تحولت أخلاق الميدان بما فيها من وحدة وأخوة وثبات وإيثار وقوة إلى تناحر وتشاحن وأثرة وفرقة، وأصبحت وسائل الإعلام بكل صورها أداة للتراشق بالألفاظ والهجوم على الرأي الآخر، والتشكيك في النوايا والتخوين وإعلاء المصالح الشخصية والفئوية الضيقة على المصالح العليا للبلاد، ووقع في هذا الفخ الكثير إلا من رحم الله من المصلحين الوطنيين الصادقين الذين يضعون مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، وتحملوا في سبيل تحقيق ذلك كل صنوف الابتلاء وأشكال الاعتداء من النظام البائد السابق إلى الآن- لذلك كان لزامًا علينا جميعًا أن نرفع شعار "الشعب يريد العودة إلى الأخلاق الحميدة"، وإلى استمرار أخلاق الميدان لبناء نهضة الأمة من جديد.

 

إن رياح التغيير في الربيع العربي تكاد تتحول إلى إعصار يدمر المكتسبات التي ضحت من أجلها الشعوب وسالت في سبيلها الدماء الذكية، وواجب علينا أن نحول هذه الرياح إلى مسارها الصحيح، كما كتبتُ من قبل في مقالي "الأخلاق أولاً"، أحب أن أؤكد على أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أجمل رسالته في حديثه، فقال: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"، ومن أهداف العبادات في الإسلام الوصول إلى مرتقى الأخلاق الفاضلة ولنبدأ بالصلاة..

 

ففي قول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ (العنكبوت: من الآية 45)، فالبعد عن الرذائل والتطهير من سوء القول والعمل هي حقيقة الصلاة، وفي الحديث الذي يرويه النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه: "إنما أتقبل الصلاة ممن تواضع بها لعظمتي ولم يستطل بها على خلقي، ولم يبت مصرًّا على معصيتي، وقطع النهار في ذكري، ورحم المسكين وابن السبيل، ورحم المصاب".

 

وقد نصَّ القرآن على الغاية من إخراج الزكاة بقول الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (103)﴾ (التوبة)، فتنظيف النفس من أدرانها والتسامي بالمجتمع إلى مستوى أنبل هو الحكمة الأولى.

 

وانظر كيف يؤدي الصوم إلى الدخول العملي لمدرسة الأخلاق التي يتخرج فيها أصحاب الخلق الرفيع في المجتمع؛ ليكونوا القدوة الحسنة التي تنشر ثمار الأخلاق بين الناس وفي هذا المعنى يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه"، "ليس الصيام من الأكل والشرب إنما الصيام من اللغو والرفث فإن سابك أحد أو جهل عليك فقل: إني صائم".

 

وفي عبادة الحج ذلك المعسكر الرباني تتجلى أعظم مراتب تربية النفس على الأخلاق الكريمة في ذلك المؤتمر الإسلامي السنوي الشاق وما فيه من جهاد، ويؤكد القرآن ذلك بقول الله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ (197)﴾ (البقرة).

 

إنها عبادات متباينة في جوهرها ومظهرها، ولكنها تلتقي عند الغاية التي رسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق".

 

فإذا لم يستفد المرء من العبادات بما يزكي نفسه ويطهر قلبه ويحسن خلقه ويقوي بالله وبالناس صلته فقد خاب وخسر، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيى (74) وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى (75) جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاء مَن تَزَكَّى (76)﴾ (طه).

 

إن ارتفاع منحنى الإيمان بكل وسائله هو الذي يؤدي إلى حسن الخلق وهذا الإيمان هو القوة العاصمة من الدنيا، والدافعة إلى المكرمات، ومن ثم فإن الله تبارك وتعالى عندما يدعو عباده إلى خير أو ينهاهم عن شر يجعل ذلك مقتضى الإيمان المستقر في قلوبهم وما أكثر ما يقول الله في كتابه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ ثم يذكر بعد ما يكلفهم به ﴿اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (التوبة: من الآية 119)، مثلاً.

 

إن النبي صلى الله عليه وسلم نفى الإيمان عن من يؤذي جيرانه، فقال: "والله لا يؤمن.. والله لا يؤمن.. والله لا يؤمن.. قيل: من يا رسول الله؟ قال: الذي لا يأمن جاره بوائقه".

 

وأرشد صلى الله عليه وسلم إلى حسن القول والبعد عن سوء القول، فقال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت"، والأمثلة كثيرة ومتعددة.. وهكذا تمضي السنة النبوية المشرفة في غرس الفضائل وتعهدها حتى تؤتي ثمارها معتمدة على صدق الإيمان وكماله.

 

إن الأخلاق الحسنة هي التي تحافظ وتنمي رصيد المسلم من الحسنات فما من شيء أثقل في ميزان العبد يوم القيامة من حسن الخلق كما أخبر المعصوم صلى الله عليه وسلم، وفي المقابل فإن سوء الخلق مع الناس هو الذي يطيح بالحسنات ويؤدي إلى الإفلاس في الآخرة، ومرد ذلك النار وبئس المهاد، ولقد سأل صلى الله عليه وسلم أصحابه يومًا فقال: "أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال: المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وزكاة وصيام ويأتي وقد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار".

 

إن الإسلام الحنيف جاء لينقل البشر إلى حياة مشرقة بالفضائل والآداب، وأنه اعتبر المراحل الفردية إلى هذا الهدف النبوي من صميم رسالته كما أنه عد الإخلال بهذه الوسائل خروجًا عليه وابتعادًا عنه فليست الأخلاق من مواد الترف التي يمكن الاستغناء عنها بل هي أصول الحياة التي يرتضيها الدين ويحترم ذويها.

 

وإذا أراد المسلم أن يدرك أعظم المنازل في الآخرة فليعمل طوال حياته في ضوء الحديث النبوي الشريف الذي رواه عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ألا أخبركم بأحبكم إليَّ وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة؟ فأعادها مرتين أو ثلاثًا، قالوا: نعم يا رسول الله، قال: أحسنكم خلقًا"، وقال: "ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن، إن الله يكره الفاحش البذيء وإن صاحب حسن الخلق ليبلغ به درجة صاحب الصوم والصلاة".

 

هيا بنا أيها الأحباب إلى المسارعة والتنافس في مدرسة حسن الخلق ونبذ التشاحن والتنافر وسد الذرائع، والانتصار على الشيطان في معركته للتحريش بين المؤمنين.. هيا بنا إلى أخلاق الميدان من منطلق الإيمان.