من أهم الملامح التربوية وكذلك الفنية والموضوعية للإمام الشهيد في كتاباته ما يأتي:

 

1- الاعتزاز بالتراث الإسلامي والعربي الشامخ.

2- الربط بين الماضي الوضيء والحاضر المعيش.

3- كثرة الاستشهاد بآيات القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة.

4- القدرة على المزج بين عمق الفكر وحرارة الوجدان مع السهولة والتدفق والوضوح.

 

وفي 23 من أبريل سنة 1948 نشر في صحيفة الإخوان مقالاً، في وقت كان اليهود يستولون فيه على أرض فلسطين الشهيدة، دعا فيه المسلمين إلى أن يتسلحوا عمليًّا بالشعور الناشط بالعودة الإسلامية، ومما جاء في المقال:

 

"... المؤمن يجب أن يعيش عزيز النفس، رفيع الرأس، يستشعر استعلاء الإيمان الذي تصغر أمامه كل صعوبة، وكل محنة؛ لأنه يستقي عزته من أفق علوي (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ) (المنافقون: من الآية 8)، وما كان للمسلم أن يطأطئ رأسه أمام أي إنسان، أو يخشى غير ربه، وعليه ألا تسجد جبهته إلا لله.

 

ولهذه العزة مقتضيات على المؤمن أن ينفذها ويأخذ نفسه بها.. يقول تعالى: (وَلاَ تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139)) (آل عمران).

 

فالمسلمون هم الأعلون اعتقادًا وتصورًا للحياة وارتباطًا وصلةً بالعلي الأعلى، وهم الأعلون شعورًا، وخلقًا وسلوكًا، ثم هم الأعلون قوةً ومكانةً ونصرةً فمعهم القوة الكبرى قوة الله سبحانه وتعالى. يقول تعالى: (فَلاَ تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ (35)) (محمد).

 

ومن مقتضيات عزة المسلم في وجهها السلوكي ما نجده في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ) (المائدة: من الآية 54).

 

ومن أهم مقتضيات العزة رفض الظلم والخنا، والاستسلام لذوي الجبروت والطغيان، والاعتزاز بالقدرات والإمكانات الذاتية وإبرازها وتوظيفها عند الحاجة، فهو من قبيل ما يسميه علماء النفس: "اعتبار الذات"، ولا يكون ذلك من قبيل الغرور أو الكبر ما حسنت النية، وكان القصد وجه الله، والمصلحة العامة.

 

واحترام الذات اعتماد المسلم على نفسه في كسب رزقه بالعمل، والسعي في الأرض.

 

*****

وبعد تصديره واحدًا من مقالاته بقوله تعالى: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (72) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (73)﴾ (الأنفال).

 

يُقدِّم الرواية الآتية:

في عهدٍ مضى أعاد الله علينا دولته قال الراوي: "دخلتُ القسطنطينية تاجرًا في عهد عمر بن عبد العزيز، فأخذت أطوفُ في بعض سككها حتى انتهى بي المطاف إلى فناءٍ واسع، رأيت فيه رجلاً أعمى، يُدير الرحى وهو يقرأ القرآن، فعجبتُ في نفسي، في القسطنطينية رجلٌ أعمى يتكلم العربية، ويُدير الرحى، ويقرأ القرآن!! إنه لنبأ!!، فدنوت منه وسلمت عليه بالعربية، فرد السلام، فقلت: مَن أنت يرحمك الله؟ ما نبؤك؟ فقال: أسير من المسلمين أسرني هذا الرومي، وعاد بي إلى بلده، ففقأ عيني، وجعلني هكذا أدير الرحى، حتى يأتي أمر الله. فسألته عن اسمه وبلده وقبيلته ونسبه، وما كان لي من عملٍ حين عدت قبل أن طرقت باب أمير المؤمنين، وأخبرته الخبر، فاحتقن وجهه، واحتدم غضبًا، ودعا بدواة، وكتب إلى ملك الروم، "قد بلغني من الآن كذا وكذا، وإنكم بذلك قد نقضتم ما بيننا وبينكم من عهد: أن تسلموا كل أسير من المسلمين. فوالله الذي لا إله إلا هو لئن لم ترسل إليَّ بهذا الأسير لأبعثن إليك بجنود يكون أولها عندك، وآخرها عندي".

 

ودعا برسولٍ فسلمه الكتاب، وأمره ألا يضيع وقتًا في غير ضرورة حتى يصل، ودخل الرسول على ملك الروم، وسلَّمه الكتاب، فاصفرَّ وجهه، وأقسم أنه ما علم من أمر هذا الأسير شيئًا. وقال: لا نكلف الرجل الصالح عناء الحرب، ولكننا نبعث إليه بأسيره معززًا مكرمًا.. وقد كان".

 

ثم يختم الإمام الشهيد مقاله بتذكير المسلمين بالجرائم والمذابح التي ارتكبها الصهاينة في فلسطين في دير ياسين وغيرها، داعيًا إياهم أن يتقدموا لاستخلاص الوطن السليب بشعور المسلم الحقيقي ، وشعور العزة الإسلامية الحقة.

 

----------

* gkomeha@gmail.com