لا يعرف الإسلام مصطلح الدولة الدينية (tate religion)، ولا مصطلح الدولة الثيوقراطية (theocratic state)، ولا مصطلح (Secular state)، أو الدولة العلمانية، فالدولة الدينية (state religion) أو دولة الكنيسة (state church)، هي الدولة التي تتدخل فيها الكنيسة في كل شئون الحكم على المستوى السياسي والثقافي والعلمي, وقد عانت أوروبا لعدة قرون من سيطرة رجال الدين وفسادهم, ولم يسلم منهم العلماء, بل تعرَّض كثيرٌ منهم للمحاكمة والإحراق.

 

وكانت أشهر المحاكمات محاكمة العالم الشهير جاليليو لإصراره على دوران الأرض حول الشمس, ومحاكمة غيره من العلماء أيضًا، بسبب تبنيهم لنظرياتٍ علمية تتعارض مع المفاهيم الكنسية المعتمدة على ما يُسمَّى الكتاب المقدس، وقد اشتعلت الحروب بين الكاثولبك والبروتستانت، وامتدت لعدة قرون, ونشأ ما يُعرَف بمحاكم التفتيش (inquisition)، وكان دورها الكشف عن المخالفين لتعاليم الكنيسة وما يُعرف بالمهرطقين.

 

وقد أطلق المؤرخون على تلك الحقبة في تاريخ أوربا عصور الظلام، ونتيجةً لهذه المعاناة، ظهرت كتابات بعض المفكرين مثل هيوم وجون لوك وروسو وفولتير تُنادي بعقدٍ اجتماعي جديد يقوم على تنحية الكنيسة عن الدولة والاتفاق على قيمٍ أخرى مشتركة مثل الحرية والمساواة، ومهَّد ذلك لظهور مصطلح العلمانية أو (secularism)، وهو المصطلح الذي أطلقه المفكر البريطاني جورج جاكوب هولي أوك George Jacob Holyoake عام 1850م.

 

أما الدولة الثيوقراطية، فهي تعني دولة (الرب) أو (الله)، والحاكم فيها يتكلم باسم الإله، ونشأ مصطلح الحق المقدس للملوك divine rights of kings
ويعود المصطلح إلى أصلٍ يوناني، فكلمة ثيو تعني إله، وقراط تعني حكم، ثم اصطبغ المصطلح بالمفاهيم المسيحية المستمدة من العقيدة المسيحية، والحاكم فيها لا يُناقش؛ لأنه يتحدث باسم الرب، وهو صورة أو ظل (الله) على الأرض، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.

 

الدولة العلمانية (secular state) هي التي أقامت جدار فصل بين الكنيسة وبين نظام الحكم وشئون الدولة، وهذا التعبير لتوماس جيفرسون الرئيس الثالث للولايات المتحدة، لكنه في الأساس مستمد من كتابات جون لوك، وخاصةً فيما يُعرف بالعقد الاجتماعي (social contract).

 

الدولة في الإسلام بهذا المفهوم لا تنتمي إلى أي قسمٍ من الأقسام الثلاثة، لكنها أقرب إلى مفهوم الدولة المدنية، ولكن بمرجعية إسلامية، أي فهم بشري لكلام الله، وهي بهذا الشكل أبعد ما تكون عن الدولة الثيوقراطية؛ لأنها لا تتحدث باسم الله، فهي تعترف بأن ما تقدمه هو اجتهاد بشري قابل للصواب والخطأ.