كان العامل الأساسي والهدف الرئيسي الذي اجتمعت عليه عصابة الحكم السابق هو المصلحة الشخصية؛ وذلك باستغلال كل مقدرات الأمة استغلالاً يحقق لكل فرد من أفراد تلك الشرذمة؛ لتضخيم ثروته واستغلال نفوذه وسطوته المستمدة من سطوة الحزب الحاكم في ابتلاع كل ما يزيدهم ثراءً ونفوذًا وجبروتًا.

 

وتعاونت كل مرافق الحكم في معاونة هؤلاء اللصوص في توسيع دائرة الظلم والطغيان؛ فأسرفت في وضع مقدرات كل قوى القهر تحت إمرة هذا الكيان البغيض.

 

وتسابقت الحكومة بكل وزرائها وأجهزة الأمن (متمثلة في جهاز أمن الدولة والأمن المركزي) في ترهيب وتخويف الناس جميعًا، وإخضاعهم تحت سطوة وهيمنة هذه العصابة، ولكن لا يحيق المكر السيئ إلا بأهله.. ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (14)﴾ (الفجر).

 

وأبى الشعب الأبي أن يستمر خاضعًا لهذا القهر والطغيان فقد فاض به الكيل، فاتحدت كلمته، وسطر في تاريخ العالم أسطورة لم يشهد لها التاريخ مثيلاً، انصهرت فئاته وتياراته شيوخه ونساؤه وأطفاله خلف شبابه الذين أوقدوا شعلته الأولى؛ فأنتجت سبيكةً ونسيجًا كان أصلب، وأقوى من كل وسائل الضغط والقهر والتخويف.

 

وأثبت أبناء مصر أنهم أبناء حضارة عميقة عريقة في جذور التاريخ، وأنهم أهل لتقديم صفحة جديدة من تاريخهم تتناسب مع هذا التاريخ العظيم.

 

كانت هذه الخطوة الأولى، ولكن ما يتبعها من خطوات هو الأهم وهو الأجدر في التعامل معه بوعي وإدراك يتناسب مع طبيعة المرحلة.

 

أولى هذه الخطوات وأهمها:

1- أن تبقى هذه السبيكة التي أنتجتها الأحداث على صورتها النقية الطاهرة المنزهة عن كل مطمع أو مصلحة شخصية؛ بحيث نقدم مصلحة الأمة على مصلحة الفرد.

 

2- أن يظل التعاون بين قوى الشعب والجيش قائمًا متزايدًا في تلك الفترة الانتقالية، وأن يتعاون الجميع في هذه المرحلة الحرجة حتى يجتازها بأمن وأمان.

 

3- ألا يدعونا هذا الجو الجديد من الحرية في إبداء الرأي أن يكون الرفض دائمًا هو رائدنا.. دونما نظر أو إمعان في القضايا المطروحة.. فما لا يُدرك كله لا يُترك كله، كما يحدث بالنسبة للكلام عن التعديلات الدستورية.

 

4- أن نحسن الظن ببعضنا البعض، ولا نستجيب لدواعي الفرقة والفتنة التي دأب النظام السابق على نشرها بين فئات الشعب وأطيافه، ولن يتم هذا إلا أن نلتقي على كلمة سواء تعمل على الحرص على إرضاء الأطراف ما أمكن، مع الاستعداد للتعامل بالمعاني السامية كالإيثار وإنكار الذات.

 

5- الانتباه الشديد لما يدسه أذناب النظام السابق، وهو كما رأينا قد يصل بهم لحد الفوضى التي يمكن أن تدمر كل مقومات الأمة.

 

فهناك شخوص كانوا من أعمدة الفساد في النظام السابق من أمثال: زكريا عزمي- فتحي سرور- صفوت الشريف- مفيد شهاب، وبقايا الحزب الوطني، لا يزالون يرتعون أحرارًا رغم أن الجميع يعلم دورهم المدمر طوال الفترة السابقة واللاحقة، وهنا لا بد أن يحاكم هؤلاء على ما قدمته أيديهم، وأن يحاسبوا على سوءاتهم التي ارتكبوها في حق الشعب، وبالتالي لا بد أن ينتهي عصر الحزب الفاسد، وأن ترد ثرواته ومقراته (التي هي ملك للأمة) إلى الدولة يستفاد منها، وأن تنتهي هذه الأسطورة الإجرامية من سجلات تاريخ الأمة.

 

بل لا بد أن يشار إلى هذا الحزب وإلى سدنته ومواليه أنهم جميعًا يتحملون مسئولية الخراب الذي حل بمصر وأبنائها.

 

6- أما جهاز أمن الدولة والذي يجب أن يسمى جهاز (فساد الدولة) فلا بد من التخلص منه نهائيًّا؛ فقد كان ولا زالت آثاره وبواقيه علامة تدل على كل معاني الإجرام والقهر، بعد أن أصبح الحاكم بأمره والمتسلط على كل مرافق الدولة، والمتحكم في مسيرة الأمة كلها دونما تمييز بين عالم وجاهل وبين مصلح ومجرم، بل إن المجرم كان دائمًا صاحب حق لدى هذا الجهاز البغيض.

 

ولست أدري ما يقصده وزير الداخلية من قولته سنعيد تكوين الجهاز لمحاربة الإرهاب والتجسس، فالمعلوم أن التجسس من اختصاص المخابرات العامة، ولقد كان لهم دور ملموس في محاربة التجسس بكل صوره وأشكاله، وأما الإرهاب فلست أدري ما يقصده، هل سنعود لنلقي بالتهم جزافًا دونما تحقق أو بحث ونلصق تهمة الإرهاب بكل شريف لا ترضى عنه السلطة الحاكمة ويعود الجهاز لماضيه؟ هذا الكلام يحتاج إلى مراجعة.

 

وليعلم الجميع أن التخلص من هذا الجهاز الذي رصدت له الأموال وشيدت له المباني والحصون والسجون الفارهة كان أسوأ، وأضل الأسلحة الذي استخدمها النظام السابق.

 

فلا بد من هدمه تمامًا ومحاسبة أفراده على ما جنت يداهم من بث الفزع، وإراقة للدماء، وتلفيق التهم للشرفاء.

 

7- يبقى بعد ذلك أن ننتبه إلى العدو الجاثم على حدودنا، وعلى مؤيديه والذين كانوا سادة النظام السابق ومحددي مسيرته ومؤيدي الطاغية.

 

لا بد أن نوقن أن الكيان الصهيوني هو العدو الأول ومن ورائها أمريكا وحلفاؤها.

 

ولنتأسى برسول الله صلى الله عليه وسلم عندما أسس لأعظم وأكرم دولة في التاريخ البشري، فقد كان الأساس الذي بنى عليه تخطيطه:

 

1- تأصيل معنى الصلة بالخالق وتعميق هذا السلوك.

2- تأكيد معنى الأخوة بين أفراد المجتمع.

3- وضع الضوابط للعلاقة مع الغير.

 

كان هذا في وثيقة تعتبر أول وثيقة تعالج حقوق الإنسان كما يريد رب العزة ويرضى.

-----------

* نائب المرشد العام للإخوان المسلمين