- د. عبد الحليم عمر: الحرب في العراق وأفغانستان حطمت أسطورتها الاقتصادية

- د. جهاد صبحي: المنهج الاقتصادي الإسلامي المنقذ الوحيد للأمريكان

- د. محمد عبد اللطيف: العالم على أعتاب أزمة مالية جديدة

تحقيق: أحمد هزاع

 

تمر الولايات المتحدة الأمريكية الآن بأزمة عصيبة هي الأولى من نوعها؛ حيث اتهمت وزارة الخزانة الأمريكية وكالة "ستاندرد أند بورز" للتصنيف الائتماني بأنها أخطأت في حساباتها 2000 مليار دولار في توقعات الموازنة التي استندت إليها لخفض التصنيف الائتماني للولايات المتحدة، والذي وصل إلى حد AA+ منخفضًا من مستوى "AAA"، نظرًا لما أعلنته الخزانة الأمريكية من رفع الدين العام إلى ما يفوق الـ 100% من إجمالي الناتج الداخلي فور إقرار الكونجرس برفع سقف الديون الفيدرالية، الذي كان نتاجًا لتخطي أمريكا الحدِّ المسموح به من الاقتراض، والذي يجب ألا يزيد عن 50% من حجم الناتج المحلي.

 

وفي هذه الأزمة فإن أمريكا رائدة الرأسمالية العالمية التي دعت إلى اقتصاد حر تجد نفسها اليوم مضطرة إلى التدخل في اقتصاديات القطاع الخاص لتنقذ نفسها من الهلاك، وتتخلى عن حرية التجارة وفرض القيود عليها على النحو الذي يتناقض مع المبادئ التي تنادي بها، وكذلك فإن الحرب أجبرت الإدارة الأمريكية على فرض قيود على الهجرة وحركة الأفراد وهذا معناه تخلي أمريكا عن أحد أهم ركائز العولمة وفرض القيود على الأسواق، وهذا معناه التخلي عن الليبرالية الاقتصادية.

 

هذه الأزمة أعادت طرح فكرة تطبيق النظام الاقتصادي الإسلامي باعتباره المخرج لمثل هذه الأزمات وهو ما ذهب إليه "بوفيش فانسون" رئيس تحرير مجلة "تشالينجز" والذي كتب موضوعًا بعنوان (البابا أو القرآن) أثار موجة عارمة من الجدل وردود الأفعال في الأوساط الاقتصادية، فقد تساءل الكاتب فيه عن أخلاقية الرأسمالية ودور المسيحية كديانة والكنيسة الكاثوليكية بالذات في تكريس هذا المنزع والتساهل في تبرير الفائدة، مشيرًا إلى أن هذا النسل الاقتصادي السيئ أودى بالبشرية إلى الهاوية، وتساءل الكاتب بأسلوب يقترب من التهكم من موقف الكنسية ومستسمحًا البابا بندكيت السادس عشر قائلا: "أظن أننا بحاجة أكثر في هذه الأزمة إلى قراءة القرآن بدلاً من الإنجيل لفهم ما يحدث بنا وبمصارفنا لأنه لو حاول القائمون على مصارفنا احترام ما ورد في القرآن من تعاليم وأحكام وطبقوها ما حل بنا ما حل من كوارث وأزمات، وما وصل بنا الحال إلى هذا الوضع المزري.

 

كما طالب "رولان لاسكين" رئيس تحرير صحيفة "لوجورنال دفينانس" بضرورة تطبيق الشريعة الإسلامية في المجال المالي والاقتصادي لوضع حد لهذه الأزمة التي تهز أسواق العالم من جرَّاء التلاعب بقواعد التعامل والإفراط في المضاربات الوهمية غير المشروعة، كما رأى رئيس غرفة التجارة الفرنسية العربية ووزير الخارجية الفرنسي السابق "هيرفيه دوشاريت" أن "استيراد" المعاملات الإسلامية يهدف لتمكين الاقتصاد المحلي من الاستفادة من السيولة النقدية التي يملكها المستثمرون المسلمون.

 

(إخوان أون لاين) يناقش تراجع التصنيف الائتماني الأمريكي وآثاره المحلية والعالمية، وهل يمكن فعلاً تطبيق نظام الاقتصاد الإسلامي في السوق الأمريكية.. هذا ما طرحناه في هذا التحقيق التالي:

 

الفائدة الربوية

 الصورة غير متاحة

 محمد عبد الحليم عمر

بداية يقول الدكتور محمد عبد الحليم عمر أستاذ الاقتصاد بجامعة الأزهر: إن الأزمة التي تمر بها الولايات المتحدة سببها الرئيسي الإنفاق على الحروب التي خاضتها في العشر سنوات الأخيرة التي أظهرت نتائجها عمق الأزمة الاقتصادية التي خلفتها الحرب الأمريكية؛ حيث إن النفقات الحربية المتعلقة بحالة العراق وأفغانستان كان تأثيرها على الاقتصاد الأمريكي بعكس الحالات السابقة المتعلقة بالحرب العالمية الثانية وحرب فيتنام، كما أدت الحرب إلى تباطؤ الاقتصاد وزيادة معدلات البطالة، كذلك مدة الحرب أثرت بشكل سلبي في متوسط دخل الفرد، وعكست تأثيرًا سلبيًّا على القوة الشرائية في البلاد.

 

ويؤكد أن الحرب في العراق وأفغانستان حطمت الأسطورة القائلة بأن الاقتصاد الأمريكي سينتعش ويصبح أكثر قوة عندما ترتفع النفقات الحربية، مضيفًا أن التعامل الربوي الذي تتبناه الولايات المتحدة ودول الغرب سيودي بالاقتصاد إلى الهاوية، وستتفاقم تلك الأزمة لتكون عالمية.

 

ويوضح أن الكتاب والاقتصاديين الأمريكيين أقروا أن الحل في تطبيق الشريعة الإسلامية، وأن يكون النظام الإسلامي هو النظام الرائد والذي يقوم على تحريم نظام الفائدة الربوية على القروض والائتمان وإحلال نظام التمويل القائم على المشاركة وتفاعل رأس المال والعمل في إطار قاعدة الانتفاع المشترك.

 

ويستطرد يجب أن نعلم أن القيم الإسلامية هي قيم إنسانية موجهة لكل البشرية ولكل من يريد أن يقتبس منها أو يعمل بها ونجد في الغرب اليوم تيارات عديدة بدأت تدعو إلى ما يسمى بالاقتصاد الأخلاقي وحتى بعض البنوك التي تأسست على هذا المعنى مثل البنك الأخلاقي في سويسرا، وهي بنوك تعتمد على كل ما يراعي القيم ويحترم الأخلاق، فلا استثمار في الكحول أو المخدرات أو الأسلحة أو المشاريع التي لا تحترم البيئة وأشياء أخرى عديدة ضارة بالإنسان وبالطبيعة، وهذا التوجه الذي عبر عنه تيار الاقتصاد الإنساني بشر به الإسلام منذ أربعة عشر قرنًا.

 

ويتابع أن الفائدة أقنعت العديد من الخبراء الغربيين أنها ليست الأداة المثلى لإدارة النشاط الاقتصادي، وأن الإسلام يقترح إلغاءها وتعويضها بمعدل الربح عن طريق نظام المشاركة الإسلامي أي تقاسم الربح والخسارة، فمقابل نظام الفائدة هناك نظام المشاركة الذي أثبت جدارته وفعاليته في تجربة المصارف الإسلامية في الشرق والغرب على حدِّ سواء، مشيرًا إلى أنه إذا ما وضع نظام السوق في نطاقه المحدود أصبحت القطاعات الاقتصادية متكاملة القطاع الخاص والقطاع العام، مضيفًا أن بالاقتصاد الإسلامي قطاعًا ثالثًا هو القطاع الوقفي الذي يعود بقوة في المجتمعات الغربية أو ما يصطلح عليه حاليًّا بنظام الجمعيات.

 

الشريعة الإسلامية

 الصورة غير متاحة

د. جهاد صبحي

"أمريكا في أزمة والحل هو الأخذ بنظام الاقتصاد الإسلامي" بهذه الكلمات يعلق الدكتور جهاد صبحي أستاذ الاقتصاد بكلية التجارة جامعة القاهرة عن الأزمة التي تمر بها الولايات المتحدة إثر انخفاض تصنيفها الائتماني وانخفاض قيمة وسندات الخزانة، مضيفًا أن هذه الأزمة متوقعة منذ سنوات وخاصة بعد الأزمة العالمية عام 2008م بسبب إنفاق المليارات على الحروب في أفغانستان والعراق بعد أحداث 11 من سبتمبر بحجة مكافحة الإرهاب، مؤكدًا أن أمريكا والدول الغربية سيفكرون قبل الدخول في أي حرب قادمة بل ستدرس أمريكا بجدية كيفية الانسحاب من العراق وأفغانستان والحفاظ على أموالها المهدرة.

 

ويوضح أن النظام الرأسمالي يقوم على المعاملات الربوية ونظام الفائدة أخذًا وعطاءً، ويعمل في إطار منظومة تجارة الديون شراءً وبيعًا ووساطة، وكلما ارتفع معدل الفائدة على الودائع كلما ارتفع معدل الفائدة على القروض الممنوحة للأفراد والشركات، استفادت البنوك والمصارف والوسطاء الماليون والعبء والظلم يقع على المقترضين الذين يحصلون على القروض سواء لأغراض الاستهلاك أو لأغراض الإنتاج؛ مما يضعف الحالة الاقتصادية يومًا تلو الآخر؛ لوجود المحتكرين الماليين وزيادة العبء على المواطن العادي مما يساعد على انتشار الفقر والبطالة.

 

ويؤكد أن الولايات المتحدة ليس لديها سبيل للخروج من كبوتها سوى تطبيق الشريعة الإسلامية التي تحاربها من أجل القضاء على الإرهاب الذي صنعته أمريكا نفسها، وأن الاقتصاد الإسلامي اقتصاد رباني وإنساني، كما أنه بلا ريب اقتصاد أخلاقي وسطي وهذه المعاني والقيم الأساسية الأربع لها فروعها وثمارها وآثارها في كل جوانب الاقتصاد والمعاملات المالية الإسلامية إنتاجًا واستهلاكًا وتداولاً وتوزيعًا.

 

ويدعو الدول العربية إلى التحرر من أغلال القيود الأمريكية والاعتماد على عملة موحدة مشتركة بدلاً من الدولار أو أي عملة أجنبية أخرى لتحقيق التقدم الاقتصادي خاصة في ظلِّ الربيع العربي.

 

ترشيد الإنفاق

 الصورة غير متاحة

د. شريف قاسم

ويرى الدكتور شريف قاسم أستاذ الاقتصاد جامعة القاهرة أن البنوك في مصر تتكبد خسائر فادحة جراء توظيف أموال المصريين في الخارج نظرًا لانخفاض قيمة أذون وسندات الخزانة الأمريكية، كما أن خفض التصنيف الائتماني للولايات المتحدة، والذي يحدث لأول مرة في تاريخها من شأنه أن يجعل أمريكا تلجأ إلى تقليل حجم إنفاقها بشكل عام، ومن ثَمَّ ستقل المعونات التي تمنحها للدول الأخرى وفي مقدمتها مصر.

 

وعن قدرة أمريكا على الخروج من أزمتها يوضح قاسم أن ذلك الموقف يعد موقفًا مؤقتًا؛ حيث إن قدرة أمريكا واقتصادها أقوى من الانحدار، مدللاً على ذلك باتهام الخزانة الأمريكية لمؤسسة "ستاندرد آند بورز" بأنها لم تضع في حسبانها عدة عوامل عندما قامت بخفض التصنيف الائتماني لها، لافتًا إلى أن المؤسسة لم تحسب قدرة أمريكا على سداد مديونيتها وقوة اقتصادها.

 

ويضيف أن باقي المؤسسات لم تقم بتخفيض التصنيف الائتماني لأمريكا، مما يدلل على نظرتهم نحو قدرة الاقتصاد الأمريكي على التعافي سريعًا عن طريق ترشيد الإنفاق وتقليل أو حتى إلغاء المعونة التي تقدم للدول المنفذة لسياستها، فضلاً عن محاولة سحب الكثير من الجنود الأمريكيين من أفغانستان والعراق وعدم الدخول في حروب وصراعات جديدة؛ حيث تعد تلك الحروب السبب الأول لهذه الأزمة.

 

أزمة جديدة

ويقول الدكتور إبراهيم عبد اللطيف أستاذ الاقتصاد بجامعة بنها أن العالم على أعتاب أزمة مالية عالمية، جراء خفض التصنيف الائتماني للولايات المتحدة الأمريكية من قبل مؤسسة التصنيف الائتماني "ستاندرد أند بورز" والتي لم تكن في الحسبان من المؤكد أن العالم سيعود إلى الأزمة الطاحنة في عام 2008م.

 

ويؤكد أن انخفاض التصنيف الائتماني لأمريكا من شأنه أن يؤدي إلى انخفاض القيمة السوقية لأذون وسندات الخزانة الأمريكية بنسبة لا تقل عن 10 %إن لم يكن أكثر من ذلك، مشيرًا إلى أنهما يعدان من أداوت الاستثمار التي تدر عائدًا سنويًّا يقدر بنحو 2%، في حين أن المخاطر المحفوفة بهما تكاد تكون معدومة، لذا فهي تمثل أغلب استثمارات الدول والحكومات والمؤسسات المالية والبنوك.

 

ويوضح أن البنوك في مصر ستنزف ما لا يقل عن مليار جنيه تأثرًا بانخفاض التصنيف الائتماني لأمريكا، وذلك لأن حوالي 25% من حجم ودائع المصريين في البنوك قد تم توظيفها بالخارج أي في أذون وسندات الخزانة الأمريكية، لأنها مضمونة السداد من جانب الحكومة الأمريكية، ذلك الأمر الذي كان يمثل سر قوتها، والذي جعل العديد من البنوك تلجأ إلى توظيف أموال المصريين في الخارج من خلالها، وبالتالي ستدفع البنوك ثمن هذا الفارق في التصنيف الائتماني.

 

ويشدد على ضرورة وقف توظيف أموال المصريين في الخارج حتى لا تجني مصر ثمار هذا الخطأ الفادح من خسائر ستتكبدها جراء أي أزمة تحدث في الخارج، قائلاً: على الأقل يتم وضع حد لا يتعدى الـ 10 % لتوظيف أموال المصريين التي توجد في البنوك كودائع في الخارج، فضلاً عن ضرورة وضع ضوابط لذلك الاستثمار في الخارج من خلال البنك المركزي.

 

 الصورة غير متاحة

د. حازم الببلاوي

ويطالب الدكتور حازم الببلاوي وزير المالية ونائب رئيس الوزراء للشئون الاقتصادية بضرورة التدخل لحماية أموال المصريين في الخارج، ووقف نزيف أموالهم، والعمل على توظيف تلك الأموال في مشروعات للتنمية مثلما فعل طلعت حرب عقب ثورة 1919م حيث تمت تمصير البنوك من أجل تحقيق أهداف ثورة 25 يناير.

 

ويؤكد أن الحل كما قال علماء ومفكرو الغرب هو تطبيق النظام الإسلامي الذي يقوم على مبدأ التيسير على المقترض الذي لا يستطيع سداد الدين لأسباب قهرية لقول الله تعالى (وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (280) ((البقرة) في حين أكد علماء وخبراء النظام المالي والاقتصادي الوضعي أن من أسباب الأزمة الحالية هو توقف المدين عن السداد وقيام الدائن برفع سعر الفائدة وتداول القروض بفائدة أعلى أو تنفيذ الرهن على المدين وتشريده وطرده ولا يرقب فيه إلا ولا ذمة وهذا يقود إلى أزمة اجتماعية وإنسانية تسبب العديد من المشكلات الاقتصادية، وصدق قول الله إذ توعد المتعاملين بالربا بقوله (فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) (البقرة: من الآية 279).