في شهر رمضان من عام 1996م.. ذلك الشهر الذي ينشر الأمان والسكينة على ‏الجباه، ويسكب الراحة والهدوء في النفوس.. كانت عيناه تبرق وفيها كم هائل من ‏الراحة والثقة والقوة والمضاء، كان يتحدث رغم ما مرت به الجماعة والإسلام من ‏محن وضربات أمنية قوية متلاحقة، وامتلأت السجون والمعتقلات بكل ما هو ‏إسلامي، وكانت يديه الجميلة تقبض على شيء ما.. كأنه يملك النصر بين أصابعه ‏المتوضئة الوضيئة، كانت كلمات الأستاذ مصطفى مشهور تعيد القلوب إلى مكانها، ‏وترتب الأجساد، وتهندم الأرواح، وتعيد لنا البداية؛ كي نعمل من جديد.‏

 

لكن عندما كنا نعود إلى بيوتنا كنا نستيقظ الساعة الواحدة ليلاً قلقين، فهذا موعد ‏زوَّار آخر الليل.. كان الكلام عن النصر شيئًا والواقع شيئًا آخر...! كل شيء يحمل ‏في طعمه مرارة الهزيمة وقوة الباطل الذي يبسط نفوذه على كل شيء في الحياة.. ‏فنقابل فارسًا آخر من فرسان الدعوة الذين تربوا على يد الإمام المؤسس، ورغم ما ‏لاقوه من سجون ومعتقلات ومصادرة للأقوات والأرزاق تجد نفس البريق ونفس ‏العزيمة ونفس الجينات النطفية التي ترتبك من جديد.‏

 

عرفت أنهم تلقوا تلك التربية من النبع الصافي؛ فهذا رجل بعد الهجرة يقول للرسول ‏صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، الحديدة الساعة"؛ أي: سنحمل السلاح إلى أن ‏نموت، فيرد عليه الرسول بثقته في طريق الله وأن الله سيتم هذا الأمر حتى يكون ‏أحدكم وسط الرهط وليس في يديه حديدة.‏

 

وهذا عدي بن حاتم رغم استقبال الرسول الحافل له، لكنه شاهد عدة مواقف كلها ‏تشي بضيق الحال وتأزم موقف المسلمين وقوة الباطل.. امرأة عجوز تستوقف ‏الرسول فيترك لها يده، ورجل خائف مرعوب يشتكي، وآخر تمكن الجوع منه ‏يستغيث، فيقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "يا عدي، أيمنعك ما رأيت من أن تسلم؟" فيرد عدي: بلى يا ‏محمد، فيقولها الرسول: "والله يا عدي ليتمن الله هذا الأمر حتى تصير الظعينة تطوف ‏البيت ليست في جوار أحد إلا الله.. والله يا عدي ليتمن الله هذا الأمر حتى تحمل ‏سواري كسرى فيرد عدي كسري بن هرمز يا محمد.. كسري بن هرمز يا عدي‏‏، والله يا عدي ليتمن الله هذا الأمر حتى يبذل المال فلا يجد من يأخذة..(إذًا الأمان ‏قادم قادم.. والنصر قادم قادم.. والله سينعم علينا حتى لا نجد فقيرًا) يقول عدي ‏والله طفت البيت فوجدت الظعينة تطوف ليس في جوار أحد ولا تخشى إلا الله، والله ‏كنت ممن حمل سواري كسرى، والله لتكونن الثالثة.. ونعم قد كانت في زمن قريب ‏جدًّا هو زمن عمر بن عبد العزيز.

 

وفي غزوة الخندق وكل شيء يشي بمرارة الواقع وسطوة الباطل حتى بلغت القلوب ‏الحناجر.. حتى إنهم لا يأمنون على الذهاب بعيدًا لقضاء حاجتهم, كان معول ‏الرسول الجبار يبرق ويعمل بجد ونشاط يفتت الصخر بعزيمة جبارة تدك الجبال ‏الرواسي فيصيح الرسول الله أكبر فتحت قصور كسرى.. الله أكبر فتحت قصور ‏قيصر.. فيصيح معه الجميع فيرتجف الباطل وينزوي الظلم.‏

 

إنها التربية والثقة في الله وفي هذا الطريق.

بل أبعد من ذلك لخص الشهيد سيد قطب في كتابه معالم في الطريق وهو يحكي ‏قصة فئة مؤمنة صمدت بإيمانها العاري أمام الباطل المدجج.‏

 

ووضع قوس النصر نصب أعين الموحدين حتى لو ذبحهم الباطل من الوريد للوريد‏‏,‏
لقد زف بشارة النصر إلى كل شهيد انتصرت لذة إيمانه على ألم الموت, لقد قبل رأس كل شهيد مات في سبيل إعلاء كلمة الله ولم ترهبه سطوة الباطل ولا ‏ظلم الكفر، فالله إليه المآل وهو بيده العدل والميزان، وهو يحكم بين عبادة يوم الدين.‏

 

كل ذلك أيها الأحبة يجب أن نستحضره الآن والآن آكد، فمعاول الهدم ما زالت تعمل ‏في العلن قبل الخفاء، وقوى الشر ما زالت تحيك لكم المؤامرات وهذا الصهيوني الذي ‏يحارب العفة والحرية والكرامة لن يرضى لمصر أن تفلت من قبضته أنهم يملكون ‏الجيوش والرجال والأموال والإعلام، ويشترون الذمم الخربة ويستعبدون النفوس ‏المريضة ومكرهم شديد فهو مكر الليل والنهار.‏

 

لكن سينفقونها ثم تكون عليهم حسرة في الدنيا قبل الآخرة ما دمنا نعمل ونصل الليل ‏بالنهار.. ما دام فينا من يعيد القلوب إلى الأجساد ويهندم لنا الأرواح ويرتب لنا الحال ‏لنعمل من جديد.‏
الطريق شاقة وطويلة ولقد سبر أغوارها سيدنا علي بن أبي طالب، وأطلقها مدوية إلى كل سالك: يجب عليك أن تلقى الله وأنت فتات.‏

 

راحتنا هي في رضا ربنا والله يرضى لنا الآن أن نستفرغ الوسع والجهد في نشر ‏الخير والسلام والإيمان من جديد.‏

 

في أن نعيش وكل منا في قبضته أقواس النصر

وفي غزوة الخندق وكل شيء يشي بمرارة الواقع وسطوة الباطل حتى بلغت القلوب ‏الحناجر.. حتى إنهم لا يأمنون على الذهاب بعيدًا لقضاء حاجتهم, كان معول ‏الرسول الجبار يبرق ويعمل بجد ونشاط يفتت الصخر بعزيمة جبارة تدك الجبال ‏الرواسي، فيصيح الرسول: "الله أكبر.. فتحت قصور كسرى، الله أكبر.. فتحت قصور ‏قيصر"، فيصيح معه الجميع فيرتجف الباطل وينزوي الظلم.‏

 

إنها التربية والثقة في الله وفي هذا الطريق؛ بل أبعد من ذلك لخَّص الشهيد سيد قطب في كتابه "معالم في الطريق" وهو يحكي ‏قصة فئة مؤمنة صمدت بإيمانها العاري أمام الباطل المدجج، ووضع قوس النصر نصب أعين الموحدين حتى لو ذبحهم الباطل من الوريد للوريد.

 

لقد زف بشارة النصر إلى كل شهيد انتصرت لذة إيمانه على ألم الموت.. لقد قبل رأس كل شهيد مات في سبيل إعلاء كلمة الله، ولم ترهبه سطوة الباطل ولا ‏ظلم الكفر، فالله إليه المآل وهو بيده العدل والميزان، وهو يحكم بين عبادة يوم الدين.‏