"زي ما أكون بحلم" عرض كوميدي استعراضي تقدمه فرقة شباب ستارز، وهو التجربة الثانية لها بعد أن لاقت تجربتها الأولى نجاحًا ملحوظًا العام الفائت على مسرح نادي الحكمة برأس البر، تقدم الفرقة عرضها الحالي وقد استفادت من ثورة 25 يناير على مسرح قصر ثقافة دمياط لمدة أربعة أيام بدأت من يوم الإثنين 11 يوليو حتى الخميس 14 يوليو؛ لينتقل العرض بعد ذلك إلى مسرح قصر ثقافة دمياط الجديدة لمدة ثلاثة أيام.
العرض كوميدي استعراضي في المقام الأول بعيد عن العمق الفلسفي أو الطرح الإيديولوجي، الفكرة تأتي مباشرة وواضحة تحكي ما حدث وما يحدث مع وضع خطوط حول بعض الأمور التحذيرية، كالفتنة الطائفية والربط بينها وبين التدخل الخارجي التآمري.
وتدور المسرحية حول تيمتين أو حكايتين أساسيتين: الأولى هي قصة التوريث وما اكتنفه من عمليات فساد واسعة وإفساد لمقدرات ومكانة بلد كبير حوَّله إلى مستنقع آسن، الموضوع الآخر أو التيمة الثانية هي محاولات التدخل الأجنبي وبخاصة الإسرائيلي في شئون مصر للوقيعة بين فئات شعبها.
بالنسبة للتيمة الأولى خُصص لها مشهدان فقط هو الأول والآخر، في المشهد الأول جاءت قصة محاولة توليد رئيس جمهورية فتفشل لتستبدل بمحاولة إدخال جمال ابن الرئيس إلى بطن أمه مرة أخرى لتوليدها، الفكرة ساذجة ومبتذلة وغير منطقية، أو مبررة بالعمل الدرامي بل وغير لائقة حتى بفن محترم ينسب لجماعة تحترم القيم الدينية، وبخاصة مشاهد توليد زوجة الرئيس على خشبة المسرح وشد "الحبل الصري" واستخدام المعدات الكهربية في عملية التوليد، أعتقد بالرغم من أن المشهد هزلي ومثير لضحك البعض وصدمة البعض إلا أنه لا علاقة له ببناء درامي ولا كوميديا راقية، ولو قص هذا المشهد من المسرحية فإنها لن تتأثر ألبتة بل إنها ستبدأ بداية قوية، خاصة أن هذا المشهد ضعيف البناء الدرامي ولا يقدم أي توطئة جيدة لفكرة المسرحية سوى السباب المباشر والسخرية اللاذعة التي قد تنفس عن البعض تجاه أفراد الحكم السابق، يستكمل هذا المشهد بقيام الثورة وفشل جنود العادلي في السيطرة عليها، المشهد الأخير يأتي ليستكمل هذا الموضوع بفكرة المحاكمة التي تلقي بجميع أفراد النظام في مزبلة التاريخ.
التيمة الثانية في المسرحية هي عملية اختراق الموساد للشعب المصري، ومحاولة الإيقاع بين مسلميه ومسيحييه، وقد شغلت هذه التيمة أغلب المسرحية وأكثر مشاهدها، وقد قدمت بشكل رائع يظهر قوة التلاحم بين عنصري الأمة، وفي نفس الوقت قوة المؤامرة وخطرها لدرجة أثارت انزعاج المشاهد، وهو ما يحسب لنجاح المسرحية دراميًّا في هذا الخط.
![]() |
وقد ركزت المسرحية في توضيح المؤامرة على موضوع الفتنة الطائفية فقط دون الإشارة لجوانب أخرى كإثارة الفزع والفوضى في جميع جوانب المجتمع دون قصورها على الجانب الطائفي، فما تعانيه مصر، اليوم، أكبر من مجرد فتنة طائفية، ومع ذلك جاءت المبررات المنطقية لخطورة موضوع الدراما جيدة ومقنعة بالنسبة لهذا الجانب، بل لعلي أقول إن جودة الدراما في التيمة الثانية أعطت الفرصة الأفضل للممثلين الذين شاركوا فيها، بينما ظلم ممثلو التيمة الأولى الذين لم يجدوا أمامهم سوى المبالغة والافتعال في شخصياتهم لاحتلال مساحة في العرض، فضعف البناء الدرامي أو جودته يؤثر دون شك على أداء الممثل.
ولعل جودة أداء الممثل حليم عيسى الذي قام بدور عميل الموساد غطت على فانتازية الفكرة وعدم واقعيتها، إذ ينتحل نفس العميل عدة شخصيات للإيقاع بين المصريين، الحقيقة أن العمل جاء ككوميديًّا تشغلها الفكرة في أغلب أجزائه وهو ما يحسب له، فالعمل ككوميديا ناجح، ولكن كبناء درامي ينقصه الكثير، وبخاصة في حصيلة الأفكار والإحساس بالمأساة وفي أثر "التراجيديا" التي تمس القلوب وتبقى في الذاكرة، إن أي كوميديا يجب ألا تفقد العنصر الإنساني الذي يتحصل بمعالجات أشد عمقًا تقوم على أساس نص مسرحي لا تنقصه الحبكة ولا المعالجة الدرامية ولا بناء الشخصيات، هناك مجموعة رائعة من الممثلين تتجاوز نصف أعضاء الفريق لم يقدم لهم النص فرصة الظهور أو الإحساس بهم.
عرض "زي ما يكون بحلم" متميز في ديكوراته كأفضل ما تقدم الفرق المحترفة، وقد استخدمت فيه جميع عناصر المسرح من إضاءة وموسيقى وغناء على أروع ما يكون، بل لقد جاءت أغنيات العرض كمذكرة تفسيرية للأحداث ولم تحشر حشرًا في العرض، وهو ما يحسب لمخرج المسرحية ممدوح السنجيدي، كما أن الموسيقى وظفت بطريقة جيدة فقد استخدمت موسيقي فيلم "الطيب والشرس والقبيح" لتقديم فريق الموساد وتآمره على الشعب المصري الطيب، بينما استخدمت موسيقى فيلم "مهمة مستحيلة" كجانب كوميدي ساخر ضد عميل الموساد.
الأصوات التي أدت الغناء سواء من فرقة ليالي أو الفتاة كانت أصوات معبرة جدًّا وشجية، توظيف الأطفال على خشبة المسرح بهذا الأداء الباهر يحسب كذلك للعرض وللمخرج، كما استخدمت الإضاءة بشكل مؤثر إيحائي من خلال توظيف ألوان الإضاءة الفاتحة أو الداكنة أو الحمراء أحيانًا للرمز للخطر، وقد استخدمت كذلك ارتجافات الإضاءة كرسائل تحذيرية نحو المؤامرة، وأن بولغ فيها لحدِّ كبير أرهق أحيانًا أعين المشاهدين.
على كل حال شهد العرض حشد كبير من أهالي دمياط لدرجة أنني رأيت أسرًا تنصرف حزينة خارج المسرح؛ لعدم توافر أماكن لهم، وهو ما يعيب عملية تنظيم العرض، بصورة عامة فإن حماسة فريق العرض وواقعية موضوع المسرحية شكل عامل جذب كبير وإنجاح للمسرحية، ولعلها خطوة نحو عروض أكثر نجاحًا واحترافًا نراها على مسارح مصر في القريب إن شاء الله تعالى، ففريق "شباب ستارز" فريق موهوب ومخرجه كذلك، ومعهم مواهب موسيقية وغنائية رائعة، ولكن مع نصوص أدبية جيدة ودراسة أكبر لتقنيات المسرح وبخاصة الحركة على المسرح والإلقاء والتحكم في الأصوات وربما الدراسة الأكاديمية لبعض رواده ستنطلق بهم نحو مستقبل فني مشرق وفن هادف انتظرناه طويلاً.
