قراءة في ديوان الشاعر أحمد حمدي والي

(سباق لجواد واحد)

 بقلم: أ.د. خالد فهمى

(1)     

مدخل

أنا الذي تعيى السياط كرامتي!

      لم أزل منذ زمن طويل أراهن على الأصوات الشعرية المنتمية ،وهى تفتتح سجلا جديدا يسعى نحو تشييد بلاغة جديدة يمكن أن تسمى ببلاغة البناء .

 

      لقد غبر شعراء الحركة الإسلامية زمنا طويلا أسرى لبلاغة التمرد،والتحريض ، وبلاغة كشف عورات الاستبداد ،وبلاغة بكاء الأغلال والجدران،وبلاغة الأصفاد والسجان!

 

      وربما ساءت سمعة أصوات هؤلاء الشعراء المنتمين للحركة الإسلامية بسبب من هذا الركون إلى ما سميته لكم من أنماط البلاغة التي كانت تسعى نحو بكاء الأسوار صمودا نحو هدمها0

 

      وربما ساءت سمعة الشعرية الحركية المنتمية بسبب استهلاكها فنيا ؛ بمعنى تواتر معجم بعينه ، وتواتر توظيف رموز حيوانية بعينها، وبسبب من تواتر التناص مع نصوص بعينها ،وبسبب من تواتر استدعاء شخصيات وأماكن مغلقة الدلالة إلى حد بعيد.

 

      ولكننا الآن بدأنا تاريخا جديدا – أو هكذا أتصور – تتجاوز فيه أصوات الشعراء المنتمين للحالة  الإسلامية حدود بلاغة البكاء إلى حدود رحبة لتيار متدفق بحكم المستقبل أسميه ببلاغة البناء.

 

      وأحمد حمدى والى شاعر شاب منتم يدرك شاعرية لا بأس بها   وبوعى ظاهر ضرورات الانتقال من شعرية البكاء التى كانت حاكمة على أصوات الشعرية الإسلامية المعاصرة إلى شعرية البناء التى يرجى أن تحكم مسيرة الشعرية الإسلامية القادمة.

 

      فى ديوان أحمد حمدى والى خيط فكرى يتمدد فى أعصاب الديوان كله، على امتداد ما يقرب من خمس وخمسين قصيدة أو مقطوعة شعرية،وهو خيط تقوم شواهد كثيرة على البرهنة عليه ،وربما يصل الأمر إلى تسميته باسم ظاهر حمله عنوان هذه القراءة.

 

      الشموخ الفريد هو هذا الخيط الفكرى الذى يتغلغل فى أبنية قصائد الديوان،ويتغلغل فى مكوناتها التفصيلية الجزئية متحركة بثبات من مستوى الكلمة إلى مستوى الجملة والسطر والبيت الشعريين إلى مستوى كلى يجعل من الديوان كله صورة ناطقة بشموخ الإنسان العربى ، وشموخ الوطن العربى ،وشموخ الفكرة العربية ،وشموخ الوجدان العربى ،و شموخ منظومات الأفكار والأخلاق العربية ما انتظمت فى عقد الإسلام وحضارته.

 

      والشاعر مدرك لسر شموخه الفريد،يصرح به فى عنوان قصيدته (الشموخ فى الموت )فيقول:

 

 وحتى وإن قالوا إنى منتم

       وشعارى السيفان والقرآن رمز تقدمى

       والسجن دارى 

       والسياط ملابسى 

       والنفى والإبعاد منحة حاكمى

       فأنا الذى تعيى السياط كرامتى 

       وأموت لكن لا أموت بلا فمى      وتتناثر فى انتظام شعرى واضح ألفاظ كثيرة منبئة عن هذا الخيط الفكرى الممتد فى طول الديوان؛من مثل : (العلياء / العزمات / تستنهض / علوت أنت/الشماء/ المعالى / الأمجاد /اللآلى / اصعد )

 

      ويصل الأمر بالشاعر أن يعلن صراحة إنكاره لمعجم الانكسار ، ورفض معجم الذلة و الخضوع،يقول:

 

 كفرت بالإذعان والخضوع 

       كفرت بالعروبة الخنوع

       كفرت بالسيوف فى أغمادها

      وهو وقت يرحب بالموت فى سبيل مبادئه ، يرحب به على هيئة ترسخ فكرة الشموخ الفريد المهيمنة على روح الديوان، فيقول:

 

 ما عاد يخدعنا الكلام-فعافنا- قد فض فوك

       سأظل ألعنكم 

       فليشنقونى عاليا يا سيدى ، أو يطردوك

      وفى خلاصة دالة فإن معجم أحمد حمدى والى يدعم هذه الفكرة ويرسخ قيمها فى جنبات الديوان كله بما تناثر فيها من ألفاظ العلو بمشتقاته المتنوعة ،و ألفاظ الرفعة والصعود ،والشموخ إلخ

 

      ومن جهة ثانية فإن الشاعر يرعى تاريخ هذا الشموخ فى تلبسه النفس العربية فى ماضيها الماجد، الذى لا يتوانى يذكر به على مستوى موضوعات قصائد الديوان ، مدحا للمصطفى المختار صلى الله عليه وسلم ،أو رثاء لرموز إسلامية معاصرة،أوفى توظيف لشخصيات تراثية ماجدة ، أو فى استدعاء لأماكن عريقة كانت فى يوم من الأيام عنوان سيادتنا للدنيا بأسرها

 

      وأحمد حمدى والى فى هذه الموضوعات يشابك بينها بخيط الدلالة على التعالى والشموخ الذى هو جزء من جينات النفس العربية المسلمة، يقول فى قصيدته (حبيبي سيد الأنام):

 

 يا سيد الدنيا وأنت الأكبر           بك يا ابن عبد الله نفسى تفخر

     يا قائد العلياء حادى ركبها          وبك النجاة إذا تدانى المحشـر

       يا أيها المقدام سيفك بارق           ورماح جندك فى المعامع تزأر

     لما رأى الشيطان دينك عاليا          أضحى اللعـين بغيظه يتفجـر

      ففى هذه الأربعة الأبيات المختارة من القصيدة تتواتر ألفاظ معجم التعالى و الشموخ ،دالة على ما نقرره ،فتظهر فى (سيد الدنيا/أنت الأكبر/ قائد العلياء / المقدام / دينك عاليا)

 

      وهو فى تأسيسه للشموخ الفريد يرى علاماته فى الأحداث الراهنة،فيرى فى حذاء منتظر الزيدى الذى رشق به بوش فى زيارته للعراق بعد الاحتلال الأميركى رمزا مواجها للخنوغ والذلة ، فيقول:

 

 سَلِم الحذاء فيهْ به يا منتظر

       أرجع به مجدا هوى 

       لما تألق فى سماء الطهر كذاب أشر 

       .      .         . 

       وانبطحت على أعتاب أمريكا الشريفه 

       أذناب داعرة عفيفة 

       .       .         .

       يا من هزئت بكل طاغية تجبر 

       وأعدت طعم عروبتى 

       نغما على سيف وضجر

       و صنعت للأذناب تابوت النهاية 

       وختمت قصة ذلنا 

       وأعدت هيكلة الروايه 

      ففى هذه الأسطر يتبدى معجم العزة فى مواجهة هجاء معجم الانكسار وتتراقص كلمات المجد والتألق والسماء ،وتتساقط موضوعيا كلمات الانبطاح والأذنات والذل والطغيان والأذناب!

 

      فى ديوان (سباق لجواد واحد)روح شموخ فريدة تعاود الانطلاق والحياة من جديد بعد أجواء آملة متسلحة بمجد قديم وعريق

 

(2)

من بلاغة البكاء إلى بلاغة البناء

 

      تنتمى قصائد هذا الديون جميعا إلى مرحلتين تاريخيتين تمثلان ما نتصور أنه فارق مابين بلاغتين حاكمتين لأدب الحركة الإسلامية قبل الخامس والعشرين من يناير ،وبعدها ، مما سميناه ببلاغة البكاء بلاغة  البناء.

 

      و ديوان أحمد حمدى والى نموذج لهذه الفكرة التى نقررها ،وفى تواريخ نشر قصائده ما يبرهن على ذلك ؛فقد توزعت زمنيا على السنوات التى تمتد على العقد المنصرم تقريبا من سنة اثنتين إلى عام أحد عشر بعد الألفين ميلاديا.

 

      وهو ما يؤكده بحكم وجود قصائد عاصرت الثورة و امتدت بعدها بشهور – الظاهرة ،صحيح أن تعرية الاستبداد و الفساد يمثل النسبة الغالبة لكنه أخذ شكلين فارقين  هما:
أ-التعالى فى مواجهة الاستبداد مع الإقرار بآلامه ومظالمه و مما يندرج تحت شريحة بلاغة بكاء الطغيان

 

ب- الهزء والسخرية بعد سقوط الاستبداد والفرح بنهاية الآلام والمظالم مما يندرج تحت شريحة بناء الذات والوجدان.

 

      إن التحليل الموضوعى لأفكار القصائد ،وأغراض القصيد فى الديوان عموما يدعم هذه النظرة التحليلية لعمل الديوان الفكرى والموضوعى .و قد تجلى بكاء الطغيان ،وتعرية ممارساته المجرمة فى كثير من قصائد الديوان التى سبقت قيام ثورة يناير ،وأخذت أشكالا متنوعة،تصريحا وتلميحا ؛ ففى قصيدة (حبيبى سيد الأنام )يصنع الشاعر تقنية معاكسة لتقنية النكوص أو العودة إلى التاريخ عندما يخرج من دائرة استحضار السيرة النبوية ، فيقحم شعريا مشهدا شديد الواقعية من اللحظة الراهنة الكئيبة ، عندما يقول:

 

 ورجال أمتنا تطاول خزيهم 

                              وعن العمالة و التخاذل شمروا

وفى هذا السياق تتجلى فى أبنية القصائد القضايا التالية :

أ-الإصلاح السياسى ضد فساد النظام

ب-مواجهة ملامح سقوط الكرامة فى مواجهة قوى الأعداء وهو الملمح الذى كان الشاعر يشتبك معه لأدنى ملابسة ليعرى الانحطاط فى الواقع العربى المعاصر، وهو ما يمثله قوله فى التعليق على منتظر الزيدى صاحب أشهر رمية بالحذاء فى وجه بوش الابن:

 

 بالله لا تبخل علينا بعدها

       واصنع لنا من نعلك الميمون آلاف النعال 

       فنعالنا عجزت 

       ونعلك قد من رحم الجحيم المستعر 

       ما ذاك (بوش) وحده يا سيدى 

       بل عندنا فى كل قطر مثله بوش لعين 

       فأعد حذاءك بعد أن رجمت أمير المجرمين 

      ففى هذا النموذج وغيره تتضح بلاغة البكاء بفضح علامات الانهيار فى مواجهة الطغيان الخارجى و الداخلى معا.

 

      هذا الصوت الذى مثلت عليه بما مر كان هو الصوت المهيمن على أصوات القصيدة المنتمية بحكم المرحلة التاريخية ، صحيح أنها صدرت عن شعراء غير منكسرين ،ولا يائسين ، وصدرت عن شعراء مملوئين بيقين أمل فى استعادة المجد مسكون بشموخ وتعال مدعوم بمجد قديم ثابت الأصول.

 

      كانت أفكار القصيدة فى شعر مرحلة ما قبل يناير عند أحمد حمدى والى تقاوم الانكسار مرتدية ثوب العراقة القديم غير منتبهة إلى قدمه وبلاه.

 

      وفى جانب آخر بدت فكرة الشموخ الفريد أكثر بريقا عندما عانقت نجاحا ظاهرا فى استعادة بعض ملامح هذا الشموخ القديم الذى تجدد،وانكشف عمقه فى النفس المسلمة المعاصرة بعدما نجحت بعض النماذج فى هذا السياق بعد الخامس و العشرين من يناير فبدت أصوات القصيدة غير باكية ،ولا متألمة،ولا مهانة ،ولا متعالية بسبب من الماضى فقط.

 

      لقد تبدلت نغمات صوت الشاعر ،فبدت طاردة للحزن ،والآلام ،والبكاء وبدت جزئية باعثة على الأمل والضياء والتحدى ، واستحضار مقومات الذات الشامخة التى راهن طويلا على شموخها الفريد.

 

      ولعل أصرح مثال على ذلك بدا واضحا فى قصيدته( لاتحزنى )التى يفتتحها بما يدل على شعور طاغ وإيجابى بالذات ، يقول:

 

 أنا يا صبية قد أتيتك شاعرا 

       فتجملى ..وتدللى

       فلقد شهدت الذل فى العصر الردئ

       وسطا عليك المجرمون ولوثوا الوجه البرئ 

       قومى أرى الدنيا دلال الحسن والقمر الوضئ

       لا تحزنى 

      ففى هذا المقطع من القصيدة كشف عن جمال ودلال وحسن وبراءة ووضاءة أصيلة لم ينل منها محاولات الطمس،ولا محاولات التلويث.

 

      ويلح الشاعر على استجماع عناصر الأصالة،وملامح الشموخ الفريد المطل من قسمات وجه هذا الوطن:

 

 أنت الكرامة و العروبة والبطولة والفداء

       أنت التفرد والتمرد والعطاء 

       أنت الفتيه 

       أنت الصبورة والأبيه 

       أنت التى لولا صمودك لانمحى فى العرب لفظ البندقية 

       أنت التى لو باعت الدنيا حمى الأوطان ما بعت القضيه 

       يكفيك فخرا أن هذا الاسم فى آى الكتاب تسطرا

      لقد تكشفت بواعث التمسك بإعلان هذا الشموخ على امتداد شعر الديوان،وتركز كثيفا فى هذا التكرار الدال الذى اتخذ شكل الخطاب بما يسكنه من حضور قاهر للمخاطب ،حضور لا يمكن تهميشه بدليل نسب التكرار المرتفعة جدا.

 

      ثم فى هذا اللجوء للفظ الضمير المؤنث ،بما سكن المؤنث فى الثقافة العربية من اكتناز دلالات الجمال ،ودلالات الخصوبة ،والعطاء،ذلك أن الأنثى على امتداد عمر الثقافة العربية منذ زمن الجاهلية المتأخرة بدت مجازا كلها تحملت عبء الدلالة على الجمال واللين،والخصوبة والعطاء.

 

      وهذه الدلالات جميعا مقصودة هنا تركزت حول هذا الإلحاح على ندائها المتكرر :

 يا صبية

      بما يسكنها من دلالات متفجرة بالجمال والدلال والوضاءة والخصوبة والتفرد والبراءة!
(3)

 

الفنية والحضور المعاصر

      بدت شعرية القصيد فى ديوان أحمد حمدى والى مستمدة ألقها ووهجها ليس فقط من ألق الأغراض والموضوعات ولا من تنقلها الرشيق بين مسارى بلاغة بكاء الطغيان وبلاغة بناء الوجدان والأوطان ،وإنما بدا كثير من ألقها من تقنيات بناء القصيدة بشكل دال على عصرية القصيدة.

 

      والملامح الفنية الدالة على شاعرية الديوان ممتدة على مستوى التصوير ، واستدعاء الشخصيات وتوظيفها،وعلى مستوى استثمار ملامح المعاصرة،وتوظيف علامات اللحظة بشكل ظاهر. 

 

      صحيح أن التصوير جاء قليلا إلى حد  ما بسبب من الطبيعة الفكرية لموضوعات القصيدة وأغراضها،لكن هذا الغياب الملحوظ عوضه ظهور تقنيات فنية بديلة جاء التكرار على قمتها .

 

      وقد حقق هذا التكرار مجموعة من الوظائف النفسية والفنية معا من مثل :

أ‌- تأكيد فكرة الشموخ الفريد ،بما هو محقق للفخر بمدلول اللفظ المتكرر ولاسيما أن أشهر لفظين برز تكرارهما كانا هما)أنا)و(أنت)

 

ب-الكشف عن وجه اللذة والفرح بعد إزالة الطغيان،بما هو أهم ملمح لبلاغة البناء فى مرحلتها الساذجة الأولى.

 

      وفى الكثير من الصور التى توافرت فى الديوان جاءت ظاهرة الدلالة تقليدية إلى حد بعيد ،لكنها تقليدية غير مبتذلة،ولا ميتة ،وربما يفسر وضوحها طبيعة تعانقها مع الفخر والمجد والدلالة على الشموخ والتعالى من مثل :

 

 أنا يا صبية قد أتيتك ثائرا

         ومجددا فيك العزيمة والإراده

وجنيت من عبق الشهيـد              لجيدكم أحلى قلاده

ونسجت من نور الصباح              لنيلكم عـلم السياده

      لقد أدرك الشاعر أنسر شموخه وشموخ وطنه ،هو  ما تضمه شخصيته من عناصر وراثية ماجدة انحدرت إليه من الرموز الشامخة الماجدة إنسانيا ومكانيا ،وهو ما تحقق من خلال استدعاء الشخصيات التراثية الإنسانية من مثل:/النبى صلى الله عليه وسلم/ صلاح الدين /عثمان/على

 

ومن خلال الحضور الطاغى للأماكن الماجدة كالقادسية/ واليرموك /وعين جالوت /ومكة /وبدر وغيرها

 

على أن أهم ملمحين فنيين يميزان صوت أحمد والى شعريا هما:

أ-تقنية تأخير لحظة التنوير ، وأقصد استعارة بعض ملامح فن القص وتصميم القصيدة أحيانا على بنية القصة ،وتأخير لحظة التنوير والنهاية صناعة للتشويق على ما يظهر فى قصيدته (الفاتنة الثائرة)التى صممها على ما يوحى بأنها فى حق فاتنة ساحرة استجمعت علامات الجمال والدلال لنفاجأ فى آخر سطر شعرى بأنها(البندقية )يقول:

 

 قالوا تغزل واسترح من ثقل أعباء القضية 

             واترك لقلبك فسحة فى روضة الحب الغويه 

                             .       .      .

             اكتب لكل العاشقين قصائد الحب النديه 

             ومشيت مسلوب الفؤاد بلا تأن أو رويه 

             لأرى ملاكا نائما ليست بصورة آدمية 

             سمراء يعذب لثمها فرعاء قامتها سوية 

                      .          .         .

             فضممتها فى عزة وهززت أركان البريه 

             كى تعلموا يا إخوتى أنى أغازل بندقيه

ب- شيوع تقنية الحوار سعيا نحو إقامة أجواء إيجابية فعالة ، تبرهن على أن مرحلة البناء تحتاج إلى التعاون والحوار.

 

      فى ديوان أحمد حمدى والى شموخ فريد كنا نحسه شعورا فى القديم والآن نحسه يقينا فى الوقت المقيم .

----------

كلية الآداب جامعة المنوفية