عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول:  "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك"، فقلت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد آمنا بك وبما جئت به، فهل تخاف علينا؟ قال: "نعم، إن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء" رواه الترمذي.

 

في حق من هذا؟!!

في حق خير جيل.. في حق الرعيل الأول.. في حق من مدحهم رب العالمين ورضي عنهم، قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (التوبة: 100).

 

كلمات عظيمة.. لها وقع مخيف.. القلوب تتقلب.. والنفوس تتغير.. والمواقف تتلون.. يا مقلب القلوب.. ارزقنا الثبات حتى الممات.

 

ولعل هذا ما أبكى هذا العظيم، في يوم الفتح المبين.

 

قال جبير بن نفير: ولما فتحت قبرص وأخذ منها السبي نظرتُ إلى أبي الدرداء يبكي، فقلت: ما يبكيك في يوم أعز الله فيه الإسلام وأهله، وأذل الكفر وأهله؟، قال: فضرب منكبي بيده، وقال: "ثكلتك أمك يا جبير، ما أهون الخلق على الله إذا تركوا أمره، بينما هي أمة ظاهرة قاهرة للناس لهم الملك، إذ تركوا أمر الله فصاروا إلى ما ترى، فسلط الله عليهم السباء، وإذا سلط الله السباء على قوم فليس له فيهم حاجة". (ابن الأثير- الكامل- جـ2 صـ470).

 

عباد الله:

إن قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن يصرفها كيف شاء، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص- رضي الله عنهما- قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث شاء ثم قال: اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك" رواه مسلم.

 

وهذه أمُّ سلمة رضي الله عنها تحدِّث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكثر في دعائه أن يقول: "اللهم يا مقلبَ القلوب، ثبت قلبي على دينك"، قالت: قلت: يا رسول الله، وإنَّ القلوب لتتقلب؟! قال: "نعم، ما خلق الله من بني آدم من بشر إلا أن قلبه بين إصبعين من أصابع الله، فإن شاء الله عزَّ وجلَّ أقامه، وإن شاء الله أزاغه" أخرجه أحمد في مسنده والترمذي في جامعه بإسناد صحيح.

 

وما سمي الإنسان إلا لِنَسْيِهِ       ولا القلب إلا أنه يتقلبُ

 

أيها الإخوة الأحباب:

إن تذكر هذا الأمر لتطير له ألباب العقلاء، وتنفطر منه قلوب الأتقياء، وتنصدع له أكباد الأولياء، كيف لا؟!! والخاتمة مغيّبة، والعاقبة مستورة، والله غالب على أمره والنبي صلى الله عليه وسلم قد قال: "فو الذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها" متفق عليه،
ولذا فنحن في اليوم مرات ومرات.. ندعو الله أن يثبّتنا على الصراط المستقيم، ونقول: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ (7)﴾ (الفاتحة).

 

يا رب ثبّتنا على طريق الصالحين.. طريق الإيمان.. طريق التقوى.. طريق التوحيد.. طريق الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا.

• الطريق إلى الثبات:

• الذل والافتقار:

أعلن فقرك بين يدي مولاك.. وقل يا سيدي: ضعيف الحيلة.. فقير إلى عفوك.. يقف ببابك.. يرجو رحمتك ويخشى عذابك.. لا تكلني إلى نفسي.. لا تكلني إلى عقلي وفهمي..أقل عثرتي.. اغفر زلتي.. سامحني وارحمني.. ثبتني على الإيمان.. احفظني بعينك التي لا تنام.. اجعلني من جندك وحزبك.. أنعم على بحسن الخاتمة.

واعلم أن الله يحب منك ذلك:

قالوا أتشكو إليه... ما ليس يخفى عليه

فقلت ربي يرضى ... ذل العبيد لديه

 

قال ابن القيم- رحمه الله-:

فإن تمام العبودية هو: بتكميل مقام الذل والانقياد، وأكمل الخلق عبودية: أكملهم ذلاًّ لله، وانقيادًا، وطاعة، والعبد ذليل لمولاه الحق بكلِّ وجه من وجوه الذل، فهو ذليل لعزِّه، وذليل لقهره، وذليل لربوبيته فيه وتصرفه، وذليل لإحسانه إليه، وإنعامه عليه؛ فإن مَن أحسن إليك: فقد استعبدك، وصار قلبُك معبَّدًا له، وذليلاً، تعبَّدَ له لحاجته إليه على مدى الأنفاس، في جلب كل ما ينفعه، ودفع كل ما يضره.

 

• الطاعة وترك المعاصي:

عن ابنِ عبَّاسٍ رَضِي اللهُ عَنْهُما، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيما يَرْويهِ عَنْ ربِّهِ تَبَارَكَ وتَعالى قالَ :"إِنَّ اللهَ كَتَبَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ؛ فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، وَإِنْ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ، وَإِنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْها كَتَبَهَا اللهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، وَإِنْ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً" رواهُ البخاريُّ ومسلمٌ.

 

قال عبد الله بن عباس : "إن للحسنة ضياء في الوجه، ونورًا في القلب، وسعة في الرزق وقوة في البدن، ومحبة في قلوب الخلق، وإن للسيئة سوادًا في الوجه، وظلمة في القبر والقلب، ووهنًا في البدن، ونقصًا في الرزق، وبغضًا في قلوب الخلق".

 

كان الإمام عبد الله بن المبارك يتمثل بهذه الأبيات:

رأيت الذنوب تميت القلوب         ويتبعها الذلَ إدمانهـا

وترك الذنوب حياة القلوب         وخيرٌ لنفسك عصيانُها

وما أهلك الدين إلا الملوك         وأحبارُ سوء ورهبانها

وباعوا النفوس فلم يربحوا         ولم تغلُ بالبيع أثمانها

لقد وقع القــوم في جيفة        يبـين لذي اللب إنتانها

 

فاحرص أيها الحبيب:

• إن أذنبت فتب .. وإن أسأت فاستغفر .. فالرحمة واسعة والباب مفتوح.

   - قف .. تذكر .. حاسب نفسك .. لا يراك الله حيث نهاك .. ويفقدك حيث أمرك.

 

• الإقبال على كتاب الله:

• ومن أسباب الثبات على الإسلام والإيمان، الإقبال على كتاب الله.. تلاوة وتعلمًا.. وعملاً.. وتدبرًا.. فإن الله سبحانه وتعالى أخبر بأنه أنزل هذا الكتاب المجيد تثبيتًا للمؤمنين، وهداية لهم وبشرى، قال الله تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (سورة النحل: 102).

 

• فكتاب الله هو الحبل المتين والصراط المستقيم والضياء المبين لمن تمسك به وعمل.

 

• الصبر على الطاعة:

ومن أسباب الثبات على الحق والتقى الصبر على الطاعات والصبر عن المعاصي فإنه لن يحصل العبد الخيرات إلا بهذا وقد أمر الله تعالى نبيه بالصبر فقال: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (الكهف: 28).

 

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:" وما أعطي أحدٌ عطاء خيراً وأوسع من الصبر" أخرجه  البخاري. 

           الصبر مثل اسمه مر مذاقته         لكن عواقبه أحلى من العسلِ

• ذكر الله:

  ومن أسباب الثبات على الدين والصلاح، كثرة ذكر الله تعالى، كيف لا وقد قال: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (الرعد: 28).

 

.. وقال صلى الله عليه وسلم: ((مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مثل الحي والميت)) أخرجه البخاري.. وقد أمر الله تعالى عباده بالإكثار من ذكره فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيرا وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ (الأحزاب: 41- 43).

 

• فذكر الله كثيرًا وتسبيحه كثيرًا، سبب لصلاته سبحانه، وصلاة ملائكته التي يخرج بها العبد من الظلمات إلى النور..

•  فيا حسرة الغافلين عن ربهم ماذا حرموا من خيره وفضله وإحسانه.

• عدم الأمن من مكر الله:

فإن الله- سبحانه وتعالى- قد حذر عباده مكره فقال عز وجل: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (الأعراف: 99).

 

وقد قطع خوف مكر الله - تعالى - ظهور المتقين المحسنين، وغفل عنه الظالمون المسيئون كأنهم أخذوا من الله الجليل توقيعًا بالأمان وقال الله تعالى: ﴿أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ﴾ (القلم :39-40).

 

        يا آمنًــا معَ قبحِ الفعل منه         هل أتاك توقيعُ أمن أنت تملكه

       جمعت شيئين أمناً واتباع هوى        هذا وإحداهما في المرء تهلكه

 

- أما المحسنون من السلف والخلف فعلى جلالة أقدارهم وعمق إيمانهم ورسوخ علمهم وحسن أعمالهم، فقد سلكوا درب المخاوف يخافون سلب الإيمان وانسلاخ القلب من تحكيم الوحي والقرآن حتى صاح حاديهم يقول: 

 

            والله ما أخشى الذنـوب فإنها          لعلى سبيل العفو والغفران

            لكنما أخشى انسلاخ القلب من          تحكيم هذا الوحي والقرآن

 

- فالحذر الحذر من الأمن والركون إلى النفس، فإنه مادام نَفَسُك يتردد فإنك على خطر.

 

• قال ابن القيم رحمه الله: ((إن العبد إذا علم أن الله- سبحانه وتعالى- مقلب القلوب، وأنه يحول بين المرء وقلبه، وأنه تعالى كل يوم هو في شأن يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، وأنه يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، ويرفع من يشاء، ويخفض من يشاء، فما يؤمّنه أن يقلب الله قلبه ويحول بينه وبينه ويزيغه بعد إقامته وقد أثنى الله على عباده المؤمنين بقوله: ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ فلولا خوف الإزاغة لما سألوه أن لا يزيغ قلوبهم.

 

اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك.. اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك.. اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك.

 

----------

* عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.