ما كان للخونة وأعداء الوطن العزيز (مصر) من فلول الحزب اللا وطني اللا ديمقراطي وجهاز تخويف الدولة، الذين تسلطوا سنين طويلة على البلاد والعباد- ما كان لهم أن يتقبلوا ما حدث من ثورة أسقطت عروشهم، وهدمت سلطانهم، فانبروا يشهرون أسلحتهم التقليدية الدنسة، وعلى رأسها سلاح الفتنة الطائفية؛ ليحرقوا الأخضر واليابس، وليحدثوا الوقيعة بين مسلمي أرض الكنانة ومسيحييها، ولسان حالهم يقول: "عليَّ وعلى أعدائي".

 

وكمْ هي قبيحة مرذولة، قلبًا وقالبًا، كلمة الفتنة؛ لما تعنيه من شرور وآثام، وما يستتبعها من جراح وآلام، ويزداد شرها، ويتفاقم خطرها إذا حدثت بين أتباع رسالات سماوية ومناهج ربانية، لقد روّعت كل متدين، وأحزنت كل عاقل، مسلمًا كان أو مسيحيًّا، تلك الحوادث البشعة التي وقعت في قرية "صول" مركز أطفيح بمحافظة حلوان من قتل للأنفس، وهدم لكنيسة الشهيدين، وما استتبع ذلك من ردود أفعال غاضبة في المقطم، وغيرها من المناطق في قاهرة المعز.. إنها الفتنة النائمة لعن الله من أيقظها، وغفر لمن أكلوا الطعم، فانساقوا يقتلون الأبرياء، ويسفكون الدماء، ويقطعون الطرقات.

 

حين تدبرت هذه الأحداث المؤسفة، بل والتي يكاد يتقطع لها نياط القلب، وربطت بينها وبين تفجير كنيسة "القديسين" بالإسكندرية، والذي وقع قبل اندلاع الثورة ببضعة أشهر، أيقنت أن وراء هذه الأحداث، أولئك الأعداء الذين يعيشون معنا بأجسادهم فقط، بعد أن باعوا أنفسهم للشيطان، وتآمروا على أمن هذا الوطن العزيز واستقراره، وأعتقد أن هذا قد بات يقين كل مصري ومصرية من أتباع الإسلام والمسيحية، بعد أن تناقلت وسائل الإعلام من مقروءة ومسموعة ومرئية ما أُشيع من توجه أصابع الاتهام إلى "حبيب العدل"، وزير الداخلية الأسبق، باعتباره ضالعًا أساسيًّا في تلك الجريمة النكراء.

 

وضحكت بمرارة وأسى، أتدري لماذا أيها القارئ الكريم؟!

 

لقد ضحكت هكذا حين ذكرت الاتهام الذي طالما وجَّهه النظام البائد وأجهزته الظالمة إلى كل حر شريف في هذا الوطن الكريم.. إنه الاتهام المشهور: "العمل تنفيذًا لأجندة خارجية"، وها هي الأحداث والتطورات تثبت أن الشرفاء منه براء براءة الذئب من دم يوسف بن يعقوب عليهما السلام، وأن الأجدر بهذا الاتهام والأحق به هو النظام البائد وأجهزته، وقد صدق فيهم المثل العربي القائل: "رمتني بدائها وانسلت".

 

ومن العجيب أن أعداءنا من الصهاينة باتوا لا يتورعون عن الإعلان عن مؤامرتهم ضدنا؛ وإليك- أخي القارئ- هذا التصريح الخطير لمسئول صهيوني رفيع المستوى الوظيفي.. إنه "عاموس يادين"، رئيس جهاز المخابرات الحربية السابق، والذي نشر في شهر نوفمبر سنة 2010م، وقال فيه- نصاً-: "إن مصر هي الملعب الأكبر لنشاطات جهاز المخابرات الحربية الإسرائيلي، وأن العمل في مصر تطوَّر حسب الخطط المرسومة منذ عام 1979م، ولقد أحدثنا الاختراقات في أكثر من موقع، ونجحنا في تصعيد التوتر والاحتقان الطائفي والاجتماعي؛ لتوليد بيئة متصارعة متوترة دائمًا ومنقسمة إلى أكثر من شطر في سبيل تعميق حالة الاهتراء داخل البنية والمجتمع المصري؛ لكي يعجز أي نظام يأتي بعد النظام الحالي عن معالجة الانقسام والوهن والتخلف الذي أصاب الشعب المصري".

 

وأرجو أن تربط معي أخي القارئ بين هذا التصريح وبين الاتهام الموجه إلى وزير الداخلية الأسبق، لنعرف معًا من الذي كان يعمل لصالح أجندات أجنبية، أو بعبارة أصدق وأدق: من الذي خان الله والوطن؟!؛ وبالطبع فإن الإجابة أو الحقيقة باتت معروفة، بل وواضحة وضوح الشمس في رائعة النهار، ولا غرو ولا عجب أن تلجأ الفلول الخائنة المنهزمة إلى نفس أساليبها الخبيثة، وأن تتشبث بأسلحتها الدنسة لتعترض طريق الثورة، أو تعطل مسيرتها الميمونة، وقد غاب عنهم، أو غيبوا أنفسهم عن حقائق لا يستطيع إنكارها إلا حاقد أثيم أو جاحد لئيم، وعلى رأس هذه الحقائق أن العلاقة بين المسلمين والمسيحيين في مصر- عبر التاريخ- كانت مثالاً يُحتذى في التفاهم والتوافق والانسجام، بل في الترابط الصادق والوثيق في مواجهة أية محاولة للنيل من هذا النسيج الواحد والكيان المتكامل.

 

وأسوق في هذا الصدد بعض الأمثلة (دون تقيد بالتسلسل التاريخي):

1) في العقد الثالث من القرن الماضي، وعندما احتد الجدل حول حجة الإنجليز التي ساقوها لإعلان حمايتهم على مصر، وقف القس "سرجيوس" على منبر الأزهر يخاطب المصريين بكلمات تحفظها دفاتر التاريخ بكل فخر، قائلاً: "إذا كان الإنجليز يتمسكون ببقائهم في مصر بحجة حماية القبط، فإني أقول لهم: ليمت القبط وليحيا المسلمون أحرارًا".

 

2) بعد احتلال الإنجليز مصر بعشر سنوات، وإثر إخفاق الثورة العرابية، كتب خطيب تلك الثورة، عبد الله النديم، في صحيفة (الأستاذ) يقول: "المسلمون والأقباط هم أبناء مصر الذين يُنسبون إليها وتُنسب إليهم، لا يعرفون غير بلدهم، ولا يرحلون لغيرها إلا زيارة؛ قلَّبتهم الأيام على جمر التقلبات الدولية، وقامت الدنيا وقعدت، وهم هم إخوان الوطنية، يقصد بعضهم بعضًا، ويشد أزره في مهامه، يتزاورون تزاور أهل البيت، ويشارك الجار جاره في أفراحه وأتراحه، يشملهم جميعًا اسم مصري من غير نظر إلى الاختلاف الديني".    

 

وفي هذا المعنى يقول أمير الشعراء أحمد شوقي، مثنيًا على هذه المواقف ومباركًا هذه الوحدة:

إنما نحن مسلمين وقبطًا     أمة وُحدت على الأجيال

سبق النيل بالأبوة فينا     فهو أصل وآدم الجد تالي

وفوق المواقف وقبلها، فإن القرآن الكريم والإنجيل المقدس يحثان على الترابط والتعاون بين أصحاب الرسالات السماوية لنصرة المبادئ والقيم في دنيا الناس، ومن ذلك:

 

قوله تعالى: ﴿لا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8)﴾ (الممتحنة).

 

وقوله صلى الله عليه وسلم: "إنكم ستفتحون مصر، وهي أرض يُسمى فيها القيراط، فإذا فتحتموها فاستوصوا بأهلها خيرًا، فإن لهم ذمة ورحمًا"، وفي رواية أخرى: "فإن لهم ذمة وصهرًا"، ومعنى الذمة: الحق والحرمة، وكلمة الرحم تذكرنا بالسيدة هاجر أم إسماعيل جد العرب، فهي مصرية، وأما كلمة الصهر فتذكرنا بالسيدة مارية القبطية زوجة سيد الخلق وحبيب الحق صلى الله عليه وسلم، وهي من صعيد مصر، وكان قد أهداها إليه "المقوقس" عظيم القبط.

 

وبين دفتي السيرة النبوية المشرفة صفحة مشرقة من التقدير المتبادل بين سيد الناس وملك الأحباش، فحينما اشتد إيذاء كفار مكة لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن لهم في الهجرة الأولى إلى أرض الحبشة على وجه الخصوص، ثقة في عدالة نجاشي الحبشة، أي ملك الحبشة، وكان نصرانيًّا صادقًا.

 

يقول الإمام ابن إسحاق في سيرته: "فلما رأى رسول الله صلى الله علين وسلم ما يصيب أصحابه من البلاء وما هو فيه من العافية، وأنه لا يقدر على أن يمنعهم مما هم فيه من البلاء، قال لهم: لو خرجتم إلى أرض الحبشة، فإن بها ملكًا لا يظلم عنده أحد، وهي أرض صدق، حتى يجعل الله لكم فرجًا مما أنتم فيه، فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أرض الحبشة مخافة الفتنة، وقرارًا إلى الله بدينهم، فكانت أول هجرة في الإسلام".

 

وقد أحسن الرجل كبير العقل والقلب، النجاشي، استقبال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورفض محاولة كفار مكة استعادتهم، بل وقال كلمة حق بعدما استمع إلى آيات من صدر سورة مريم من جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه، لقد قال: "إن هذا- أي القرآن- والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة"، وليس هذا فقط، وإنما أعطى الصحابة الكرام مطلق الحرية في مملكته، وقال كلمات سجلها له التاريخ بأحرف من نور، حين نظر إليهم وقال: "اذهبوا فأنتم سيوم (أي آمنون) بأرضي، من سبكم غرم، من سبكم غرم، ما أحب أن لي جبلاً من ذهب وأني آذيت رجلاً منكم..".

 

وفي هذا الملك النصراني العادل وأمثاله نزل قوله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (82) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنْ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنْ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (83) وَمَا لَنَا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنْ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (84) فَأَثَابَهُمْ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (85)﴾ (المائدة).

 

فهل ننجرف يا بني وطني بعد هذا إلى فتنة أحكم خيوطها ودبَّرها بليل أعداء حاقدون في داخل الوطن وخارجه، يريدون أن يحبطوا الثورة، وأن يحرقوا ثمارها، حتى لا تعود مصر إلى ريادتها وسيادتها؟! ألا فلنقف صفًّا واحدًا حفاظًا على أمن مصر الكنانة ووحدتها، ولينشط علماء الدين من الفريقين في تبصير الجماهير بالحقائق والتاريخ، وتحذيرهم من الفتن والمؤامرات في هذه الفترة العصيبة التي نعيشها، والتي نأمل في اجتيازها بسلام وعزيمة نحو مستقبل رشيد وغد سعيد، ولنتدبر قول شاعر النيل حافظ إبراهيم رحمه الله في قصيدته "مصر تتحدث عن نفسها":

 

نحن نجتاز موقفًا تعثُرُ الآراء       فيه وعــثرة الـرأي تُـردي

ونعير الأهـواء حربًا عوانًا      من خلاف والخلف كالسل يعدي

ونثير الفوضى علـى جانبيه     فيعيـد الجهـول فيهـا ويبدي

ويظن الغـوى أن لا نظـام     ويقـول القـوي قـد جد جدي

فقفوا فيه وقفة الحزم وارموا    جانبيــه بعزمــة المستعـدِّ

------------

* داعية وكاتب إسلامي.