- تراخي مشترك بين الصحة والصيادلة في حلِّ الأزمة

 

- نقص أدوية الأطفال يوقف العمليات الجراحية ويهدد حياتهم

 

تحقيق- مي جابر ويارا نجاتي

بين نفي وزارة الصحة وتأكيد الصيادلة وجود أزمة في توفر عدد من الأدوية الحيوية، يعيش المريض حائرًا يبحث عن جرعة دواء تسكن آلامه وتداوي مرضه؛ حيث يعيش مرضى الحمى الروماتيزمية وأنيميا البحر المتوسط فضلاً عن الأطفال مأساة حقيقية في البحث عن الأدوية المعالجة لأمراضهم.

 

وعجزت وزارة الصحة عن توفير حوالي 500 مستحضر دوائي بينها 90 مستحضرًا تمثل 45 مجموعة علاجية لا توجد لهم بدائل في علاجات الاكتئاب والسكر والضغط والسرطان والحمى الروماتيزمية، بينما أكد المرضى وأصحاب الصيدليات والأطباء نشوب الأزمة منذ ما يزيد عن 4 أشهر.

 

تكرار الأزمة دفعنا للبحث في أسبابها ومحاولة الوصول إلى حلول لمعالجتها في التحقيق التالي:

 

بدايتنا كانت مع عدد من المرضى المتأثرين سلبًا باختفاء بعض الأدوية؛ حيث تروي والدة الطفل محمد عبد المنعم 10 سنوات معاناته مع البنسلين التي بدأت منذ 4 أشهر، وهي فترة اكتشافهم لمرض ابنها؛ حيث عانت من خلال هذه المدة من نقص البنسلين بالأسواق وسط تكذيب وزارة الصحة التي تدعي أن الكميات الموجودة بالسوق كافية، على الرغم من معاناة أغلب مرضى الروماتيزم في الحصول عليه.

 

وبلهجة خوف وقلق تستطرد قائلة: "أخشى كثيرًا على ابني من تدهور حالته وإصابته بمضاعفات صحية تؤثر على القلب، وتؤثر عليه طيلة حياته، كما أنه يتعب كثيرًا إذا مر موعد الدواء دون تناوله، فيصاب باصفرار الوجه والدوخة واختلال التوازن؛ مما يؤثر على دراسته".

 

رحلة الشقاء!

أما والدة فاطمة ناصر محمد 9 سنوات فتحكي مأساة ابنتها في رحلة البحث عن البنسلين والذي وصفه لها الطبيب لعلاج الروماتيزم الذي وصل نسبته إلى 500، فتقول: تحولت رحلة البحث عن الدواء بصيدليات الجيزة إلى البحث عن السراب، ولذلك أوصي القريب والغريب للبحث عن الدواء خارج نطاق المحافظة لعلهم يجدونه قبل اقتراب الموعد الذي حدده الطبيب لها، حتى تستقر حالة فاطمة وتنخفض نسبة الروماتيزم لديها".

 

وتوضح أنها تحاول البحث عن البنسلين المستورد؛ لأنه أكثر فاعلية من المصري، مضيفة أن حالة فاطمة الصحية تدهورت عندما اضطرت إلى إعطائها البنسلين المصري بعد فشلها في عملية البحث عن المستورد؛ حيث ظلت نسبة الروماتيزم بجسدها ثابتة وتظهر بعض المضاعفات عليها بمجرد مرور موعد الدواء، أو تناوله النوع المصري مثل اصفرار الوجه والدوخة والألم بالقدمين واليدين، كما لو كانت تتعاطى المخدر.

 

وتشير إلى أن الطبيب أكد لها أن البديل المصري لن يساعد في انخفاض النسبة ولكنه سيعمل على تثبيتها، موضحة أن سعر الأصلي منه 20 جنيهًا أما البديل فلا يتعدى 5 جنيهات.

 

أدوية شعبية 

ويشير محمد ندا، مدير صيدلية، إلى أن هناك عددًا كبيرًا من الأدوية اختفت من الأسواق خلال الـ4 أشهر الماضية، على الرغم من أهميتها مثل "سيفوتاكس" وهو مضاد حيوي هام بعد العمليات الجراحية، و"البنسلين طويل المفعول" لعلاج روماتيزم القلب، "فوليك أسيد" مكمل غذائي للحوامل، و"سيتال" خافض الحرارة للأطفال، و"بانادول المصري" الذي اختفى من الأسواق بشكل نهائي.

 

ويشدد على أن نقص قطرة البروزلين من السوق سبب أزمةً شديدةً نظرًا لشعبية هذا العقار لدى عامة الناس، متهمًا النقابة والوزارة بعدم التحرك لحلِّ هذه الأزمات مع الشركات والمصانع، مشيرًا إلى أن ذلك يؤدي إلى أزمات كبيرة، وخصوصًا مع عدم توفر البدائل الجيدة، فضلاً عن عدم تعميم الوزارة نشرات دورية بنقص هذه الأدوية لدى الأطباء ليستطيعوا التعامل ببدائلها؛ حيث إن عدم توفر هذه الأدوية يسبب أزمة أخرى بين الأطباء والصيدليات لعدم اقتناع الأطباء بنقص بعض هذه الأصناف واتهام الصيدليات بإخفائها.

 

مأساة الأطفال

ويضيف إسماعيل منصور، بصيدلية أبو الريش، أن هناك بعض الأدوية الناقصة بالأسواق تؤثر سلبيًّا على صحة الأطفال حتى إنها قد تؤدي إلى الوفاة؛ حيث إن هناك أنواعًا كثيرةً تستخدم في العمليات ولا يمكن الاستغناء عنها مثل جلسرين الأطفال الذي اختفى بنوعيه الأساسي والبديل، موضحًا أن بعض الشركات تفرض عليه شراء طلبية بقيمة 3 آلاف جنيه حتى يوفر لمرضاه 5 أو 4 أمبولات فقط!.

 

ويذكر أن سعر الأمبول الجلسرين لإحدى الشركات 60 قرشًا ورفع سعره خلال هذه الأزمة إلى 150 قرشًا، ليستغلوا احتياج السوق له، معللاً الاختفاء برغبة بعض الشركات في رفع أسعار بعض الأدوية؛ حيث عرضت الشركات أكثر من مرة على وزارة الصحة رفع الأسعار وهو ما رفضته الوزارة مرجعة ذلك لعدم وجود أسباب قوية لذلك.

 

ويصف نقص بعض الأدوية الخاصة بالأطفال مثل أتروبين، دوبامين، أدرينالين، أفدرين، بالمأساة وهي خاصة بعلاج أمراض الجهاز العصبي وتستخدم بكثرة في العمليات الجراحية ولا يوجد لها بدائل، هذا بالإضافة إلى سكسبنل كولين، وكلوريد بوتاسيوم، وبيكربونات صوديوم.

 

نقص مستمر

ويضيف معتز طاهر، صيدلي، أن النقص في عدد كبير من الأصناف مستمر منذ شهور عدة تزيد عن الثلاثة أشهر، قائلاً: إن الشركات المحلية تتعلل بإيقاف خطوط إنتاج هذه الأدوية بسبب المشاكل في المادة الخام التي تدخل في تركيب الدواء.

 

ويؤكد أن أغلب الأدوية الناقصة تمثل ضرورات وعلاجات هامة جدًّا للمرضى، كمرضى الحمى الروماتزمية الذين يتعرضون للنقص المستمر في حقن البنسلين، ووقتها يضطرون للجوء إلى شراء المستورد كحل وحيد أمامهم الذي يصل إلى أكثر من 10 أضعاف السعر، مضيفًا أن العدد الأكبر من الأدوية تتسبب في مشاكل خاصة بعمليات الأطفال.

 

ويتعجب من نفي وزارة الصحة لوجود مثل هذه الأزمة بالرغم من وجودها في الصيدليات الحكومية أيضًا، مؤكدًا أن الحل في أيدي وزارة الصحة، وهي المنوط بها توفير الدواء للمرضى المصريين.

 

الوزارة متراخية

ويتفق معه في الرأي الصيدلي أنطونيوس ناجي بصيدلية "فؤاد"، من حيث النقص الحاد في أصناف كثيرة من الأدوية، موضحًا أن أبرزها هي حقن "البنسلين"، و"جلسرين" للأطفال الذي يدخل في عدد كبير من عمليات الأطفال، ضاربًا المثل بـ"البنسلين" الذي تتوافر منه كميات قليلة على فترات متباعدة.

 

ويقول إن السبب الحقيقي وراء هذه الأزمة غير معروف لتعدد الأسباب التي يقولها مختلف الأطراف، من مشاكل في التصنيع بسبب الشركات المحلية، أو ارتفاع الأسعار، موضحًا أن وزارة الصحة لم تقم بالدور المطلوب منها لتوفير الكميات والأصناف التي يحتاجها المرضى.

 

ويتابع: إذا قامت الوزارة بالضغط على الشركات والتعامل معها بحزم ستورد الأدوية للصيدليات، لكن الوزارة تتراخى في متابعة شركات الأدوية؛ حيث زادت مدة نقصان الدواء عن شهرين كاملين ولم تتدخل لتقديم أي حلول لتوفير الأدوية.

 

الأزمة قديمة 

وتؤكد الصيدلانية أميرة محمد، أن ثلاثة أرباع الأدوية المستوردة مُعطلة من فترة طويلة، كما أن ثلاثة أرباع الأدوية المحلية لا تنزل إلى الصيدلية طمعًا من أصحاب خطوط الإنتاج في إقرار الزيادات التي طلبوها في أسعارها، لافتة إلى وجود احتمالية في الاتفاق بين كافة شركات الأدوية المنتجة لهذه الأدوية.

 

وتدلل على حديثها بنزول أغلب تلك الأدوية غير المتوفرة بعد فترة اختفاء بأسعار أعلى، ضاربة مثال بحقن "البنسلين" التي اختفت من الأسواق لأكثر من 4 شهور، ثم عادت بكميات بسيطة إلى الصيدليات بسعر 4,5 جنيه بدلاً من 3.75، وكذلك "البروكسيمول" الذي يعتبر من أهم أدوية الفوار لمرضى الكلى زاد إلى 6 جنيهات بعد 4,5.

 

وترجع سبب تكرار أزمة نقص الدواء للمريض المصري إلى غياب الرقابة على الشركات التي تصنع أو توقف التصنيع دون إبداء أسباب أو المحاسبة من أي جهة، وظهر ذلك في اختفاء صبغة "فلوريسين" التي تستخدم في الأشعة من الأسواق لأكثر من سنتين، نظرًا لأن الشركة المنتجة لها قدمت طلبًا لرفع سعره ووزارة الصحة لم تصدق عليه بالموافقة.

 

عمليات متوقفة! 

ويشتكي أحمد الشناوي، صاحب إحدى المستشفيات ببورسعيد، من نقص بعض الأدوية التي تعيق بعض العمليات وتهدد بإيقافها خاصةً في عمليات الأطفال، مشيرًا إلى أن هناك بعض الشركات مثل شركة (آمون) تُعرف بسياسة تعطيش السوق لتعمل على إيجاد بديل للدواء؛ مما يزيد من إنتاجها، بالإضافة إلى رفع الأسعار.

 

ويشير إلى أن هناك من يقوم بتصدير الأدوية بطرق غير مشروعة للدول المجاورة بأسعار أعلى مما تباع به في السوق المحلي للاستفادة من فارق سعر البيع في هذه الدول، مشددًا على أهمية دور وزارة الصحة في الضغط على هذه الشركات للقيام بواجبها تجاه المرضى من خلال توفير الدواء المناسب لهم بالتكلفة المناسبة.

 

نقل الدم

ومن جانبها تؤكد الدكتورة آمال البشلاوي، أستاذ أمراض الدم بكلية الطب جامعة القاهرة، وجود نقص بعدد من الأدوية المهمة المستخدمة في علاج أمراض الدم، والتي تمثل خطوة هامة من خطوات علاجها، كـ"أنيميا البحر المتوسط، والأنيميا المنجلية"؛ حيث يتسبب نقص دواء "الهيدروكس" وكافة مشتقات "الهايدرا" في مشاكل في علاج المرضى.

 

وتوضح أن نقص الأدوية يؤدي إلى تدهور حالات المرضى، وتتطلب القيام بنقل دم لهم بدلاً من العلاج بطريقة آمنة عن طريق الأدوية، مشيرةً إلى أن هذه الأدوية يتواجد لها بعض البدائل في الصيدليات بأسعار مضاعفة، إلا أنها قد تتوفر للمرضى بمحافظة القاهرة؛ لكنها تختفي في أغلب محافظات مصر.

 

وتقول: إن سبب نقص الدواء يعود إلى رغبة بعض الشركات في رفع أسعار الدواء، معتبرة أن تعطيش الأسواق من هذه الأدوية ليست إلا خطة تقوم بها للضغط على الجهات المعنية للموافقة على رفع السعر، مؤكدة تعدد مصادر استيراد الأدوية والمواد الخام المستخدمة في صناعتها، واختلاف أسعارها بحسب الدولة الموردة لها؛ مما يوفر بدائل عدة أمام المستوردين.

 

صلاحيات الوزير!

 الصورة غير متاحة

 د. عبد الله زين العابدين

ويرجع الدكتور عبد الله زين العابدين، أمين عام نقابة الصيادلة، أزمة نقص بعض الأدوية إلى عدة أسباب منها توقف بعض خطوط الإنتاج بهدف تطويرها وإعادة هيكلتها، وتأخر استيراد المواد الخام المستخدمة في تصنيع هذه الأدوية، بالإضافة إلى إصابة بعض الشركات بخسارة فادحة من وراء إنتاجها بعض الأصناف التي تكون في الغالب عالية التكاليف في حين أن أسعار تداولها بالأسواق قليل، موضحًا أن هذه الشركات توقف إنتاجها لفترة لتعويض هذه الخسارة.

 

ويشدد على ضرورة أن تنظر هذه الشركات إلى المصلحة الوطنية والجانب الإنساني والاجتماعي قبل النظر للمصلحة الشخصية والجانب المادي، فلا يمكن التلاعب بمصلحة المريض حتى لو كانت تسبب لهم خسارة مالية، مضيفًا أن وزارة الصحة يجب عليها هي الأخرى إعادة النظر في تسعير هذه الأصناف لتجنب خسارة الشركات.

 

ويبين أنه يجب على وزير الصحة اتخاذ الإجراءات اللازمة لتوفير الأدوية بالأسواق مثل إلزام الشركات بإنتاجها في الأوقات المحددة أو استيراد بدائل من الخارج لإشباع حاجة السوق، مطالبًا وزير الصحة باستخدام صلاحيته في معاقبة الشركات التي تمتنع في إنتاج أي نوع من الأدوية خلال عام وسحب رخصتها.

 

ويستنكر تراخي الوزارة في توقع الأزمة قبل حدوثها واتخاذ التدابير لتجنب آثارها السلبية، مقترحًا إنشاء مركز دراسات لنقص الأدوية ليتابع المخزونات وينبه المسئولين عند وجود نقص أو قصور في أي صنف لسرعة التحرك لاحتواء الأزمة قبل نشوبها.

 

ويقول إن ما يزيد الأزمة اختناقًاَ هو اختفاء أحد الأصناف بجميع بدائله ومستلزماته مثلما حدث مع البنسلين طويل المدى الذي يعالج الحمى الروماتيزمية؛ ما زاد من مأساة المرضى في البحث عن الدواء بمشتقاته.

 

دور ضعيف

 الصورة غير متاحة

 د. أحمد رامي

من جانبه يرى الدكتور أحمد رامي نقيب الصيادلة بالقليوبية، أن أزمة نقص الأدوية تم تضخيمها بشكل مقصود من بعض الجهات، موضحًا أنها لا تصل إلى ذلك العدد الضخم الذي أثارت به وسائل الإعلام الرعب لدى قطاع عريض من مستخدمي هذه الأدوية.

 

ويصف التقارير التي أشارت بها وسائل الإعلام إلى النقص الكبير في الأدوية بأنها تقارير غير علمية، قائلاً: إن تضخيم أزمة النقص كانت له عدة طرق منها زيادة العدد بشكل كبير على الرغم من أنه يصل إلى نصف العدد، كما أعزى البعض عدم وجود البدائل بسبب النقص في المواد الخام، على الرغم من أن البدائل تستخدم مادة فعالة مختلفة، وما يثار عن نقض المادة الخام غير صحيح؛ لأن الناقص هو المادة المسيّلة فقط.

 

ويبين أن الأسباب الحقيقية لهذه الأزمة ترجع إلى فترة بدايات الثورة، عندما أغلقت البنوك أبوابها في الأيام الأولى؛ مما تسبب في بطء الإجراءات الائتمانية لاستيراد المواد الخام، وطالت المدة حتى انتهت هذه المشكلة، بالإضافة إلى أن الشركات التي تقوم بتصدير المواد الخام زادت من صعوبة الشروط الائتمانية على مصر ودول الشرق الأوسط بعد الثورات العربية؛ حيث اشترطت توريد الأسعار كاملة قبل إرسال المادة الخام؛ مما أوجد الصعوبات في مصانع الأدوية المصرية.

 

ويؤكد أن نتيجة هذا التأخير والنقص تصب في مصلحة الشركات متعددة الجنسيات التي تسعى لرفع أسعار الأدوية، وهو ما لا يمكن حدوثه إلا في حال زيادة تكلفة الإنتاج، التي لم تحدث حتى الآن.

 

وحول الدور الواجب على الحكومة القيام به لمواجهة هذه الأزمة يرى أنه يدور حول تسهيل الحكومة للتيسيرات الائتمانية والجمركية المطلوبة لإدخال المواد الخام إلى مصر، مشددًا على ضرورة عدم الاستجابة إلى الطلبات المقدمة من شركات الأدوية لزيادة الأسعار غير المبررة.

 

ويضيف أن بعض الإضرابات التي قام بها عدد من العمال في مصانع للأدوية نتج عنه نقص في بعض الأصناف؛ لكن المواطنين لا يدركون هذا النقص إلا بعد فترة بسبب المخزون الموجود من الأدوية، مشيرًا إلى أن بعض الأصناف بدأت تتوافر بكميات في الصيدليات؛ لكن ليس بالكمية التي تفي باحتياجات المرضى.