- الثورة قدمت إبداعات هادفة تحترم عقول الجماهير

- مواجهة الفتن الطائفية مسئولية حملها فريق "سنيماتيكا"

 

حوار: سماح إبراهيم

تتعالى الأصوات والدعوات منذ ثورة 25 يناير لتطهير الإعلام وكذلك لصناعة سينما هادفة تكون أداة في الإصلاح وصناعة النهضة.. لكن ذلك ليس جديدًا فقد سبقت المطالبات قيام ثورة 25 يناير بعشرات السنين، بل كان ذلك من إرهاصات الثورة وإن لم يكن دعوة صريحة لها، وفي هذا السبيل كانت الفرق الفنية للإخوان المسلمين تعمل بدأب ونشاط برغم الضغوط والعرقلة والمطاردة.

 

الدكتور محمد النجار أحد كوادر الإخوان الموهوبين في التمثيل والمدير الفني لفريق بسمة الأندلس الغنائي، والذي استطاع بموهبته أن يحفر مجرًى إبداعيًّا متميزًا قدَّم خلاله ما يزيد عن 25 عملاً سينمائيًّا قصيرًا.

 

فعلى الرغم من التحاقه بإحدى الكليات العملية فإن الموهبة كانت مسيطرةً على حواسه، وعزم على صقل الموهبة بالدراسة الأكاديمية للفنون، وسارع فور تخرجه في كلية الطب البيطري سنة 1992م بالالتحاق بكلية الإعلام عام 2000م جامعة القاهرة، ثم التحق بمعهد الفنون المسرحية.

 

* تخرجت في الطب البيطري عام 1992م لتلتحق بكلية الإعلام ثم معهد فنون مسرحية وتعمل في فريق للإنشاد الإسلامي وفرق تمثيل مسرحية وغيرها، فما دوافعك إلى ذلك؟

** يرجع ذلك إلى حبي للفنون منذ صغري، ففي المرحلة الثانوية كنت أحد أعضاء الفريق الفني والكورال الغنائي، وعندما التحقت بالجامعة عام 1987م شرعت في الانضمام لفريق الإنشاد الإسلامي بالجامعة، وكنت أميل لسماع الموسيقى وأتلذذ بصوت العود، فقررت الالتحاق بدورة تدريبية في فن "العود"؛ ولكن إشكالية تحريم المعازف كانت تقف أمام طموحي إلى أن أصدر يوسف القرضاوي سنة 1998م كتاب الحرام والحلال، والذي تضمَّن فتاوى تبيح استخدام الآلات الموسيقية، وقتها شعرت بأني أسير على الدرب الصحيح، وأن الأصل في الأشياء الإباحة ما دامت لا تُفسد أو تُستخدم بشكلٍ يسيء للآخر.

 

وجاءت الانطلاقة الفنية لي حينما شاركت في العمل المسرحي "خطبة الإدانة"، وهي إحدى الروايات الأجنبية تروي شخصية لأحد الحراس الذي تمرَّد على واقعه ويدين ممارسات الحاكم الذي يعطي لنفسه الحرية في الوقت الذي يحرم شعبه منها، وكنت وقتها طالبًا في معهد الفنون المسرحية.

 

اصحوا يا بشر

* ما أهم الأعمال المسرحية التي شاركت فيها؟

** قمت بتمثيل العديد من المسرحيات؛ ولكن من أبرز المسرحيات التي كانت لها بصمة في إثراء حياتي الفنية مسرحية "اصحوا يا بشر" و"فيتنام 2" والمسرحيتان بطولة الفنان وجدي العربي، وقد حققتا انتشارًا ونجاحًا بمجرد عرضهما، فتم عرض مسرحية "اصحوا يا بشر" في عدة مسارح بجمهورية مصر العربية مثل: طنطا والمنصورة ودمياط، وتم إرسال دعوة من دكتور طارق سويدان إلينا باسم "جمعية إبداع"، وبالفعل سافر طاقم العمل لأدائها بالكويت.

 

وكذلك مسرحية "فيتنام 2" بطولة وجدى العربي وشعبان حسين وهاني كمال، وإخراج علاء روقة، والتي ذاع صيتها في أنحاء جمهورية مصر العربية، وأشاد بها معظم ناقدي مصر.

 

* وما التكريم الأهم بالنسبة لك؟

** كان ذلك في مهرجان الإسكندرية السينمائي 2009م، وتقدمنا وقتها بفيلم "الثمن" فكرة وقصة د. نبيل فاروق يوم 23 مايو 2009م، ونحتفل سنويًّا بهذا التاريخ باعتباره يوم ميلاد فريق العمل "سينماتيكا"، وأشاد المخرج علي بدر خان، أحد أعضاء التحكيم، بفكرة الفيلم وأداء الممثلين قائلاً: "على الرغم من أن هذا العمل يعتريه بعض الخلل الفني لضعف الإمكانيات فإن الأفكار مبتكرة وغير تقليدية أو مستهلكة، وهذه شهادة نعتز بها؛ لأن إمكاناتنا مقارنةً بالأعمال التي دخلت معنا في المسابقة صفر على الشمال من حيث التكلفة الإنتاجية والتسويق المالي.

 

كما حصل فيلم "بالبشامة" بطولة ميسرة النجار على المركز الثامن على مستوى الشرق الأوسط في مسابقةٍ تابعة لإحدى منظمات هوليود، بالتعاون مع وزارة الخارجية الأمريكية، ويتحدث الفليم عن حجب ممارسة الديمقراطية في البلاد العربية، وتم إرسال رسالة شكر وثناء على فكرة الفيلم وأدائه.

 

* وأين أنت من المسرح حاليًّا؟

** العمل المسرحي ممتع إلا أنه في حقيقة الأمر "وقتي" وسرعان ما ينتهي بانتهاء العرض، بالإضافة إلى الوقت والجهد المبذولين للترتيبات التي تسبق العروض المسرحية، على عكس العمل السينمائي الذي يظل محفورًا في ذاكرة التاريخ السينمائي؛ ولذا قررت مع بداية 2008م اقتحام العمل السينمائي والاستفادة من الخبرة التي اكتبستها من خلال الأعمال المسرحية التي شاركت فيها وتوظيفها لرصد واقع المجتمع وحال واقع الشباب ومشاكلهم، وهذا لا يعني اعتزالي العمل المسرحي؛ ولكن أنتظر الوقت المناسب والدور الذي يجبرني أن أعود مرةً أخرى لخشبة المسرح بقوة.

 

* المطالبة بإعلام هادف كان قبل الثورة وبعدها..

** كان من الضروري بعد الثورة خلق إعلام بديل يمحو رواسب الفساد الإعلامي الذي خلفه النظام البائد؛ فقررنا تشكيل سينما افتراضية تكون نواة لسينما نظيفة وقدمنا أفلامًا داعمة لمبادئ الثورة وترسيخ أخلاقيات الميدان، وهي فيلم "المتحولون" و"متضميش" و"30 سنة سجن".

 

وتضمن فيلم "المتحولون" رصدًا لتحول آراء المسئولين وتصريحاتهم الإعلامية حول ثورة يناير، والزيف الإعلامي الذي تبنته بعض وسائل الإعلام، والفيلم بطولة محمد النجار، وإخراج أبو المكارم الغريبي، وسيناريو محمد عبد الحميد، وحينما تم عرضه على صحفة "خالد سعيد" بلغت نسبة المشاهدة والإعجاب 100 ألف شخص، وتمَّت إذاعته على قناة (الجزيزة مباشر).

 

وفيلم "متضميش" بطولة محمد النجار وأحمد سلطان، ومونتاج أحمد سلطان، وسيناريو محمد
عبد الحميد وإخراج أحمد أبو الفتوح يروي قصة 800 شهيد من شهداء ثورة يناير ودورهم النضالي في سبيل إعلاء كلمة الحق، والفيلم يحث المواطنين على ضرورة المطالبة بحقوق الشهداء ومحاكمة قتلة ثوار الميدان الأبطال.

 

وفيلم "30 سنة سجن" بطولة أخي الأصغر ميسرة النجار، ومحمد صلاح، وإخراج هشام علي، ومونتاج كريم سعد، ويعتبر "30 سنة" الفيلم الوحيد الذي تم تصويره وتمثيله في الأيام الأولى من الثورة بقلب الميدان، ومدة عرضه لم تتجاوز الدقيقة والنصف، وتم عرضه في مهرجان الأفلام القصيرة بساقية الصاوي في آخر فبراير.

 

فرق تسد

* الفيلمان "عين لا ترى"، و"كلنا بنرسمها"، تصدرا لمواجهة الفتن الطائفية، ما الرسالة التي تضمنها هذان الفيلمان؟

** اختلاق الأزمات وسياسة التفريق الطائفي "فرق تسد"، والتي تتفنن في زرع الفتن بالتربة المصرية لا بدَّ أن تزول بزوال النظام البائد ورموزه، ويجب على المسلم أن يتضافر مع أخيه المسيحي لنبذ تلك الأفكار الهدامة، وأن ننظر إلى ما هو أهم، وتلبية متطلبات المجتمع في الفترة الراهنة، وتم توطيد تلك المعاني من خلال فيلمي "عين لا ترى" بطولة سامح سليم وأحمد سيف ومحمد مصطفى، وإخراج عمر الخطيب، وفيلم "كلنا بنرسمها" بطولة ميسرة النجار وفاطمة علاء الدين وإنجي حسن ومحمد إبراهيم ومحمد كمال، وإخراج أبو المكارم الغريبي.

 

* سينما الإخوان.. صفحات دشنها مجموعة من شباب الإخوان على موقع (الفيس بوك)، مطالبين بصناعه إعلام هادف، فهل ترى أن الفنان لا بدَّ أن يكون صاحب فكر متجرد أم صاحب فكر وتوجه؟

** لا يوجد فنان متجرد الفكر. والفيلم ما هو إلا ترويج لفكرة ما، فالفنان لا بدَّ أن يكون مرآة عاكسة لنقل واقع مجتمعه وبث الفكر المتوافق معه. وأفكار الإخوان تلاقي قبولاً على الساحة السينمائية؛ حيث إنها تروج بالدرجة الأولى لقيم ومبادئ توافقية مع جميع الفئات والتوجهات الفكرية، وتتناسب مع أخلاقيات وأعراف المجتمع المصري، وقد أبهرني المشرف العام على الصفحة ويدعى ياسر، والذي لم يتجاوز العشرين من عمره حين اتصل بي ليعرض فكرته في تدشين صفحة "سينما الإخوان"، وعرض جميع الأفلام التي قمت ببطولتها وشاركت فيها، وبالطبع وافقته الرأي، فالتسويق للمشروع الإسلامي أمر يجب أن يتم الإطراء عليه.

 

* ما المعوقات التي تقف حائلاً أمام الإخوان لصناعة فن هادف؟

** أولاً: افتقاد الجانب التقني والدراسة الأكاديمية للإخوان في مجال الفن، فبرغم تعدد مواهب    شباب الإخوان فإنهم في احتياج لصقل تلك المواهب بالدراسة النظرية.

 

ثانيًا: الفن لم يكن في أولويات أجندة جماعة الإخوان، وقد يتم إرجاع ذلك لطبيعة المرحلة التي كان يمر بها الإخوان، خاصةً طوال 30 عامًا من التضييقات الأمنية والحجب الإعلامي وتركيز جماعة الإخوان على دعم العمل الدعوي والمجتمعي والحراك السياسي والاهتمام بالجانب الفني في المحيط الضيق من خلال الأنشطة بالجامعات والأحياء فحسب.

 

ثالثًا: النظرة السلبية للفن الإسلامي على أنه متزمت وخالٍ من روح الفكاهة، وهذا ما أثبتنا عدم صحته بتقديم أعمال فنية ساخرة وهادفة مثل: فيلم "عريس لقطة"، والذي يروي قصة شاب حرامي يتقدم لأب معلنًا رغبته في الزواج بابنته، ويعدد له مزايا الزوج الحرامي في العصر الحالي، وبالفعل يقتنع به كزوج إلى أن يصدم بحقيقة الزوج في آخر الفيلم، ولم تشعر حتى نهاية الفيلم بأن المشاهد ينقصه أي إضافات غير أخلاقية، فهو خالٍ من مشاهد الإسفاف والعرى. 

 

رجال الأعمال

* وماذا تقترح للقضاء على الفن المتدني والارتقاء بذوق المتفرج إعلاميًّا؟

** الحل الأمثل للارتقاء بالمشاهد وإعادة مشاعر تذوق الأعمال الفنية يتمثل في نقطتين أولاهما:

أ- طرح بدائل لأعمال هادفة، وأن يتبنى الإخوان في الفترة القادمة مشاريع ذات رؤية يتم تنفيذها؛ لأن المشاهد لم يقدم له طوال 30 سنة وجبة إعلامية صحية، فإذا وجدت الوجبة التي تشبع احتياجاته لن يلجأ بعد ذلك إلى تذوق أعمال فنية رديئة.

 

ب- التواصل مع رجال الأعمال والمهتمين بدعم الفن الهادف بالتمويل المادي وفتح أبواب الاستثمار الفني، وبالفعل جارٍ الآن التواصل مع فنانين ورجال أعمال؛ للقضاء على الكوميديا الساقطة والأعمال الفنية الهابطة بأعمال أخرى مفيدة.

 

* الإخوان يمتلكون طاقات إبداعية، كيف نستثمر طاقات الشباب وتطوعها فنيًّا؟

** بالفعل نقوم حاليًّا بدعوة الشباب الموهوب وتخصيص محاضرات مجانية لصقل المهارات الشبابية في كتابة السيناريو والإخراج ودورات تدريبية في التصوير والمونتاج وغيرها، فهدفنا هو دعم الطاقات البشرية واستثمارها لتشكيل جيل يحمل على عاتقه مسئولية "إعلام خالٍ من الابتذال".

 

* ما الأعمال الفنية المقدمة خلال شهر رمضان؟

** سنقدم خلال شهر رمضان عملاً روائيًّا طويلاً "ست كوم"، ولم يتم الاتفاق حاليًّا على اسم بعينه للعمل الدرامي، ولكنه سيكون مفاجأة، فالفكرة غير تقليدية أو منحوتة وسنقدم أطروحة درامية بشكل هادف وساخر في نفس الوقت.

 

* وماذا عن مشاركتكم في حملة "بصمة بلون مختلف"؟

** جاءت المشاركة في حملة "بصمة" تضامنًا مع شباب الإخوان واتفاقي التام مع أهدافهم المعلنة من خلال الحملة التي تهدف لإثراء الفن الهادف وإحياء قيم المجتمع؛ من خلال رسالة فنية جماهيرية وتقديم فن يرتقي بالمشاهد ويسعى لبناء المجتمع.

 

ونحن الآن في مرحلة حاسمة فيها "تكون أو لا تكون"، وأقول لكل موهوب: طوع مواهبك لخدمة رسالتك، واجعل الإخلاص سمة لشخصيتك، وبعد كل خطوة تخطوها في مجال الفن قيم نفسك؛ هل قدمت ما يمثل جماعتك العريقة أم تخاذلت عن خدمتها في الوسط الفني؟

 

* كيف توازن بين عملك المهني وعملك كمدير فني لفريق "بسمة الأندلس" والعمل السينمائي، ألا تجد تعارضًا بين امتهانك لثلاث مهام؟

** بالطبع أجد إشكالية كبرى في التوافق بين المهام الثلاث، وقد يعيقني العمل المهني بشكل أو بآخر عن الإبداع السينمائي والتخصص، فالممثل يجب أن يفرغ نفسه ووقته إن أراد الاحتراف؛ لكي يبدع في أعماله وتظهر بالجودة المطلوبة.