الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والصلاة والسلام على النبي الكريم، ثم أما بعد..
فقد اعتاد المسلمون عادةً طيبةً في رمضان تسعد القلوب؛ ألا وهي تلاوة القرآن، ويتنافسون فيما بينهم على عدد الختمات، ويكون هم الرجل أو المرأة آخر المصحف.
والتلاوة نوعان: تلاوة تعبد، وتلاوة تدبر؛ أما تلاوة التعبد فتشعر براحة نفسية وبسرور حينما تتلوه، فكلام الله من أي بابٍ أتيته تسعد به، لو أنك تلوته سعدت به، حفظته سعدت به، فهمته سعدت به، طبقته في حياتك وكان دستورًا لك كانت السعادة الكبرى.
والله سبحانه وتعالى يدعو إلى التدبر، وتدبر الشيء: النظرُ إلى عاقبته ومؤدَّاه، أو النظر إلى ما وراءه، وتدبُّر آيات القرآن الكريم تعني النظر إلى الأمر وتدبر الخير الذي ينتج من تطبيقه، أو النظر إلى النهي وتدبر الشر الذي ينتج من اقترافه.
والسؤال: هل القرآن نزل لنتلوه وفقط أم أنه في الأصل نزل لنعمل به؟ وما القرآن إلا أوامر نأتمر بها أو نواهٍ ننتهي عنها، أو تذكرة بالآخرة، أو تفكر في الكون يزيد الإيمان.
وانتبه، فقد ورد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا ويضع به آخرين" (رواه مسلم)، وورد في الحديث الشريف أنه: "مَا آمَنَ بِالْقُرْآنِ مَنِ اسْتَحَلَّ مَحَارِمَه"، "ورب تالٍ للقرآن والقرآن يلعنه".
ولننظر إلى الرسول الكريم نرى أنه كان خلقه القرآن، ولننظر إلى فعل الصحابة رضوان الله عليهم عند نزول الآيات الكريمة نجد التطبيق الكامل والفوري، ولنضرب على ذلك بعض الأمثلة، وهي أكثر من أن تحصى؛ فمثلاً عند نزول قول الله تبارك وتعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ (2)) (الحجرات) يغلق ثابت بن قيس عليه باب داره ويبكي، ولما يرسل إليه الرسول يقول: أنا جهوري الصوت، أنا صوتي عالٍ، أنا من أهل النار، ويُطمئنه الرسول؛ بل تعيش حميدًا وتموت شهيدًا، وبعدها هو وبقية الصحابة الكرام يخفضون أصواتهم عند الرسول حتى يطلب الرسول أن يرفع صوته حتى يستطيع أن يسمع، والأمثلة في هذا الباب أكثر من أن تحصى.
- وعلى سبيل المثال:
يقول الله عز وجل: (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (1)) (المطففين).. فهل يا ترى الطبيب الذي يأخذ حقه كاملاً ويعطي المريض حقه منقوصًا مطفّف أم لا؟ والمدرس الذي يأخذ حقه كاملاً ويعطي للطالب أقل من حقه مطفف أم لا؟ والزوج الذي يريد من زوجته حقه كاملاً ويعطيها حقها من العواطف والماديات ناقصًا مطفف أم لا؟.. إلخ.
مثال آخر: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) (النساء).. والسؤال: ما حالك مع زوجتك؟ تعاشرها بالمعروف أم غير ذلك؟ عمومًا، أكرموا النساء.. فوالله ما أكرمهن إلا كريم، ولا أهانهن إلا لئيم، يغلبن كل كريم، ويغلبهن لئيم، وأنا أحب أن أكون كريمًا مغلوبًا من أن أكون لئيمًا غالبًا.
مثال ثالث: (قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (55)) (يوسف).. (قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنْ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ (26)) (القصص): الحفظ والعلم مقياسان للمسئولية.. حفيظ عليم مقياس خالد، فإذا أردت أن تعين موظفًا فلا بد من صفتين اثنتين؛ الأولى: الكفاءة، والثانية: الأمانة والإخلاص، مخلص لمبدئك صاحب ضمير حي وكفءٌ في عملك.
كتب عمر لأحد الولاة: "خذ عهدك وانصرف إلى عملك، وأنك تصير إلى أربع خلال، فاختر لنفسك: إن وجدناك أمينًا ضعيفًا استبدلناك لضعفك، وسلمتْك من معرتنا أمانتك، وإن وجدناك خائنًا قويًّا استهنَّا بقوتك، وأوجعنا ظهرك، وأحسنَّا أدبك، وإن جمعت الجرمين الضعف والخيانة جمعنا عليك المضرتين العزل والتأديب، وإن وجدناك أمينًا قويًّا زدناك في عملك، ورفعنا لك ذكرك، وأوطأنا لك عقبك"، أي: أعداءك.
نحن في علاقتنا بالله مختلفون، بعضنا قطع شوطًا والآخر زاد عنه، ويبقى للمتقدم أو المتأخر سؤال هو: أنه مر عليك أخي الحبيب عدة أيام من شهر رمضان، وقرأت عددًا من الآيات، والسؤال: هل تغير في سلوكك شيء؟!
لديك سلوكيات خاطئة بلا شك والقرآن يعالجها بلا شك، وقد مرت عليك آيات كثيرة تعالج هذا؛ فهل تغيرت؟ إن كان نعم فاحمد الله، وإن كان لا فلا تلومن إلا نفسك، وما زال العمر أمامك ويقول صلى الله عليه وسلم: "اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وفراغك قبل شغلك،...".
وصية عملية: حدد كل يوم آية واعرض نفسك عليها واجعل خلقك منها.
وأخيرًا.. فإنا نقرأ الآيات كثيرًا فهل ستظل سلوكياتنا كما هي؟ وهل يمكن أن يكون القرآن هو الدستور، وتهتف القلوب: القرآن دستورنا بدلاً من هجرانه؟!