هذه المقالة كنت أنتوي كتابتها للإخوان المسلمين؛ لتذكيرهم بمفاهيم إسلامية، باعتبار المفاهيم وسيلة من وسائل التربية، بيد أني عندما شاهدت ما حدث في ميادين مصر يوم الجمعة 29/7/2011م من مظاهرات حاشدة شاركت فيها جماعات إسلامية عديدة قررت أن أتوجه بالحديث إلى الإسلاميين جميعًا، متمثلاً قول الله تعالى: (وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (55)) (الذاريات).

 

وأول ما أود التذكير به هو أننا عبيد لله تعالى، لا نعول إلا عليه، ولا نتعلق إلا به، ولا نرجو إلا إيَّاه، ولا نستنصر إلا بنصره، ولا نستمد العون والمدد إلا منه، ولذلك ينبغي أن نستقيم على أمره، ونتواضع له، ونتخلق بالأخلاق المُرْضية عنده، وهذا يقتضي منا بالضرورة ألا نغتر بكثرة عدد، ولا وفرة أتباع.

 

وقديمًا قال بعض الصحابة- وقد أخذهم الزهو بكثرة عدد جيشهم- (لن نُغلب اليوم من قلة)، فإذا بهم ينهزمون ويفرون تحت وقع السهام المباغتة، وأنزل المولى- تبارك وتعالى- آيات تعلمهم الدرس، وتسفر لهم عن وجه الحقيقة: لَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمْ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (25) ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (26) (التوبة).

 

إن الآخرين عندما يتحدثون عنكم يقولون إنكم أكبر فصيل، أو أكثر فصيل، أو أقوى فصيل، أو أعظم فصيل تنظيمًا، فأرجو أن تحذفوا كل (أفعل التفضيل) من قاموسكم، وألا تستخدموها في كلامكم، فضلاً أن تنتشوا بها إذا سمعتموها من غيركم، ولكن تواضعوا لله عز وجل.

 

وثاني ما أود التذكير به أننا أصحاب رسالة تحمل الخير للناس– كل الناس– ولسنا طلاب سلطة، وهذا يفرض علينا أن نسعى لاستيعاب الناس، وتوصيل الحق الذي نحمله إليهم، مهما رفضوه وعادوه وعاندوه، ولتذكروا هنا أمرين:

 

- الأول: كيف صبر الرسول صلى الله عليه وسلم على معانديه لنلتمس منه القدوة على لصبر.

 

- والثاني: أننا نتعامل مع مسلمين غالبيتهم يحبون الإسلام، وإن كانوا لا يفهمونه على حقيقته نتيجة لثقافتهم ودراستهم المتأثرة بالغرب، وإنني لأثق كل الثقة أنهم لو درسوه من مصادره ومنابعه لصاروا من أقوى الدعاة إليه والمدافعين عنه، والأمثلة في أوساط المثقفين الذين تخلوا عن العلمانية والمذاهب الغربية، وتحولوا إلى الإسلام الصحيح كثيرة.

 

وهذا يفرض علينا فرائض كثيرة في التعامل مع هؤلاء الناس، منها ما أمرنا به القرآن الكريم من وجوب الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ  (النحل: من الآية 125)، أي تحاور معهم بأحسن الأساليب وأرق العبارات.

 

ويجب علينا أيضًا أن نتواضع حتى لا يستشعر أحد أننا نستعلي عليه أو ننتقصه قدره، وحسبنا في ذلك قوله تعالى: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ  (آل عمران: من الآية 159)، وقوله: وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً  (لقمان: من الآية 18)، وقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر".

 

وأيضًا يجب الرفق في المعاملة، وتجنب الخشونة والعنف، قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يُعطي على العنف، وما لا يُعطي على سواه" وإذا كان الله تعالى أمر موسى عليه السلام أن يلين القول لفرعون، فهو في حق المسلمين أولى وأولى اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44) (طه).

 

وقال الإمام سفيان الثوري: (لا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر إلا من كان فيه ثلاث خصال: رفيق بما يأمر رفيق بما ينهى، عدل بما يأمر عدل بما ينهى، عالم بما يأمر عالم بما ينهى)، وهذا يقتضي التخلي عن العبوس والغضب، والتحلي ببسط الوجه والحلم، فمما لا ريب فيه أن هذه الأخلاق الأخيرة من شأنها أن تفتح القلوب، وتشرح الصدور، وتقرب بين الناس، وتحقق التواصل بينهم، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم، فليسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق"، ويقول: "لا تحقرن من المعروف شيئًا ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق".

 

ويعلمنا صلوات الله وسلامه عليه أن القوة ليست في قوة البدن التي يغلب بها الناس، ولكنها في قوة النفس التي تكظم الغيظ، وتطفئ الغضب: "ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب".

 

* الأمر الثالث: أننا ينبغي أن نعلم أن الله تعالى قد خلق الناس مختلفين، وسيظلون كذلك
وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ  (هود)، فالاختلاف هو سنة من سنن الوجود، ولو نظرنا في جميع المجتمعات منذ بدء الخليقة حتى الآن لوجدنا اختلافًا بين الناس في العقائد والسلوك والأخلاق، بيد أن هذا الاختلاف لا يسلب أحدًا حقه في أن يعيش في المجتمع في سلم وأمان ومساواة في الحقوق والواجبات، في ظل احترام النظام العام والدستور والقانون، وإذا كُنَّا قد عانينا من إقصاء السلطة السابقة لنا، وحرماننا من حقوقنا، وإذا كان بعض الغلاة يطالب باستمرار هذا الإقصاء لنا، فليس ذلك مبررًا لأن يتبنى أحد مِنَّا ذلك النهج الإقصائي المعيب مع غيرنا من التيارات والقوى السياسية، ولكن يجب النظر إليهم على أنهم وطنيون يريدون خدمة الوطن بطريقتهم، ووفقًا لأفكارهم ومناهجهم.

 

* الأمر الرابع: أن الخلاف بين القوى السياسية إنما هو خلاف فكري في الأساس، وهذا يقتضي منَّا أن نستوعب حقائق ديننا ومبادئه ومنطلقاته ومناهجه، حتى نستطيع أن نشرحه لمن لا يعرفه، ونبين محاسنه ومزاياه، وأيضًا يقتضي أن ندرس المذاهب الفكرية الأخرى حتى نستطيع أن نتحاور مع أصحابها، ونقابل الحجة بالحجة، ونقيم الدليل والبرهان من أجل الإقناع بعظمة ما عندنا؛ لأنه دين الله الذي خلق، والذي يعلم من خلق، وما يصلحه في الدنيا والآخرة.

 

* الأمر الخامس: أن نعلم أن الخلاف في الرأي والرؤية لا بد من آلية لحسمه بطريقة مهذبة حضارية، ينزل عليها الجميع، وهي التي نسميها الشورى أو الديمقراطية، ومؤدى هذا أن نستطلع رأي الشعب في القضايا الخلافية ثم ننزل على رأي الأغلبية، وتحترم الأقلية نتائج استطلاع الرأي سواء في صورة انتخاب أو استفتاء، دون التفاف أو إهدار أو استعلاء، وهذا يقتضي العمل على إقناع الرأي العام بالمنهج الإسلامي، خصوصًا وأن غالبيته العظمى تحب الإسلام، وتتوق للحياة في ظلاله، وتطبيق أحكامه.

 

* الأمر السادس: أننا ما دمنا نطالب بتطبيق شرع الله، فينبغي أن نعلم حقيقة شرع الله، وأنه ليس العبادات، ولا الهدي الظاهر، ولا التشريعات فقط، ولكنه إضافة إلى ذلك: عقيدة تملأ القلب بحب الله ورجائه، والحياء منه، واستشعار رقابته ومعيته، الأمور التي تُحيي الضمائر، وتدفع لفعل الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وخدمة الناس، وإتقان العمل، والحرص على الصالح العام، وأخلاق تحفز على حب الناس، والصدق والأمانة والوفاء والبر والصلة وحسن المعاملة، وقيم وتصورات تحدد قيمة الحياة وغايتها، والمال ومكانته، والمنصب ومسئوليته، مما يهذب غرائز الإنسان في سعيه في الحياة، إضافة إلى الإحساس بالمسئولية الفردية والأسرية والاجتماعية التي تدفع الإنسان إلى الاهتمام بالشأن العام، وممارسة السياسة والاقتصاد في إطار الأخلاق الإسلامية، إضافة إلى التشريعات التي تنظم أحوال الأسرة، والمعاملات المدنية والتجارية والدستورية والقانونية والدولية الخاصة والعامة والجزائية.

 

ما دام الأمر كذلك، والإسلام دين ودولة، حق وقوة، عبادة وسياسة، ثقافة وحضارة، إخاء وتعارف– كما يقول الأستاذ خالد محمد خالد– فيجب علينا أن نغطي– بجهدنا وحركتنا– كل هذه الميادين، وكل جوانب الحياة، حتى يتحقق الإسلام الحق،  صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (138) (البقرة).