كنت في وداع مجموعة من شباب الإخوان الواعد من طلاب المرحلة الثانوية والجامعية وهم يتأهَّبون للسفر للانضمام إلى المخيم الذي تعقده جماعة الإخوان المسلمين هذه الأيام في المحافظة الجميلة مرسى مطروح، ولما نظرت إلى وجوههم الندية ومددت يدي إلى أيديهم الطاهرة وجدت لزامًا عليَّ أن أبوح لهم بما في نفسي وأن أسرد عليهم ما دار بخاطري خاصةً أنني لاحظت دهشةً عليهم وكأنهم يتساءلون: ما الذي دفع شخصًا في الخمسينات من عمره يأتي ليودعهم في الصباح الباكر, والحقيقة أنني جئت لأهنئهم على هذا العمل قبل أن أودِّعهم وأشعرهم بأننا متواصلون معهم.

 

1- في البداية قلت لهم إن الإمام أبا حامد الغزالي، رحمه الله، قال عن السفر: "إنما سُمي السفر سفرًا لأنه يُسفر عن الأخلاق"، وأنتم تعلمون جميعًا أن السفر مظنة التعب والإرهاق؛ لأنه خروج عن المألوف، وفيه يظهر معدن الإنسان الطيب النبيل وقوة تحمله وصبره، فتحلوا بالصبر وأظهروا مكارم الأخلاق.

 

2- وفي مثل هذه الممارسات واجبٌ على الإنسان أن يقدم القدوة الطيبة؛ فليحرص كل منكم على أن يكون نموذجًا يُحتذى في سلوكه وتصرفاته، كما أن للمخيم آدابًا وواجباتٍ سوف تُتلى على مسامعكم، فتسابقوا في الالتزام بها والمبادرة إلى تنفيذها؛ لأن في ذلك تقربًا لخالقكم، وثقةً في مسئوليكم، وتوثيقًا للرابطة فيما بينكم.

 

3- وأخبرتهم أننا في الماضي القريب قبل ثورة 25 يناير المباركة، وبسبب التضييق الأمني والملاحقة المستمرة من النظام السابق للإخوان.. كان كل واحد منا يجهز شنطة (المعتقل) بها الأدوات التي تناسب ذلك، واقترحت عليهم أن يجهز كل واحد منهم شنطة نسميها شنطة (ما بعد 25 يناير) يضع فيها مصحفه وقلمه ودفتره وجهاز اللاب توب الخاص به إن تيسر وأدواته الشخصية، حتى إذا ما التحق بمخيم أو رحلة أو ما شابه ذلك في هذه الأيام الجميلة يكون على أكمل الاستعداد.

 

4- وذكرتهم بسيدنا علي بن أبي طالب، رضي الله عنه وأرضاه، عندما قارن بين العلم والمال، فقال: العلم يحرسك وأنت تحرس المال، والعلم يزكو بالإنفاق والمال يقل بالإنفاق، والعلم حاكم والمال محكوم عليه، وبالتالي فعلى كل واحد منكم أن يحرص على طلب العلم وتدوين ما يسمع وتذكر ما يقال من المحاضرين والعلماء الذين سوف يحاضرونكم في المخيم.

 

5- وطلبت منهم الحرص على التعارف فيما بينهم والتعارف مع إخوانهم من المحافظات الأخرى؛ لأن أساس دعوتنا الحب والتعارف.

 

6- كذلك الحرص على تلاوة القرآن والإكثار من النوافل والسمع والطاعة لمشرفيهم في المخيم.

 

7- وذكرت لهم أنني وأنا معهم عادت بي الذاكرة إلى الوراء عندما حضرت مخيم العجمي (أبو يوسف) بالإسكندرية عام 1981م عندما كنت في نفس المرحلة الجامعية عندها رأينا واستمعنا إلى الأستاذ: عمر التلمساني رحمه الله والأستاذ جمعة أمين حفظه الله، والأستاذ وجدي غنيم أعاده الله إلينا سالمًا غانمًا، وغيرهم من أصحاب الفضل علينا بعد الله ممن لا أتذكرهم الآن, كما كان الدكتور إبراهيم الزعفراني، جمع الله شمله على إخوانه، هو المشرف العام على الفوج الذي كنا فيه، وقد عدنا وقتها بزاد عظيم كان دافعًا لنا في مسيرتنا في هذه الدعوة المباركة، التي أسأل الله جلت قدرته لي ولإخواني الثبات عليها.

 

8- وذكرت لهم أنني على ثقة ويقين أن الإخوان في مخيم مرسى مطروح سوف يوفرون لكم أجواء إيمانية طيبة، وسوف تستمتعون وتستمعون وتتعلمون على أيدي كرام الإخوان، فاغتنموا الفرصة ولا تفرطوا فيها، واعلموا أن من علامات قبول الطاعة عدم الرجوع إلى الذنب بعدها، ومن العلامات أيضًا التوفيق إلى الأعمال الصالحة بعد الفراغ من هذه الطاعة.

 

9- وتمنيت عليهم ألا يلتفتوا إلى الوراء أو يشغلوا أنفسهم بشبهات عن الجماعة أو الإسلام تثار هنا أو هناك، ولا يكونوا كالظبي الجفول الذي قال عنه ابن القيم بأنه أسرع حيوانات الغابة عدوًا إلا أن به عيبًا خطيرًا وهو أنه يكثر الالتفات إلى الوراء، فإذا ما طارده وحش مفترس انقض عليه بسبب كثرة التفاته إلى الوراء، في حين أنه بغير الالتفات يستطيع النجاة.

 

10- وبعد العودة الغانمة بإذن الله تترجموا ما تعلمتموه إلى واقع عملي ملموس في بلدانكم، ثم تنقلون ذلك لأقرانكم؛ حتى تعم الفائدة وينتشر الخير.

 

* فهنيئا بشباب الإخوان وجزيل الشكر والامتنان لجماعة الإخوان.

 

* هدى الله شبابنا، ويسَّر لهم سبل الخير، وأنار لهم طريقهم.

 

* اللهم خذ بأيديهم إلى ما تحبه وترضاه, اللهم أخرجهم من الظلمات إلى النور, اللهم أرهم الحق حقًّا وارزقهم اتباعه, وأرهم الباطل باطلاً وارزقهم اجتنابه.

 

* اللهم إنهم اعتزوا بك فلا تذلهم, واهتدوا بك فلا تضلهم, واستكثروا بك فلا تقلهم, واستقووا بك فلا تضعفهم, واستغنوا بك فلا تفقرهم, واستنصروا بك فلا تخذلهم, فإنه من استعان بك فلن يغلب, ومن توكل عليك فلن يخيب, ومن جعلك ملاذه فلن يضيع, ومن اعتصم بك فقد هُدي إلى صراط مستقيم.

 

 * اللهم فكن لهم وليًّا ونصيرًا, ومعينًا ومجيرًا, إنك كنت بهم بصيرًا.

 

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

 

---------

* soradwan@hotmail.com