"الأم في المطبخ.. الأب خرج وركب سيارته لشراء بعض الأغراض.. أدار محرك السيارة.. تحركت خطوة.. سمع صراخًا.. نزل مسرعًا ليجد نفسه قد اصطدم برأس ابنته.. البالغة من العمر ثلاثة أعوام.. فقد استترت تحت السيارة.. متخيلة أنها ستلاعب أباها.. البنت في العناية المركزة وحالتها خطرة.. وحالة أبويها أصعب وأشد.. برجاء الدعاء لهم بظهر الغيب".
بهذه الكلمات القليلة.. بسطت الصحفية الواعدة بسمة عمر.. مأساة سارة.. بنت فضيلة الشيخ عصام تليمة.. التي وضعها مجردة على حائطه في (الفيس بوك): "ابنتي الصغرى سارة ذات العامين ونصف في العناية المركزة بين الحياة والموت، وقد دهستُها بالخطأ بسيارتي، أستحلف بالله كل قريب وحبيب لي أن يدعو الله لها بالنجاة، فليس لي بعد الله إلا دعاؤكم".
قلم الصحفية.. جسد الطفولة وبراءتها.. وقلم الأب الباحث المدقق.. نقل الحدث في ظلال الإحساس بالمسئولية.
وفي الحقيقة.. كل من القلمين أثر فيَّ، فأمسكت بقلمي تعليقًا وتصحيحًا وتعزية وتحليلاً:
"سارة أصيبت بنزلة برد بسيطة.. وبعد الكشف وتحديد العلاج.. أراد والدها صرف العلاج. اكتشف أن دفع ثمنه بالبطاقة الائتمانية.. فرجع لإحضاره من المنزل، وعند وصوله إلى المنزل لم يرَ سارة في السيارة فظن أنها نزلت ودخلت البيت، والوالد فكره في علاج ابنته، فكان القدر.. لا شك أن الله له حكمة.. وحكمة بالغة.. وكأن القصة إحدى حكايات العبد الصالح في سورة الكهف مع سيدنا موسى.. هذا التعليل يريح قلبي وعقلي، وقد نصل للحكمة أو لا نصل.. المقام هنا مقام التسليم، ولمن ارتقى مقام الرضا.. دورنا الدعاء، ورؤية نعم الله علينا الخافية".
تصحيحًا وتعليقًا على خاطرة الأستاذة بسمة وتسلية للشيخ:
أما التحليل فكنت أحاول أن أبحث عن الحكمة من وراء الحدث، وحاولت أن أستثير القراء وأحثهم على البحث معي عن حكمة الحدث، وبعد لحظة تفكير.. فضلت أن أترك القارئ لنفسه يستشعر الحكمة، تمامًا كالقصة التي لها نهاية مفتوحة يتصورها القارئ كيفما يشاء.
وهنا.. أنقل ثلاث لقطات:
الأولى.. مع أم سارة، متحدثة مع زوجها، تحاول أن تخرجه من الحالة النفسية بعد الحادث واستشعاره بالمسئولية، وتذكيره بأن الأمر قدر محض، ليس له دخل فيه.. تقول ذلك وهي الأم المكلومة، فهؤلاء هن تلميذات أمنا خديجة، وهذا هو الدرس الذي تعلمنه منها في التخفيف عن زوجها الحبيب حين يرجع إلى المنزل مملوء صدره همًّا، وينوء كتفه حملاً، فيجد اليد الحانية، والكلمات الشافية، فيذهب الهم، ويتلاشى التعب.
أما اللقطة الثانية فهي الشيخ وحوله إخوانه وأحبابه.. الجميع يسارعون في مشاركته أحزانه، ومحاولة التخفيف عنه.. الكل والد سارة.. يدعو ويتضرع، ويسأل ويستفسر.. مظاهرة حب وتعاطف وتلاحم.. اضطر أمن العناية المركزة أن يخرجهم إلى الصالة الخارجية.. ويكتفي بأب واحد يتابع أحوال الغالية سارة.
اللقطة الأخيرة.. الأميرة سارة نائمة في سريرها.. تنتظر العبد الصالح الذي يوقظها بركعتين في جوف الليل وتضرُّع في السحر.