إن المقصد من الوجود البشري في الأرض هو إعمارها وإصلاحها، وتغيير وجه الحياة التي نحياها: (هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ) (هود: 61) فإن أدى هذا المخلوق الذي هو خليفة الله في الأرض وظيفته ساد الأرض وعلا فيها كعبه، وإن طغى وظلم نفسه أو ظلم غيره فإن مصيره الهلاك حتمًا.. (وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ (4) فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ) (الأعراف)، فإهلاك الله الأمم بظلمها لنفسها أو لغيرها، والعقوبة أثر طبيعي لازم للعمل الفاسد، وإن ذنوب الأمم لا بد من العقاب عليها في الدنيا قبل الآخرة.. (أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آَخَرِينَ) (الأنعام: 6) وهذه هي سنة الانتخاب الطبيعي وبقاء الأصلح، وهي سنة مطردة في ملكوت الله.. (وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْض) (البقرة: 251) (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ) (الرعد: 17) والذي ينفع الناس هو الذي عليه مدار حياتهم وآخرتهم، لا الذي ينفعهم في أمر دنياهم فقط، ولا الذي ينفعهم في أمر آخرتهم فقط، فقد أرسل الله نبيه صلى الله عليه وسلم للمسلمين والكفار: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِين) (الأنبياء: 107).

 

وقد كتب سبحانه وتعالى إرث الأرض للصالحين، لإقامة العدل والحق، وتطبيق سنن الله في العمران البشري، وهذا ما يسميه علماء الاجتماع "بقاء الأمثل والأصلح في كل تنازع".. (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ) (الأنبياء: 105).

 

ومدار هذه السنة على أن العاقبة في التنازع بين الأمم على الأرض التي تعيش فيها أو تستعمرها للمتقين (وعد اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ..) (النور: من الآية 55)؛ أي الذين يتقون أسباب الضعف والخذلان والهلاك، كاليأس من روح الله، والتخاذل، والتنازع، والفساد في الأرض، والظلم، والفسق، ويتلبسون بغيرها، وبسائر ما تقوى به الأمم من الأخلاق والعلم، وأعلى هذه الأخلاق الاستعانة بالله الذي بيده ملكوت كل شيء، والصبر على المكاره مهما عظمت، وهذا ما تتفاضل به الأمم في القوى المعنوية، باتفاق الملاحدة والملايين من علماء الاجتماع، وهذا ما أشارت إليه آيات القرآن الكريم.

 

ومن العجيب حقًّا أنك تجد المسلمين الذين نزلت هذه الآيات لهدايتهم، تجدهم يجهلون هذه السنن الإلهية، وما ضاع ملكهم إلا باستغنائهم عنها، والانشغال بغيرها من فروع الدين التي لا يترتب على تركها إخلال بمبادئ الدين، ولا خروج عن طاعة النبي صلى الله عليه وسلم.

 

وليس ما نراه اليوم- من سيادة تلك الشرذمة اليهودية للعالم وتأخر المسلمين إلى أن أصبحوا في ذيل الأمم- إلا عدلاً من الله وتطبيقًا لسننه الكونية والتاريخية؛ لأن هؤلاء اليهود قد طبقوا العدالة التي تضمن لهم التقدم والرقي، طبَّقوا العدالة في العلم، فأخذوا بأحدث وسائله، وأصبحت جامعاتهم في مقدمة جامعات العالم، وطبَّقوا العدالة في حكمهم أنفسهم؛ فليس فيهم مظلوم، وطبقوا العدالة في أعمالهم، فلا يصل إليها إلا من يستحقها، وأخذوا بالأسباب في كل شيء حتى في الحرب الظالمة، فكُتِبَ لهم البقاء حتى الآن، كل ذلك حدث حين تخاذل المسلمون، وتغنَّوا بماضيهم التليد، ونسوا أن عليهم دورًا لم يؤدوه.

 

هؤلاء اليهود الذين كتب الله عليهم الذلة والمسكنة والغضب منه، وأرسل على أسلافهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع من قبل، وأغرقهم في البحر لما أسرى موسى بعباد الله، بوحي من الله وتدبير، فأتبعهم جنود فرعون.. فأصبح موسى وقومه أمام البحر، ليس معهم سفينة، ولا هم يملكون خوضه، وما هم بمسلَّحين، وقد قاربهم فرعون بجنوده شاكي السلاح يطلبونهم ولا يرحمون!.

 

وقالت دلائل الحال كلها: لا مفر، البحر أمامهم والعدو خلفهم.. (قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ) (الشعراء: 61)، وبلغ الكرب مداه، ولا مناص ولا معين!.

 

ولكن موسى الذي تلقَّى الوحي من ربه لا يشك لحظةً، وملءُ قلبه الثقة بربه، واليقينُ بعونه، والتأكدُ من النجاة، وإن كان لا يدري كيف تكون، ما دام قد أخذ بالأسباب التي قد أمره الله بها، فخرج بقومه إلى حيث أراد الله.

 

ومضت قصة موسى عليه السلام مع فرعون وملئه، وانتهت بتلك النهاية؛ أن غرق فرعون، وهلك هو وقومه، وكان آية وعبرة لكل من أراد أن يطغى في الأرض أو يتكبر فيها، وطهر الله الأرض من دنس اليهود، وأورث الأرض للذين آمنوا به وحده.

 

وفي تلك القصة بشرى للمؤمنين المستضعفين المضطهدين في كل زمان ومكان، وفيها الدمار للظالمين المتجبرين الذين يشبه موقفهم موقف المشركين.

 

ولما استعاد اليهود قواهم وأخذوا بالأسباب سيطروا على العالم بعدما كانوا مطاردين لا مأوى لهم.. (وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ) (آل عمران: من الآية 140)، ولا شك أن سيادة اليهود العالم اليوم ما هي إلا ابتلاء من الله حتى إذا أخذهم- وذلك لن يكون حتى يُفيق المسلمون من غفلتهم- لن يفلتهم "إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يُفلته" ثم تلا: (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ القُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيد) (هود: 102).

 

والظالم سيف الله ينتقم به ثم ينتقم منه، وما كان يظن بأدق الأمم بحثًا في السنن الإلهية، وأوسعها علمًا بالشئون الاجتماعية، أن تكون أشد عدوانًا وبغيًا، من أشد القبائل غباوةً وجهلاً، ولكن كان مَثَل هذه الأمم كمَثَل الأطباء الذين تفتك بشبابهم الأمراض والأدواء؛ لإفراطهم في شُرب المسكرات، وإسرافهم في الفحشاء والمنكرات، وهم أعلم الناس بضررها، وأبلغهم لسانًا في التحذير من خطرها، وذلك برهان قطعي على أن علوم البشر أجمعين لا تغني في إصلاح حال البشر عن هداية الدين.. دين الإذعان واليقين الحاكم على الإرادة، لا دين التقليد الذي لا يخرج عن حكم العادة، وإن ضل من اغتروا بعلومهم فكفروا، وفسقوا عن أمر ربهم، وفجروا وجهلوا حكمة الله وصنعه في خلق البشر؛ فقالوا بفنائهم وببقاء الحجر والمدر (فَإِذَا بَرِقَ البَصَرُ* وَخَسَفَ القَمَرُ* وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ* يَقُولُ الإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ المَفَرُّ* كَلاَّ لاَ وَزَرَ* إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ* يُنَبَّأُ الإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ) (القيامة- 7: 13).

 

--------

* nassareg2000@gmail.com