين بإعادة بناء الكنيسة، ورد عليهم المجلس العسكري بإعادة بناء الكنيسة في موقعها الأصلي على حساب القوات المسلحة، ولكنهم زادوا بمطالب أخرى منها الإفراج عن قسٍّ حُكم عليه بالسجن في قضية جنائية، وبالفعل تمَّ تنفيذ هذا المطلب أيضًا، إلا أنهم قرروا الاستمرار في اعتصامهم أمام مبنى الإذاعة والتليفزيون.

 

في المقابل تظاهر المئات من السلفيين أمام مجلس الوزراء، مطالبين بإعادة المسلمات المحتجزات في الكنائس والأديرة، في إشارةٍ إلى بعض المسيحيات اللائي أعلن اعتناقهن للإسلام ثم اختفين في الأديرة.

 

وتصاعدت سخونة الأحداث عندما قطع المسيحيون كوبري السادس من أكتوبر الحيوي الذي يمر بوسط القاهرة رابطًا شمالها بغربها، وأطلقوا أعيرةً ناريةً في الهواء لإجبار السيارات على عدم المرور، فيما قطع مسيحيون آخرون طريق "الأوتوستراد"، ووقعت مصادمات مع مسلمين، نتج عنها مقتل شاب مسيحي، وجُرح ما يزيد على 10 آخرين، وما زالت المصادمات مستمرة.

 

والسؤال هنا من المستفيد من إثارة الفتنة الطائفية والقضاء على الوحدة التي شهدتها ثورة 25 يناير؟ وهل هناك أيادٍ خفية تابعة لفلول النظام السابق هي مَن تُحرِّك هذه الفتنة؟ وكيف يمكن أن نقضي على بذور الفتنة الطائفية في مصر؟

 الصورة غير متاحة

 أمين إسكندر

 

في البداية يرى أمين إسكندر رئيس حزب الكرامة أن التخلص من ميراث الحقد والفتنة الثقيل الذي زرعه نظام مبارك طوال ثلاثين سنة في المجتمع أمرًا ليس بسيطًا؛ لأنه منذ عام 1971م في حادث الزاوية الحمراء وقعت 160 حالة توتر طائفي عنيف مرت على المجتمع مرور الكرام.

 

ويوضح أن تغير ثقافة الفتنة يحتاج إلى دولة حديثة، ودستور قائم على فكرة المواطنة، ويشترك فيه الجميع دون تسلط أو تحجر، بالإضافة إلى إعادة صياغة مناهج تعليمية جديدة، فضلاً عن إعادة صياغة دور الكنيسة في تربية النشء.

 

ويضيف أن المجتمع يحتاج إلى دولة مواطنين تكون علاقة أفرادها بعيدة عن علاقة الإنسان بينه وبين ربه، حتى لو كان عند البعض مرجعية دينية ولها أسس، بالإضافة إلى الحاجة إلى وطن له مشروع وله حلم، وأن نتعلم مما سبق أن افتقاد الحلم والرؤية يصل بالمجتمع إلى أفق مسدود.

 

ويؤكد أن التصدي لأي عارضٍ ليس صعبًا ولكنه أحيانًا يكون مزعجًا ويصبح مزمنًا ولهذا لا يمكن أن يحل إلا إذا درست أسبابه بعمق وتركيز شديد، مطالبًا بضرورة أن نثبت أحقيتنا بالحرية والعدالة عن طريق محاربة الفتنة، وتفويت الفرصة على أعدائنا، للخروج من المحنة أكثر قوةً، وأكثر ثقةً في أحدنا الآخر، ورغبة في مدِّ جسور التواصل معه.

 

محاربة الاستقرار

 الصورة غير متاحة

د. محمد الشحات الجندي

ويؤكد د. محمد الشحات الجندي الأمين العام للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية أن ما يحدث الآن من إثارة للفتن الطائفية والاعتداء على دور العبادة كما حدث في أطفيح، أمر يخالف تعاليم الدين الإسلامي الحنيف الذي دعا إلى احترام دور العبادة لغير المسلمين، مثلما فعل النبي صلى الله عليه وسلم، وأعطى العهود للنصارى بألا تهدم كنائسهم، وألا يمنعون من الصلاة فيها.

 

ويرى أن هذه الأعمال المرفوضة ليست من صنع مسلمين فاهمين جيدًا للدين الإسلامي، وإنما هي قد تكون من بعض الأشخاص الذين يسعون إلى انتشار المشاكل في المجتمع المصري؛ بهدف إحداث الوقيعة بين المسلمين وغير المسلمين، موضحًا أن الروح التي وُجدت طوال أيام الثورة وسَعِي المسلمين لحماية دور العبادة بعد غياب الشرطة تثبت أن الفرقة التي زرعها النظام السابق ومحاربته الاستقرار المجتمعي من أجل بقاء عرشه، أمر مرفوض مجتمعيًّا، وأن المسلمين والمسحيين كيان واحد.

 

ويوضح أنه في ظلِّ هذه المرحلة الجديدة والتي تحتاج لجهود كل مصري علينا أن نرتقي لهذه المرحلة، وأن نكون على قدر المسئولية، ولهذا لا بد من القيام بعمل حملات منظمة من جانب المؤسسة الدينية لتأكيد الأخوة والترابط بين المسلمين والمسيحيين، فضلاً عن التأكيد من جانب الخطاب الديني على حرمة دور العبادة، وأن الوطن من الممكن أن يتعرض لأخطار جسيمة من مثل هذه الأمور؛ لأن هذه المسألة مسألة دينية واجتماعية في نفس الوقت، بالإضافة إلى العمل على وأد الفتنة؛ لأن وأدها مطلوب شرعًا.

 

ويطالب المجتمع المصري ككل بأن يتحلى بقيم التسامح والبعد عن تصيد أي خطأ من أي طرف للتعليق عليه، وبروزه واستخدامه في تأجيج النار، وألا نحاسب أمة بسبب فرد، حتى نُكمل النصر ونقضي على المزايدين، ونلتفت لبناء حضارتنا وتأسيس مشروعاتنا القومية، من أجل حياة أفضل لأبنائنا ولمن نحب.

 

ويشدد على ضرورة أن يتحدى المصريون هذه الأزمة لكي يثبتوا للعالم أنهم قادرون على التعايش السلمي بينهم، وأن ما حدث من تخريب كانت فترة استثنائية، بالإضافة إلى البعد عن سماع الأصوات الخارجية، وألا نعطيهم الفرصة لكي ينفذوا ما يطمحوا إليه.

 

ويتوقع أن يهدأ الشارع المصري وتقل هذه الحوادث حتى تنتهي بشرط أن تستمر مسيرة الإصلاح في مسارها الطبيعي.

 

خطاب ديني متوازن

 الصورة غير متاحة

د. سالم عبد الجليل رضوان

ويرى د. سالم عبد الجليل رضوان وكيل وزارة الأوقاف المصرية لشئون الدعوة الإسلامية أنه لا بد من وضع خطتين للقضاء والتخلص من الفتنة الطائفية في المجتمع، وهما خطة قصيرة الأمد عاجلة جدًّا متمثلة في قيام رجال الدين بالنزول إلى المناطق التي تشتعل فيها الفتن، ويقومون بتوعية مواطنيها؛ خاصةً من لهم قبول، بالإضافة إلى مساعدة الجيش في بناء الكنيسة مرةً أخرى، وخطة أخرى طويلة الأجل متمثلة في إيجاد خطاب ديني متوازن بين الطرفين يحقق الأخوة والرحمة والتسامح بين الطرفين.

 

ويبين أن الثورة المصرية التي قام بها خيرة شباب مصر، مع الأسف صدَّرت إلينا بعض الأخلاقيات السيئة، والتي ظهرت عند قلة من المصريين، موضحًا أن هؤلاء هم الذين يقومون بالبلطجة والاعتداء وإثارة الفوضى في المجتمع، ومن مظاهر هذه الفوضى الفتنة الحالية، في حين أن الثورة أظهرت مدى العلاقة الطيبة والانسجام والوئام بين المسلمين والمسحيين.

 

ويهيب بعقلاء الوطن أن يتصدوا لهذه الفتنة المغرضة، وألا يسمحوا لهؤلاء القلة المندسة في المجتمع أن يحدثوا ثورةً مضادة، مؤكدًا أن العلاقة بين المسلمين والمسحيين ستظل علاقةً متينةً يجمعها الحب الأخوي والمصرية الوطنية وتجمعها المصالح المشتركة والدين يرسخ لهذه العلاقة.

 

ثقافة الانتقام

ويقول يوسف سيدهم رئيس تحرير وطني الصحف المصرية: إنه ليس هناك مشاعر عدائية بين المسلمين والمسحيين تدفعهم لانتقام من بعضهم، لكن هناك مجموعة من ضعاف النفوس يستخدمون ظرف التجاوز الأخلاقي الذي حدث بين شاب مسيحي وفتاة مسلمة من أجل إحداث بلبلة وانقسام في وحدة الصف المصري وتفتيت التكاتف الذي أعادته الثورة المصرية للمجتمع، مؤكدًا أنه لا بد من التخلص من نقيصة الانتقام لشرف الدين من أعتاب الدين الآخر في حالة حدوث أي خطأ غير متعمد بين مسلم ومسيحي.

 

ويطالب بأن يكون المجتمع أكثر وعيًا في تحليل الأخبار وكيفية التعامل معها، مع عدم الانسياق وراء أي شائعة مغرضة، وألا ننسى دماء شهدائنا الذين سقطوا في الميدان، من أجل أن نكون في مواقعنا الآن، وأنهم يستحقون منا أن نحقق ما ماتوا من أجله، من وحدة وطنية حقيقة، وبناء اجتماعي متماسك، وتعاون على البر والتقوى، وصولاً لمصر أخرى أجمل وأفضل.

 

ويضيف أن المجتمع لا بد أن يتم بناؤه ثقافيًّا، فضلاً عن أن يتمَّ محاسبة كل من تسبب في هذا الجرم، فهؤلاء ليسوا مسلمين، وما فعلوه ليس مسلكًا محترمًا ولا عاقلاً للدفاع عن الدين، موضحًا أن الحملات الزخرفية التي تدعو للتسامح، وفي نفس الوقت لا يتم محاسبة الجناة، أصبحت ليس لها قيمة، وإن لم يتم التدخل الفوري سيتحول المجتمع إلى حالةٍ من الفوضى الحقيقية.

 

الثورة المضادة

وتوضح جورجيت قليني النائبة السابقة بمجلس الشعب أن هناك فئات جديدة وكثيرة ظهرت في المجتمع بعد أحداث ثورة 25 يناير من شأنها تحاول أن تحاصر مكاسب الثورة وترجع بالمجتمع للخلف دور إلى ما قبل 25 يناير.

 

وترى أنه قبل أن نبحث عن الحلول لا بد من رصد الواقع الفعلي للمشكلة ومعرفة حجمها الطبيعي؛ حتى يتم اختيار الحلول المناسبة لها، موضحًا أن زيارة شيخ الأزهر والبابا شنودة وبعض رجال الدين الإسلامي والمسيحي لأماكن الفتنة مهمة جدًّا للتخفيف من الحدة؛ لأن أهم طرق العلاج هي محاصرة خطورة المرض.