الاهتمام بالعلماء وتكريمهم والوفاء لهم من الأخلاق الإنسانية النبيلة، التي تدل على تحضر المجتمع، ومن علامات العافية فيه، ودليل على اعتدال نسب الأعمال وحسن إنزالٍ لمراتبها بين الناس، وكم عانت أمتنا- ولا تزال- من إهمال العلماء وقادة الرأي فيها بتقديم غيرهم عليهم من أهل الرقص واللهو والعبث، والله تعالى يقول: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) (المجادلة: من الآية 11)، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: "ليس منا من لم يجل كبيرنا، ويرحم صغيرنا، ويعرف لعالمنا حقه" (رواه أحمد في مسنده، والحاكم في المستدرك عن عبادة بن الصامت، وحسنه السيوطي في الجامع الصغير).
قال الإمام المناوي في شرح الحديث في "فيض القدير": "ومعرفة حق العالم هو حق العلم بأن يعرف قدره بما رفع الله من قدره فإنه قال: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ) ثم قال: (َالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) فيعرف له درجته التي رفع الله له بما آتاه من العلم". ا.هـ.
ولقد أسعدني التكريم الذي أقامه مركز الدراسات المعرفية بحي الزمالك بالقاهرة يوم الخميس الماضي 6 شعبان 1432هـ= الموافق 7/7/2011م لفضيلة أستاذنا الدكتور جمال الدين عطية، العالم العامل المجاهد المصلح القانوني الفقيه المفكر المجدد، وقد حضر الاحتفال نخبة من العلماء والمفكرين، منهم: الأستاذ فريد عبد الخالق، ود. محمد عمارة، ود. سيد دسوقي حسن، ود. عبد الحميد أبو سليمان، ود. رفعت العوضي، ود. محمد كمال إمام، ود. سيف الدين عبد الفتاح، ود. يوسف إبراهيم يوسف، ود. إبراهيم غانم، ود. صلاح عبد المتعال، ود. محيي الدين عطية، ود. محمد سراج، وغيرهم.
وكنت قد كتبت ترجمة متكاملة عن فضيلته من قبل بعنوان: "جمال الدين عطية.. رحلة العطاء والتجديد"؛ عرفانًا لفضله ووفاءً لجهاده المبارك، نشره موقع "وسطية أون لاين": http://www.wasatiaonline.net/news/details.php?data_id=288
واليوم أريد أن ألقي أضواء بهذه المناسبة المبهجة على بعض من خصائص شخصيته وإنتاجه العلمي، وهي خصائص تحتاج إلى تأصيل وتفصيل ليس هذا موضعه، فأقول وبالله تعالى التوفيق:
أولاً: أنه عالم وداعية رباني..
قليل من العلماء من يتميزون بهذه الربانية، فالكثرة الكاثرة منهم غير مؤثرين ولا عاملين، وإنما يعيشون بين المكتبات والأوراق؛ فضلاً عن أولئك الذين لا يَعْدُون أن يكونوا موظفين يتاقضون رواتبهم كل شهر وفقط.
لكن مفكرنا جمع بين العلم والعمل، وانطلق للعلم ليرشِّد به الدعوة والعمل؛ حيث اجتمع هو ومجموعة- منهم الأستاذ عبد الحليم أبو شقة- على ما أسموه بـ "المشروع"، وهو عبارة عن تعزيز الجانب العلمي والتجديدي والفكري لدى الحركة الإسلامية.
ولما كانت محنة الحركة الإسلامية في الخمسينيات والستينيات هاجر من مصر إلى لبنان، وتفرق شمل المجموعة وغيرها، وحصل على رخصة من لبنان لعمل مجلة هي "المسلم المعاصر"؛ ليلتقي الجميع على صفحاتها، ولا تزال المجلة تمثل زادًا لا يستغني عنه المسلم المعاصر.
وتمثل جمعه بين العلم الشرعي والعمل الإسلامي- وهو صميم الربانية- في اهتمامه بالتنزيل العلمي للتنظيرات والنظريات، فهو وإن كان منظِّرًا ماهرًا تجلَّى في "التنظير الفقهي" و"النظرية العامة للشريعة"، فمهارته في التنزيل والتشغيل والتجديد لا تقل شيئًا عنها في التنظير، كما أنه نحا نحوًا عمليًّا بإنشاء كثير من الكيانات، والإشراف على مشروعات علمية وهيئات عملية، ومؤسسات قانونية، والتخطيط للبنوك الإسلامية نظريًّا وتطبيقيًّا.
ثانيًا: أنه متنوع الإنتاج..
من خصائص إنتاجه العلمي أنه متنوع؛ فقد يكون العالم منتجًا في جانب من الجوانب، أو فرع من الفروع، لكن القليل من العلماء من يكون إنتاجه متنوعًا، ومفكرنا العظيم من هؤلاء الذين تنوع إنتاجهم، في علوم الشريعة أصولاً ومقاصد، وفي القانون بفروعه المختلفة، وفي الاقتصاد الإسلامي، وفي التراث والتعامل معه والإفادة منه، وفي الأعمال المصرفية والبنوك الإسلامية، وفي الأقليات المسلمة، وفي السياسة الدولية وحقوق الإنسان، وفي الفكر الإسلامي والحركة الإسلامية، وفي علم المكتبات والمعلومات، وغيرها؛ حتى وصل الإنتاج العلمي له إلى (310) أعمال، ما بين كتاب وبحث وسمينار وأوراق مؤتمرات، وغيرها.
ثالثًا: أنه لا يكرر نفسه رغم تنوع الإنتاج..
في العادة نجد أصحاب التنوع في الإنتاج يكررون ما يكتبون في بعض كتبهم؛ فما كتبوه في كتاب قد يستدعيه فصل أو فكرة في كتاب آخر، وهذا مشاهد وموجود لمن يتتبع مصنفات أصحاب الإنتاج الغزير المتنوع؛ إذ الأفكار يستدعي بعضُها بعضًا، ويحتاج بعضها لبعض، فتتقاطع المؤلفات، وتتداخل الأفكار بما يجعل من الصعوبة تلافي التكرار في الإنتاج.
غير أن مؤلفات د. جمال عطية خلت من هذا الأمر؛ فهو لا يكرر نفسه، ولا يكتب إلا الجديد، وهذا العيب نادرًا ما يفلت منه أحد.
رابعًا: أنه أجاد وجدد رغم التنوع..
أصحاب الإنتاج المتنوع والمتعدد في المجالات والنواحي قد يبدع الواحد منهم في مجال أو مجالين أو ثلاثة فيما يكتب ويصنف، أما أن يتقن ويبدع في كل مجال فهذا دونه خرط القتاد!.
وأحسب أن جمال الدين عطية- وهو أكبر من الألقاب- قد أجاد فيما كتب، وجدَّد بما صنف، رغم تنوع إنتاجه، وتعدد المجالات التي خاضها وكتب فيها.
خامسًا: أنه دائمًا متوهج وذو عطاء..
إن التوهج الدائم والمستمر هو من علامات الربانية في الشخصية، والرسالية في الحياة، ومن هنا كان مفكرنا من أصحاب النشاط الدائم، والتوهج المستمر، والعطاء المتجدد؛ فهو ينتقل من نجاح إلى نجاح، ومن مشروع إلى مشروع، ومن مؤسسة إلى مؤسسة؛ حتى توّج عطاءه العلمي بعمل موسوعي ضخم جمع له عددًا من أبرز الفقهاء والأصوليين في عالمنا، وهو مشروع: "معلمة القواعد الفقهية"، الذي سيخرج فيما يقرب من 45 مجلدًا كبيرًا.
قد يبلغ الإنسان درجةً عاليةً من التوهج في فترة من حياته أو من تأليفه، كما هو الحال عند الإمام ابن القيم في "مدارج السالكين" مثلاً، ثم بعد ذلك ينزل الرسم البياني الخاص به شيئًا فشيئًا بحكم السن أو بحكم الصحة، ولكنَّ صاحبنا تميز بالتوهج الدائم والنشاط الدائب؛ تأصيلاً، وتطبيقًا، وتنزيلاً، وتفعيلاً، ودعوة وجهادًا.
وأخيرًا فإنني أدعو طلبة العلم وطلاب الدراسات العليا أن يتناولوا هذه الشخصية التاريخية المؤثرة بالدراسة التي تليق بها؛ علمًا وعملاً، جهادًا ودعوة، اجتهادات وتجديدات، تنظيرًا وتنظيمًا، وأخلاقًا رفيعةً وإنسانيةً نبيلةً، فلا خير في أمة لا تهتم بعلمائها ودعاتها وقادة الرأي فيها.