الدبلوماسية ملامح إسلامية

"الهدهد" أشهر سفير من أعظم ملك حكم الأرض إلى ملكة سبأ المشركة؛ ففتح ذلك السفير الباب لإسلام الملكة "بلقيس"، ودخول مملكتها في المملكة الإسلامية العالمية، فهل من "هدهد" بشرية في عصرنا تحمل الرسائل، وتبلغ عن خلفاء سليمان بن داود، وعن شريعة محمد- عليهم الصلاة والسلام؟

 

اقتنيت كتابًا صادرًا عن معهد الدراسات الدبلوماسية بالمملكة السعودية تأليف الدكتور/ محمد نادر عطار بعنوان (آداب اللياقة في حياة الدبلوماسي، وأصولها في التاريخ الإسلامي).

 

شدني الكتاب لأتعرف من خلال موضوعاته على مواصفات الدبلوماسي المسلم، ثم رأيت أن أشرك معي فريقًا من القراء ربما ينكشف الستار عن دبلوماسيين مستورين هنا أو هناك حسب مواصفات "القيم" الإسلامية الأرقى، فنسعد بهم سعادة الظامئ بالعثور على الماء، والجائع بالحصول على الطعام، بل العريان حين يجد ما يستر به عورته، ويداري سوأته!

 

كلمة دبلوماسية:

كانت وثائق الاتفاقيات بين الشعوب في العهد الروماني تسمى دبلوما (diploma) وهي لفظة مقتبسة من اليونانية.. فصار المختصون بكتابتها وقراءتها، والتأكد من أصالتها يسمون "الدبلوماسيين"، وصار علم قراءة هذه النصوص يسمى ديبلوماتيك (Diplomatique) وأعطتها الموسوعة البريطانية تعبير: دي-ري-ديبلوماتيكا de-re-deiplomatica.

 

أما الموسوعة العربية الميسرة فتقول إن "كلمة دبلوماسية مشتقة من الفعل اليوناني "يطوي" من طيِّ جوازات السفر، والمرور بشكل معين، ويطلق عليها كلمة "دبلوماسي" ثم صار هذا اللفظ يطلق على الأوراق الرسمية، خاصة وثائق الامتيازات وأحكام المعاهدات الأجنبية".

 

ثم أطلق مُسمَّى "الدبلوماسي" على ممثل الدولة الأجنبية في القرن الثالث عشر الهجري- الثامن عشر الميلادي، ثم صدرت الفقرة (د) من المادة الأولى من اتفاقية "فينا" للعلاقات الدبلوماسية عام 1961م تسمي "الموظفين الدبلوماسيين" بموظفي البعثة الدبلوماسية.

 

وهكذا أصبحت لفظة "الدبلوماسية" تدل على السياسة الخارجية، وعلى الحكمة، وحسن التصرف، عدا دلالتها على عمل الممثلين السياسيين المعتمدين.

 

ويعيش الدبلوماسيون في سلسلة متكاملة من الشكليات تنقسم إلى قسمين:

1- المراسم: أو "البروتوكول"، وتدلُّ على مجموعة التدابير والتقاليد والأصول ومظاهر الحفاوة الواجبة الاتباع في الشئون الرسمية، وفي مختلف المناسبات التي نصَّ عليها مؤتمر "فينا" عامي 1230هـ-1815م ثم 1380هـ-1961م.

 

2- آداب اللياقة (الإتيكيت): وهي التصرفات اللائقة في مختلف المناسبات الاجتماعية للدبلوماسي بشكل خاصٍّ، وللإنسان المتحضر بشكل عام.

 

وليست الكلمتان مترادفتين، فإن الدبلوماسي عندما يحضر حفلة عشاء بمناسبة زيارة عاهل- ملك أو رئيس- يخضع لقواعد المراسم (البروتوكول)، أما إذا لبَّى دعوة أحد أصدقائه من سكان البلد المعتمد لديه في منزله، فإنه يتقيَّد بآداب اللياقة (الإتيكيت)، وذلك يرفع من قدر بلده لدى الآخرين.

 

الإتيكيت:

قيل أصلها الكلمة اليونانية ستيكوس (stychos) ومعناها النظام والدرجات، وقيل أصلها ألماني (stechen) بمعنى الطابع أو المظهر الخارجي.

 

ويصر الفرنسيون على أن الكلمة فرنسية الأصل محورة عن (estiqer) التي تحولت إلى (etiquette)، وأصبح يقال قوانين الإتيكيت، ومخالفة الإتيكيت، وهذا الأصل الفرنسي اعترفت به موسوعة (الجميع) البريطانية.

 

أما التعبير العربي للإتيكيت فهو: ما يدل على الأخلاق القويمة، والتصرفات الأصولية التي تميز الرجل المهذب المحنَّك الذي عركته الحياة، فتعلم بالمراس كيف يتصرف في مختلف المجالات، ضمن إطار مجتمع منظم يعرف كل فرد منه حقوقه وواجباته.

 

لمحة تاريخية:

جاءت القرون الوسطى، وفي الشرق ازدهار وعلوم وآداب، وفي الغرب ظلام وجهل وتخلف، بدأ الإسلام بإصلاح الفرد، ودعا إلى نبذ العادات السيئة، واهتم بالأسرة، ونظم علاقات الآباء بالأبناء، وصلة الأرحام، ونظم الزواج والطلاق والمواريث، ودعا إلى التعاون والأخوة، بل وصل في التنظيم الاجتماعي إلى التحية وردِّها.

 

وخرج العرب إلى العالم، فقامت دولة الخلفاء الراشدين، ثم دولة الأمويين- من الهند والصين إلى فرنسا- ثم قامت الدولة العباسية فتألقت الحضارة الإسلامية، وجاء الإمام "أبو حامد الغزالي" ليؤلف كتابه الشهير (إحياء علوم الدين) فصَّل فيه آداب الطعام، والزيارة، والسفر، والصحبة ومعاشرة الخلق، وما يليق وما لا يليق إذا وُجِد المسلم في مختلف الأمكنة كالمساجد والأسواق والشوارع والحمامات وغيرها، فجاء الكتاب موسوعة كاملة عن آداب السلوك، استشهد الإمام أبو حامد فيه بالقرآن والسنة وتصرفات الصحابة وغيرهم في المناسبات المذكورة.

 

إنصاف:

ولم تخلُ حياة الغربيين من بعض التوجيهات في سلوك الإنسان، ولكن ذلك كان خاصًّا بأهل البلاط، والفرسان، والنبلاء، والناس الحسان، أما الفلاحون فاقرأ عنهم "إذا قضمت قطعة خبز بأسنانك، فلا تغمسها بعد ذلك في الصحن المشترك مرةً ثانية، إن الفلاحين قد يفعلون ذلك لا الناس الحسان". "ليس من المناسب لرجل شريف ذي حياء أن يتخفف من فضلاته- يتبول أو يتبرز- أمام الآخرين، ثم يرفع ثيابه بعد ذلك بحضورهم". "عليك ألا تبسط منديلك بعد أن تُفرغ أنفك فيه، وتنظر إليه كما لو كان رأسك قد طرح اللؤلؤ والياقوت"! "عليك ألا تقدم منديلك لأي شخص إلا إذا كان نظيفًا ومغسولاً". "إن البصاق أمر مستهجن، فإذا اضطررت إليه فحاول إخفاءه قدر الإمكان، وتجنب أن توسِّخ الآخرين به أينما كانوا، وحيث بصقت يجب أن تضع قدمك على ما يخرج من فمك، وفي بيوت العظماء يبصق المرء في منديله"، "إن إخفاء كل أجزاء الجسم- فيما عدا الرأس والأيدي- جزء من الحياء والشرف.. كذلك مما يخدش الحياء أن تنظر أو تلمس أشياء من أجسام الآخرين.. كما لا يجوز التكلم عن أجزاء من الجسم تكون عادة مستورة، بل حتى لا يجوز التنويه بها"، "إذا خلعت ثيابك فاتبع جانب الحياء، واحذر من التعرض لأعين الآخرين"، "يجب أن يُخضع الشاب نفسه للمجتمع المهذب بالأعمال والكلمات المهذبة".

 

ومما لا شك فيه أن هذا الإتيكيت الأوروبي كان من بقايا وآثار تعاليم الرسولين موسى وعيسى- عليهما السلام- ثم من العلاقات الأوروبية مع المسلمين، خاصة الفرنسيين في الأندلس، والإيطاليين لاحتكاكهم بالحواضر الإسلامية على البحر المتوسط.

 

لياقة الدبلوماسي المسلم:

يأخذنا المؤلف د. محمد نادر عطار في جولة من ص 22 إلى آخر الكتاب تحت واحد وعشرين عنوانًا تشتمل على جميع جوانب الحياة تقريبًا تبدأ بآداب السفر، وتنتهي بآداب الأسرة، وسأضيف إلى ما ذكره المؤلف هذه السبعة:

1- الدبلوماسي المسلم في معابد غير المسلمين.

2- الدبلوماسي المسلم في احتفالات الدول بأيامها الوطنية، ومناسباتها القومية.

3- الدبلوماسي المسلم في أفراح ومآتم الشعوب.

4- الدبلوماسي المسلم في الصور التذكارية.

5- الدبلوماسي المسلم وجالية بلده.

6- الدبلوماسي المسلم وقضايا وطنه وأمته.

7- الدبلوماسي المسلم والقضايا الدولية.

الدبلوماسي في السفر

حياة الدبلوماسي قائمة على السفر لتمثيل بلاده في الخارج مقيمًا أو مفاوضًا، فيجب أن يتصرف بهدوء دون عصبية، وبشكل لا يجذب الانتباه، وأن تقتصر حقائبه على الضروري من الثياب والمتاع، وأن تكون حقائبه نظيفة غير ممزقة، وأن يخلو متاعه من الممنوع في البلاد التي يسافر إليها؛ حتى لا يعرض كرامته وسمعة بلاده للانتقاص.

 

أقول: والدبلوماسي المسلم الملتزم غير مدخن، وعلى الأقل لا يجهر بالتدخين إذا كان قد ابتلي به، حتى يقلع عنه، ولا يأكل لحم الخنزير، ولا يشرب الخمر، ولذلك يجب عليه أن يخبر شركة الطيران مقدمًا؛ لتوفر له اللحوم البديلة، وهذا نوع من الإعلان عن هويته.

 

ثم يجب أن يتحلى الدبلوماسي بالآداب والتعليمات الخاصة بوسيلة السفر- طائرة أو باخرة أو قطار- وأن يكون التزامه قدوة للأشخاص العاديين.

 

وعلى المرأة الدبلوماسية- قد ترجح المرأة كسفيرة في بلاط الملكات، أو رئيسات الحكومات- أن تراعي أمورًا في غاية الأهمية والخطورة: فلا تقبل دعوات الطعام الخاصة، أو دفع قيمة فاتورة مطعم من رجل، أو دعوة رجل لتوصيلها إلى مكان ما، أو حضور حفل خاص أو عام غير الزوج أو أحد الأولاد..

 

أقول: هذا حسب التشريع والأدب الإسلامي ولا قيمة ولا اعتبار لغير الإسلام.

 

(البروتوكول) آداب مستحبة:

قبل أن يشرع الدبلوماسي- بل كل مسلم عزم على السفر- عليه أن يراعي هذا الأمور:
1- رد المظالم، وقضاء الديون، وإعداد النفقة لمن يلزمه نفقتهم، ورد الودائع (الأمانات)، والتزود بالمال الحلال الطيب.

 

2- أن يختار رفيقًا.


3- أن يودع الأهل والأصدقاء قال صلى الله عليه وسلم: "إذا أراد أحدكم سفرًا فليودع إخوانه، فإن الله تعالى جاعل له في دعائهم بركة". رواه ابن عساكر. فإن الدعاء بظهر الغيب أدلته صحيحة.
4- أن يصلي قبل سفره صلاة الاستخارة.

 

5- أن يرحل عن المنزل مبكرًا قال صلى الله عليه وسلم: "اللهم بارك لأمتي في بكورها" رواه الترمذي وأبو داود.

 

6- أن يحتاط بالنهار فلا يمشي بلا صحبة (في الترانزيت مثلاً، أو في نزول الطوارئ في الموانئ والمطارات واستراحات الحافلات والقطارات) ويكون بالليل متحفظًا- حذرًا- عند النوم.

 

7- الدعاء بالمأثور.

8- يكتب وصيته فإنه لا يضمن أجله.

9- يسترضي والديه وشيوخه.

10- يستشير أهل الخبرة والنصح والصدق.

11- أن يطلب العفو ممن بينه، وبينهم معاملات، أو نزاع سابق.

12- ألا يترك منزله مهجورًا، بل يسترعيه ناسًا من أهله أو أصهاره أو إخوانه ممن يثق فيهم.

 

13- عند العودة يخبر أهله (زوجته إن لم تكن معه في السفر) كي لا يقدم عليها بغتة فيرى ما يكرهه.

 

14- يحمل للأهل والأقارب- عند عودته- بعض الهدايا قدر إمكانه، فذلك مما يؤلف القلوب ويفرح النفوس.

 

الدبلوماسي خارج وطنه:

عند وصول الدبلوماسي إلى البلد المضيف تجب عليه خطوات رسمية، كمقابلة عميد الهيئة الدبلوماسية بمسماه كوزير الخارجية، أو مسئول في الحكومة.، الخ. وهذا ليس موضوعنا، أما الذي يهمنا قوله للدبلوماسي:

 

1- أن يضع نصب عينيه أنه يمثل بلاده أينما ذهب، وأنه عندما يقوم بأعمال تخالف الآداب العامة أو اللياقة لا يقال: إن فلانًا قد فعل هذا، بل يقال: إن الناس في بلده يفعلون هذا.

 

2- يجب على الدبلوماسي أن يحترم عادات البلد المضيف وتقاليده مهما كانت غريبة...
أقول: والاحترام ليس يعني الالتزام بالعادات والتقاليد المخالفة للهوية الإسلامية، ولكن يعني (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (6)) (الكافرون).

 

ثم أقول: والاحترام لا يعني إقرار المنكر، أو الاعتراف بالرذيلة، فيمكن حينئذٍ غض البصر أو التغاضي، ريثما يتمكن الدبلوماسي من الالتحاق بعمله في الدولة المضيفة فيمارس بعض أعمال الدعوة الإسلامية، ونشر الفضائل من خلال السفارة أو القنصلية، أو الملحقية المناسبة، وبالوسائل التي لا تعد تدخلاً في الشئون الداخلية الخاصة بالدولة المضيفة.

 

تذكر أن:

1- في بريطانيا يتمسك الناس بالألقاب: في البلاط الملكي، ورجال الدين، والقضاة، واللوردات وغيرهم، ولن يجدينا أن ننتقدهم، أو نحاول إقناعهم بعدم جدوى ما يعتزون به، لأن ذلك سيثير نفورهم، ويضع الدبلوماسي في عزلة ليست في مصلحته.

 

2- أما في أمريكا فالرتبة الرسمية- الناشئة عن المنصب- تُقدَّم على الموروثة، ويلقب بعض حكام الولايات بصاحب السعادة (إكسلانس excellency) ولا يخاطب حاكم ولاية أمريكية بالسيد (Mr.) بل يخاطب أمام الجمهور بكلمة "الحاكم فلان"، وتقدم الرتبة العسكرية على اللقب الموروث فنقول "الكولونيل اللورد فلان".

 

أقول: إن هذا مظهر لتوقير وتبجيل أولي الأمر بحسب مسئولياتهم، أما بدعة الضباط الصغار قادة حركة 23 يوليو 1952م في مصر بقولهم: "كلنا سيد في ظل الجمهورية"، بزعم أن رئيس الجمهورية "سيد"، وكل ذي رتبة أو تخصص أو لقب اجتماعي "سيد"، حتى العامل "سيد" والفلاح "سيد" والكناس "سيد"، فذلك نوع من شيوعية الألقاب والأوصاف، وليس في ذلك قيمة تذكر،
قال صاحبي: مهلاً مهلاً، لقد كان الصحابة يتنادون بأسمائهم المجردة عدا النبي، كانوا ينادونه يا رسول الله.

 

قلت لصاحبي: إن الألقاب في المجتمعات عرف مباح لا يحرم شيء منه إلا بسبب أو قرينة، أو نص، مثلما نهى النبي- صلى الله عليه وسلم- عن لقب شاهنشاه بمعنى ملك الملوك، ونهى أن يلقبه أصحابه بالسيد وقال: "السيد الله" رواه ابن السني وابن عساكر. رغم أنه قال: "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة" رواه مسلم وغيره. فهي منزلة وليست لقبًا سيارًا.

 

3- وفي إسبانيا يبطل عمل المسارح قبل عيد الفصح، وتعرض جميع الأفلام حياة المسيح- عليه السلام- وتنظم في الشوارع مسيرات دينية كمسيرات الصوفية في مصر، وأكبرها وأعظمها- الليلة الكبيرة- مسيرة يوم السبت التي تدوم حتى الصباح، تتخللها أغان دينية..

 

4- وفي فرنسا حساسية شديدة للمخالفات، فالفرنسي يعتذر إليك إذا مر أمامك لأنه قطع عليك الرؤية لمحة خاطفة! ولا تنس إلقاء التحية على أي بائع أو محامٍ أو مهندس تدخل مكان عمله، وإلا جرحت شعوره! وهذا متبع في إيطاليا وإسبانيا.

 

5- أما في روسيا فعند مغادرة التاكسي لا تنس أن تقول: (سباسيبا) يعني شكرًا.

 

كل هذه التفاصيل وأمثالها تجب دراستها قبل التوجه إلى البلد المقصود، ومن هنا جاءت ضرورة معرفة السفير بلغة البلد الذي يقصده؛ لأنها الجسر الذي يوصله إلى قلوب أولئك السكان، وليس صحيحًا أن عمله يقتصر على روتين قانوني أو تطبيق أنظمة مكتوبة، كما أن الثقافة العامة لمجتمع البلد المضيف لا تقل عن الثقافة الدبلوماسية، فذلك يشجع أهل البلد على الاختلاط به.

 

وهذه أمور تجب مراعاتها:

- الابتعاد عن الاستعلاء.

- الابتعاد عن الانفعال.

- أن يكون:

* موضوعيًّا واقعيًّا.

* صلبًا أمام المغريات، لئلا يُغرّر به.

* قوي الشخصية.

* حسن المظهر.

* حريصًا على سمعته وسمعة بلده، يدافع عنه دون خصومة أو مشاحنة، بل بالإقناع والقدوة الحسنة.

 

* لطيفًا دون ضعف.

* مجاملاً دون تملق.

* متواضعًا دون إسفاف أو ابتذال.

* صريحًا صادقًا أمينًا (عدا البوح بأسرار بلده).

* بعيدًا عن البحث عن المكاسب الشخصية بطرق غير لائقة (التربح عن طريق استغلال منصبه).

 

* أما زوجته فيجب أن تكون بين قريناتها على نفس المستوى من الثقافة واللياقة- فضلاً عن المظهر الإسلامي- لأن الأنظار تلاحقها.

 

- قال دبلوماسي أمضى أكثر من ثلاثين سنة في خدمة هذه المهنة الرفيعة المستوى: "وسوف تحتاج دبلوماسية المستقبل إلى الدبلوماسي المفاوض الهادئ المتزن الحكيم، الذي ينقل الصورة الأمينة من موقعه، ويعطي النصيحة الثمينة الموضوعية".

 

- الابتعاد عن التدخل في سياسة البلد المضيف، حتى لو كانت تخالف عقيدته.

 

- عدم التعامل مع خصوم النظام القائم.

- عدم مدح أعداء البلد المضيف.

جميع تلك الوصايا وغيرها تجدها في تراثنا الإسلامي، قال الإمام النووي- رحمه الله- المتوفى عام 676 هجريًّا، 1278 ميلاديًّا: "وليجتهد على تعلم ما يحتاج إليه في سفره، وإن كان رسولاً من سلطان أو نحوه، اهتم بتعلم ما يحتاج إليه من آداب مخاطبات الكبار، وجوابات ما يعرض له من المحاورات، وما يحل له من الضيافات والهدايا، وما لا يحل، وما يجب عليه من مراعاة النصيحة، وإظهار ما يبطنه، وعدم الغش والخداع والنفاق، والحذر من التسبب إلى مقدمات الغدر أو غيره مما يحرم وغير ذلك، "كتاب الأذكار، صفحتي 294 و295".

 

الدبلوماسي في الأماكن العامة

إذا لم تكن السفارة قد أعدت مكان الإقامة، فإن أول محطة للدبلوماسي ستكون الفندق، وللإقامة فيه إجراءات معلومة، تبدأ بالحجز المسبق، واختيار الفندق المناسب، وليحذر استقبال أحد من الجنس الآخر في غرفته إلا بعلم إدارة الفندق، وفي هذه الحالة لا يغلق الباب بشكل كامل؛ حتى لا تكون خلوة شرعية محرمة، وهذا متبع في الفنادق الأوروبية والأمريكية، ويا لها من فضيلة، نقر بها، رغم العداء الشديد للحكومات والسياسات المحاربة للإسلام والمسلمين، وليس للشعوب!! وعلى الدبلوماسي مراعاة الإتيكيت المعمول به في الفنادق بكل دقة.

 

أقول: ورغم أن شريعتنا لا تبيح سفر المرأة وحدها، إلا أنها إذا اضطرت للسفر كمبعوثة دبلوماسية عند انعدام الرجال، فلتقصد مكتب تسجيل المعلومات اللازمة عنها، ثم تنطلق مباشرة إلى غرفتها دون تسكع، أو تأمل في الموجودين، أو تفحص في أزياء النساء، ولا يجوز أن تستقبل الرجال أبدًا في غرفتها الخاصة، بل تستقبل زائريها في صالة الاستقبال العامة في الجناح.

 

في السوق:

ليكن الدبلوماسي حذرًا، لأن الأسواق تراقب بثلاث طرق:

- الطريقة المباشرة.

- الطريقة غير المباشرة بوجود مراقبين سريين كأنهم زبائن.

 

- العدسات المعلقة في جوانب السوق.

 

اتّبِع أنظمة الأسواق، وتعرّف على ما يخرجك منها سالمًا غانمًا ومحترمًا.

 

والدبلوماسي في الحدائق العامة، وفي المطاعم، وفي صالات المسرح والموسيقى والسينما، وفي المعارض، وفي وسائل المواصلات، وفي الشارع، وفي المستشفيات، وفي المساجد، أو في الكنائس وفي الزيارات الاجتماعية، وفي آداب الحديث، وفي آداب الدعوة إلى الحفلات والولائم، وفي آداب الحفلات نفسها، وفي آداب الهدايا، وفي آداب العمل، وفي آداب الأسرة والخطوبة والعقد والزفاف والحياة الزوجية، وما يتفرع عن تلك الآداب، ذكر المؤلف أنماطًا وأحوالاً من الذوق العام الإسلامي وآداب الشعوب، فمن أراد الاستزادة، فليرجع إلى مثل كتاب (أدب الدنيا والدين) للماوردي، أو لكتاب (الآداب الشرعية)، لابن مفلح المقدسي.

 

تنويه: فات المؤلف عند ذكر ملابس النساء في الولائم والحفلات الدبلوماسية أن يذكر الحكم والوصف الشرعي لملابس المرأة المسلمة، بل إنه استُدرج، فقال في صفحة 90: "أما في الولائم، فلا يجوز لهن الجلوس إلى المائدة وهن يرتدين الفراء أو المعطف إطلاقًا- يعني أن يكون الصدر مكشوفًا- علمًا بأن الدعوة إلى مآدب العشاء تتضمن عادة نوع الملابس المطلوبة"! في هذا الموضع، كان يجب على المؤلف أن ينبه الدبلوماسي إلى خيارين:

 

1- إما أن يعتذر عن عدم حضور زوجته بسبب مقنع.

 

2- وإما أن يفرض زوجته بحجابها الإسلامي على الحفل، وهذا مسلك الإيرانيين بعد الثورة، وكذلك بعض الأتراك بعد وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم، وبعض الخليجيين وغيرهم من المحترمين!

 

الدبلوماسي في معابد غير المسلمين:

لم يتطرق لها المؤلف رغم أهميتها، وأرى أن الدبلوماسي مخير في حضور بعض المناسبات الدينية للدولة، أو عند الطوائف التي تمنحها الدولة حق عمل احتفالات موسعة، يحضرها أعضاء السلك السياسي الأجنبي. الدبلوماسي المسلم مخير بين الحضور والاعتذار، فإن حضر، فينوي التعرف على الطقوس، وهذا من باب (لتعارفوا)، فيحضر في "الكنيس" اليهودي، أو في "الكنيسة" النصرانية، أو المعبد البوذي أو الهندوسي، وإذا حضر، يتجنب المشاركة في الطقوس، التي غالبًا ما يكون فيها الانحناء، كالركوع، أو رفع اليدين بجوار الأذنين، كما يفعل المسلمون في تكبيرة الإحرام وغير ذلك، ويحذر الأطعمة والأشربة المحرمة.

 

الدبلوماسي في الأيام الوطنية:

للدول أيام وطنية، يحيون ذكراها بإجازات وباحتفالات، وغالبًا يدعى الدبلوماسيون لحضور تلك الاحتفالات، فقد يحضر الدبلوماسي بقصد التعرف على تاريخ الدولة المضيفة وأيام انتصاراتها وتحررها، أو أيام هزيمتها أو تواريخ زعمائها ميلادًا وحكمًا ونضالاً ووفاة، وتلك الأمور كلها من المباحات، ولكن يتجنب الدبلوماسي في تلك المناسبات الوطنية ما يحرم من الطعام والشراب، والاختلاط الفاحش، والقبلات المتبادلة، والرقص، وغير ذلك مما يحرمه الإسلام، إن هذه المناسبات فرص ذهبية للدبلوماسي ليعرض تاريخ بلده وزعماءه المسلمين والوطنيين كنوع مشاركة في المناسبات المماثلة.

 

الدبلوماسي في أفراح الشعوب ومآتمهم:

عرف تعلن عنه الصحف، زواج بنات أعضاء السلك الدبلوماسي وأبنائهم، أو وفيات من الأهل والأقرباء، والدبلوماسي لا مفر له من حضور المناسبات، ولكنه يحذر الأطعمة والأشربة، والاختلاط الفاحش والأعمال المخلة بالمروءة والشرف، وهذه المناسبات أيضًا فرصة سانحة ليعرض على المشاركين مناسك الإسلام، والسنن النبوية كنوع دعوة.

 

الدبلوماسي والصور التذكارية:

جرى العرف السياسي على التقاط صور في الاستقبالات والتوديعات والمؤتمرات، وبعد عقد المعاهدات، وهذا عرف لا بأس به، كنوع من دعم توثيق المناسبة والإعلان عنها وإشهارها في المجتمع الدولي. ولكن الدبلوماسي المسلم يتجنب المخالفات الشرعية، كتبادل وقوف الزوجات، كل منهن إلى جانب الآخر، وإمساك الأيدي، وتبادل القبلات بين الرجال والنساء، أو الرقص الثنائي المتبادل بين الرجال والنساء، وشرب النخب (الخمر). هذه وأمثالها محرمات تحط من أقدار الدبلوماسيين المسلمين لدى شعوبهم، بل لدى أهل الفضائل في الدول المضيفة، فليحذر الدبلوماسي المسلم.

 

الدبلوماسي وجالية بلده:

في بلد التمثيل الدبلوماسي يقطن عدد قليل أو كثير من بلد السفير، أو الدبلوماسي بدرجته الوظيفية، تلك الجالية ترتبط بالبلد الأصلي حتى ولو تجنس بعضهم ببلد الإقامة، فما واجب الدبلوماسي تجاه جالية بلده؟

 

الإجابة ذات شقين:

أما الشق الأول: فهو فيما يخص الإجراءات الرسمية التي تنظمها السفارة أو القنصلية، فتلك الإجراءات يجب أن تؤديها الجهة المنوطة بسهولة وسرعة حتى ينجز أبناء الجالية أمورهم في غربتهم على خير حال، وحتى يعطي الدبلوماسي صورة طيبة لحكومته، لأن جميع السفارات والقنصليات تتبارى في إظهار حكوماتها في مجال الإجراءات الإدارية في أحسن صورة.

 

وأما الشق الثاني: فهو العلاقات العامة فيما بين الشخصية الدبلوماسية كممثل لبلده، والجالية، وهنا تظهر براعة ولياقة الدبلوماسي تجاه جميع أفراد الجالية بصرف النظر عن اتجاهاتهم، إنه يعاملهم كمواطنين فقط تجب لهم الرعاية ويجب لهم الود، لأن الإجراء الأول تجاه أفراد الجالية هو أن تسجل أسماؤهم وعناوينهم في السفارة أو في القنصلية، ليس مجرد إجراء شكلي وإنما من أجل تقديم الخدمات اللازمة عند الضرورة وفي المناسبات.

 

ثم إنني لا أنسى الدبلوماسي المصري- الملحق الثقافي- د. حلمي الشاعر الذي جعل من السفارة المصرية في الرياض ملتقى ثقافيًّا، نظم المحاضرات والمسابقات للكبار والصغار، فكانت مجالاً للتعارف والتواد فيما بين المصريين في العاصمة السعودية في التسعينيات.

 

وقد تألقت بعض السفارات ببعض الأنشطة التي كانت تجمع كثيرين من أبناء الجالية، خاصة سفارات السودان الذي يتمتع أبناؤه بروح اجتماعية عالية وكذلك السفارات اليمنية، وإذا لم يكن الباعث الداخلي والقناعة الشخصية لدى الدبلوماسي للقيام بأعمال العلاقات العامة مع أعضاء الجالية فلن ينهض بشيء من المأمول.

 

الدبلوماسي المسلم وقضايا بلده

قضايا البلدان الإسلامية نوعان:

- قضايا مع الأعداء.

- قضايا فيما بين الأخوة الأشقاء.

فلا تستوي قضية احتلال قرية "أم الرشراش" المصرية- مثلاً- بواسطة الصهاينة، ثم إقامة ميناء "إيلات" على أنقاضها، مع قضية مياه نهر السنغال بين السنغال وموريتانيا، أو قضية حلايب وشلاتين بين مصر والسودان، أو قضية فراسخ مائية بين قطر والبحرين، أو قضية جيزان ونجران بين اليمن والسعودية، أو لواء الإسكندرونة بين تركيا وسوريا، إلخ قضايانا الساخنة والحقيقة مع الأعداء، كقضية كشمير المسلمة مع الهند الوثنية، وقضية تركستان الشرقية المسلمة مع الصين، وقضية ساحل الأدرياتيك البوسني الإسلامي مع كرواتيا الصليبية، وقضية أوجادين الصومالية مع إثيوبيا الصليبية... إلخ، من قضايا المسلمين مع أعدائهم.

 

الدبلوماسي المسلم يحمل هموم بلده المسلم ويطير بها في آفاق الدنيا داعيًا لها، ومبينًا لأبعادها، أما القضايا التي تثار فيما بين البلدان الإسلامية فالأصل فيها دسائس وألغام موقوتة زرعها الاستخراب الصليبي يوم كان محتلاً لبلدان المسلمين حسب أفكار لورنس وتخطيط سيكس بيكو.

 

لقد كان الدبلوماسي المسلم السوداني نموذجًا يحتذي حين أثيرت قضية حلايب وشلاتين، أتذكر جيدًا أن وزير خارجية السودان قال لنظيره المصري: إن للسودان في مصر إلى الإسكندرية والسودان كله لمصر! يومها أدركت أن للدبلوماسي المسلم وجودًا وفكرًا يتجاوز الأزمات المصنوعة والمشكلات الطارئة، وأن الدبلوماسية الراشدة يمكن أن تحل مشكلات قد تؤدي إلى حروب طاحنة.

 

الدبلوماسي المسلم وقضايا الأمة:

ليست قضايا البلد المسلم للدبلوماسي هي القضايا السياسية فقط، فقد تكون القضية اقتصادية أو اجتماعية أو غذائية، لقد كانت ولا تزال قضية المصريين هي الفجوة الغذائية خاصة في القمح واللحوم، أما قضية السودان فهي القلاقل الداخلية وضعف توظيف الموارد الهائلة، أما قضية نيجيريا فهي كثافة النشاط التنصيري، وسطو النصارى على مقاليد بلد مسلم كبير، كذلك قضايا الأمة الإسلامية بشكل عام كقضية الدين الإسلامي من منظور الدول الأوروبية وأمريكا، أو الصين، حينئذ يجب على الدبلوماسي المسلم أن يجند نفسه، ويعبئ جميع الإمكانيات لحل مشكلة بلده الصغير، والمعاونة في حل مشكلات البلدان الإسلامية، من خلال التواجد في الوسط الدبلوماسي الذي يجمع دول العالم في العاصمة التي يعمل فيها.

 

ولا ينسى المتابعون أن ألمانيا بعد خروجها منكسرة من الحرب العالمية الثانية كانت تعاني نقصًا حادًّا في الرجال نتيجة الفاقد في الحرب، فصار الدبلوماسي الألماني يقود الخبراء المتخصصين ويبحث شرقًا وغربًا عن رجال ذوي مواصفات تشبه أو تقترب من الجنس الألماني شكليًّا ونفسيًّا، وتم العثور على الأمل المنشود في تركيا، ففتحت ألمانيا أبوابها للأتراك، وعولجت المشكلة إلى حد كبير، فنشأت أجيال جديدة في ألمانيا تحمل الدماء الإسلامية النقية، وتوطدت علاقات اجتماعية بين الشعبين.

 

نموذج الدكتور عصمت عبد المجيد:

انعقد في شهر مايو 1997م المؤتمر الدولي للتعاون الأورو-متوسطي- في مدينة مارسيليا، تكلمت فيه النائبة الفرنسية "فرانسواز جروستيت" اتهمت الإسلام بمعاداة المرأة! فانبرى الدكتور عصمت عبد المجيد السياسي والدبلوماسي المخضرم ورئيس الجامعة العربية يخاطبها بلسان غير متلعثم وبنبرات قوية: "إن الإسلام الذي تتحدثين عنه يا سيدتي ليس هو إسلامنا الصحيح، وإنما هو إسلامكم أنتم الذي صنعتموه لأنفسكم من محض افتراءات وأكاذيب لا علاقة لها بواقع الدين ولا بحياة المسلمين. وأرجو هنا أن تسمعي ما أقول لكي تصححي ما برأسك حول الإسلام وأهله، فديننا الحنيف هو دين التسامح والتراحم والرأفة، لكن المؤسف أنكم عندما تتحدثون عنه تتناسون الأوروبيين- يتحدث عن الأصولية والتطرف عند الصرب الذين فتكوا بمسلمي البوسنة، واستباحوا لأنفسهم من دمائهم وعرضهم ما لا يقره عقل أو دين أو منطق سويّ- أم أن الأصولية والتطرف والتعصب هي في شريعتكم المغلوطة ليست إلا من نصيب الإسلام والمسلمين فقط؟

 

لا يا سيدتي، الإسلام الصحيح ليس هو ما تتحدثين عنه، فالمرأة المسلمة تنعم بكل الحقوق التي ينعم بها الرجل، سواء بسواء، وقد لا تعلمين أن أكثر من نصف طلاب كلية الطب بجامعة القاهرة- مثلاً- من البنات المتفوقات، وحفيدتي أستاذة بنفس الكلية، ولم يمنعها ذلك من أن تواظب على أداء الصلوات الخمس يوميًّا. ثم ألم تسألي نفسك يومًا: إذا كان الدين الإسلامي بهذه الدرجة من التخلف الذي تتحدثين عنه فلماذا ولجه طائعًا مختارًا رجل بحجم الفيلسوف الفرنسي "روجيه جارودي"؟ ولماذا سلخ رجل آخر بوزن شيخ المستشرقين "جاك بيرك" أكثر من نصف قرن من عمره باحثًا ومنقبًا في علومه ومعارفه؟

 

لا يا سيدتي النائبة، لقد خانك ذكاؤك العلمي والبحثي، فالإسلام الصحيح هو بكل تأكيد شيء آخر لا علاقة به بكل ما يدور في رأسك. وأخيرًا سيدتي نحن أبناء دين سمح، ينشد السلام مع النفس، ومع البشر على اختلاف ألوانهم ومذاهبهم، ونمد أيدينا إليكم عن فهم ووعي كاملين، فليس أقل من أن تمدوا إلينا أيديكم، وتفتحوا لنا قلوبكم بنفس الدرجة من الفهم والوعي الصحيحين بديننا وحياتنا".

 

وبعدما ضجت قاعة المؤتمر بالتصفيق الحاد، صعدت النائبة الفرنسية المنصة وقدمت اعتذارها إلى الدكتور عصمت عبد المجيد وكل المسلمين الموجودين بالقاعة، ثم قالت: إنها إنما استندت في كل ما قالت إلى دراسة أعدها أحد الباحثين خصيصًا للاتحاد الأوروبي، ثم قالت: لقد استفدت كثيرًا مما قاله أمين عام جامعة الدول العربية، وأؤكد له اقتناعي بضرورة إرساء قواعد جديدة ومنصفة وعادلة للفهم المتبادل بين أوروبا والإسلام.

 

ولقد شهد الجميع في نهاية المؤتمر، وعلى رأسه "إيفون بورج" رئيس اتحاد البرلمانيين الفرنسيين في البرلمان الأوروبي بأن الدكتور عصمت عبد المجيد قد لقن الحاضرين درسين عظيمين:

الأول: في سماحة الإسلام واستنارته، وانفتاحه على الديانات الأخرى من خلال الحوار العقلاني الواعي.

 

الثاني: في الدبلوماسية التي ما تكاد تلمس الخصم بإصبعها السحري فتحوله إلى صديق حميم.. وتجعله "معه" بعد أن كان "عليه".

 

الدبلوماسي المسلم والقضايا الدولية:

القضايا الدولية إما حق وإما باطل، وتقدير ذلك إنما يكون بميزان الشريعة الإسلامية، أو بما يسمى "الشرعية الدولية" أي من خلال هيئة الأمم المتحدة دون ضغوط من القوى الكبرى الظالمة، الشرعية الدولية العادلة.

 

أما ميزان الشريعة الإسلامية فيجب على الدبلوماسي المسلم أن يكون على دراية به من خلال مراجع الفقه الإسلامي، أو بمراجعة العلماء المسلمين، حتى يكون الدبلوماسي على دراية وبينة، فلا يخطئ التقدير ولا يتخبط في اتخاذ قرار.

 

أما القضايا التي توزن بميزان "الشرعية الدولية" فينظر فيها الدبلوماسي من ناحيتين:

ناحية مطابقتها للميزان الشرعي الإسلامي، فإن وافقته فهي قضية عادلة، وإن خالفته فهي قضية جائرة خاسرة.

 

وناحية كونها قضية منطقية، بالمنطق العقلي العادل الذي يراعي مصالح الجميع، كالمعاهدات المتفق عليها- التي تم التوقيع عليها دوليًّا- كمعاهدات المرور في الممرات الدولية، ومعاهدات تحديد المياه الإقليمية، ومناطق صيد الأسماك بين الدول، ومعاهدات استغلال أعماق البحار والمحيطات، ومعاهدة منع انتشار الأسلحة النووية. وغير ذلك.

 

الدبلوماسي المسلم يمارس عمله في مجال القضايا الدولية وفق هذين الميزانين، ولا ثالث لهما سوى شريعة الغاب، كالتي تنتهجها الولايات المتحدة الأمريكية تجاه أفغانستان والعراق والدول الصغيرة، وكالتي تنتهجها الهند مع كشمير والصين مع تركستان الشرقية وإثيوبيا مع أوجادين وأورومو، بل مثل العصابات الصهيونية المغتصبة لفلسطين، تلك العصابات التي لم تلتزم بقرار واحد للأمم المتحدة منذ 15 مايو 1948م.

 

أختم بالأميري :

السفير عمر بهاء الدين الأميري كان سفيرًا لسوريا لدى المملكة العربية السعودية، ولدى بعض الدول الأخرى، تعرفه وزارات الخارجية في البلدان العربية وغير العربية؛ لأنه كان نموذجًا للسفير القدوة، حتى صار رمزًا في المجال الدبلوماسي، إنني أناشد ابنه البراء أن يتحف الدبلوماسيين خاصة، والمسلمين عامة بما لديه من ذكريات أو مذكرات والده الدبلوماسي السفير الشاعر الأديب بهاء الدين الأميري رحمه الله.