- طرح إصدار جديد من سندات الخزانة بالدولار داخليًّا وخارجيًّا

- التصدي للمضاربات خارج السوق وخفض معدل التحويلات

- الحد الآمن للاحتياطي النقدي 23.6 مليار دولار

 

تحقيق: هيثم فهمي

يسعى البنك المركزي إلى اتخاذ سلسلة من الإجراءات الاستثنائية لمواجهة التراجع المستمر في احتياطي النقد الأجنبي، والذي فقد نحو 12 مليار دولار منذ بداية العام وتحديدًا منذ اندلاع الثورة؛ حيث انخفض من 36 مليار دولار بنهاية ديسمبر الماضي إلى 24 مليار جنية بنهاية سبتمبر المنتهى.

 

وتهدف هذه الإجراءات إلى تثبيت حجم الاحتياطي النقدي عند مركزه الحالي البالغ 24 مليار دولار من دون فقد المزيد منه، مع استمرار سياسة الدفاع عن سعر صرف العملة المحلية في مواجهة العملات الأجنبية لاسيما اليورو والدولار وعدم السماح بانفلات سعر الصرف على ضوء ضعف الأوضاع الاقتصادية الداخلية، واتجاه الكثيرين لتحويل مدخراتهم إلى عملات أجنبية؛ خوفًا من حدوث تراجع في سعر صرف الجنيه بسبب نضوب موارد النقد الأجنبي الداخلة إلى البلاد، وفي مقدمتها تراجع الاستثمارات الأجنبية.

 

كما تهدف الإجراءات لدعم المركز المالي للاقتصاد المصري لدى الدوائر المالية ومؤسسات التمويل العالمية، خاصة بعد أن أعطت مؤسسات التصنيف العالمية تصنيفًا سلبيًّا لمستقبل الاقتصاد المصري، مما يمهد لصدور تصنيف جديد بدرجة "اقتصاد مخاطر"، ويؤدي إلى عزوف الاستثمارات الأجنبية عن العمل بالبلاد على ضوء مثل هذا التصنيف الذي يعني تحذيرًا مباشرًا للمستثمرين الأجانب.

 

وتشمل إجراءات البنك المركزي المصري التصدي لأي مضاربات خارج السوق الرسمية على النقد الأجنبي بهدف تخفيض الطلب غير الحقيقي على هذه العملات، وخفض معدلات تحويل الأموال المسموح بها إلى خارج البلاد عبر القنوات الرسمية.

 

وتتيح القوانين الحالية إمكانية تحويل 100 ألف دولار، بينما يدرس البنك المركزي خفض هذا المبلغ إلى 50 ألفًا في المرة الواحدة.

 

ومن بين تلك الإجراءات مراجعة سياسات فتح الاعتمادات المستندية لاستيراد السلع والخامات من الخارج؛ حيث كان المركزي قد سمح في وقت سابق للبنوك بفتح اعتمادات مستندية لاستيراد سلع من دون أن يلتزم المستورد بتدبير قيمة وارداته بتمويل ذاتي من النقد الأجنبي، الأمر الذي ساهم في تحميل أعباء كبيرة على الجهاز المصرفي في الفترة الماضية على ضوء استغلال بعض المستوردين هذه الإجراءات في استيراد كميات كبيرة من السلع وتخزينها؛ مما ساهم في ارتفاع فاتورة الواردات.

 

ومن المنتظر أن تستثني هذه الإجراءات استيراد السلع الغذائية والمواد الضرورية حتى لا تحدث اختناقات على صعيد أسعارها أو إتاحتها بكميات مناسبة.

 

كما تمَّ الاتفاق مع شعبة المستوردين باتحاد الغرف التجارية على وضع قائمة بأولويات السلع الضرورية مع ضرورة وقف استيراد السلع الكمالية أو الاستفزازية كما يسميه البعض.

 

وتشمل الإجراءات الهادفة إلى الحفاظ على معدلات النقد الأجنبي الحالي طرح إصدار جديد من سندات الخزانة المصرية بالدولار بالداخل والخارج على البنوك والمؤسسات والمستثمرين والأفراد، مع التركيز على عدد من أسواق المال الخليجية الكبرى، وهو إصدار يستهدف جمع نحو ثلاثة مليارات دولار يمكن استخدامها في الدفاع عن الاحتياطي النقدي تمكن السلطات النقدية والمالية بالبلاد من تنفيذ سياساتها الرامية لدعم المركز المالي للاقتصاد المصري.

 

وحسب البنك المركزي المصري فإن الاحتياطي النقدي الحالي يغطي أكثر من 6 أشهر واردات سلعية، وهو الحد الأدنى المقبول عالميًّا إلا أن هناك تحذيرات من إمكانية التراجع عن هذا المستوى في الأشهر المقبلة إذا استمر الاقتصاد في التباطؤ؛ حيث يمكن أن ينخفض عدد شهور الواردات التي يمكن أن يغطيها الاحتياطي عن 6 أشهر، وهو الأمر الذي يمكن أن يمثل مساسًا بالأمن الاقتصادي للبلاد.

 

يقول أحمد آدم الخبير والباحث المصرفي: إن هناك انخفاضًا في موارد النقد الأجنبي وهو ما أثر بالسلب في الاحتياطيات الدولية لمصر من العملات الأجنبية والتي انخفضت بفعل ثورة تونس والثورة المصرية من 36 مليار دولار في ديسمبر الماضي إلى 24 مليار دولار فقط بنهاية سبتمبر الماضي بانخفاض قدره 12 مليار دولار، كما أن الاحتياطيات الدولية غير الرسمية قد تآكلت تمامًا بعد أن بلغت في سبتمبر 2010م ما قدره 10 مليارات دولار فانخفضت في ديسمبر الماضي إلى 7 مليارات دولار، ثم إلى 3 مليارات دولار في يناير الماضي، ثم تآكلت تمامًا بحلول شهر فبراير.

 

وبالتالي بات الوضع خطيرًا في ضوء أن هذه الاحتياطيات لا تغطي أكثر من 6 أشهر واردات سلعية، وفي ضوء انخفاض موارد النقد الأجنبي وتحقيق ميزان المدفوعات المصري لعجز قد يتجاوز الخمسة مليارات دولار نهاية العام المالي الحالي.

 

كما أن هناك تخوفات من أن تقوم شركات التصنيف الائتماني العالمية بتخفيض الجدارة الائتمانية (التصنيف الائتماني) للاقتصاد المصري وللبنوك المصرية مرة أخرى، وهو ما يجعل الاقتراض من السوق الخارجي أمرًا صعبًا قد تزيد معه مشكلة تآكل الاحتياطيات الدولية لمصر تعقيدًا.

 

وقال آدم إنه لتقديم العلاج الأمثل يتعين تحديد موطن الألم وأسباب المرض؛ حيث لا بد من التعرض للأسباب الفعلية لانخفاض الاحتياطيات الدولية لمصر حتى نستطيع الوقوف وبدقة على مقترحات الخروج السريع من هذا المأزق، فالواقع يؤكد أن الانخفاض في الموارد الدولارية ليس سببًا رئيسيًّا في انخفاض الاحتياطيات؛ وذلك لأن الزيادة في تحويلات المصريين في الخارج وكذا الثبات النسبي في عائدات المرور بقناة السويس تستعوض الانخفاضات التي حدثت على موارد قطاع السياحة وعلى صافي الاستثمارات الأجنبية، وبالتالي فيتبقى ناتج الميزان التجاري والذي حقق عجزًا في نهاية ديسمبر الماضي قدره 13.3 مليار دولار مقابل عجز بقيمة 11.9 مليار دولار عن نفس الفترة من العام السابق، ونظرًا لأن ثورة 25 يناير قد صاحبها إغلاق البنوك لفترة طويلة ثم بعد افتتاح البنوك كان هناك تباطؤ شديد منها في استيفاء متطلبات المستوردين من فتح اعتمادات مستندية ومستندات تحصيل استيراد، وهذا الوضع ستنشأ عنه تأثيرات إيجابية على عجز الميزان التجاري.

 

ويؤكد أحمد آدم أن السماح بزيادة استثمارات الأموال الساخنة بأذون الخزانة كان خطأ لا يغتفر للسلطات النقدية؛ لأنه حول جزءًا كبيرًا من الدين المحلي إلى دين خارجي بما له من تأثيرات سلبية على سيادة مصر، كما أنه يشكل قماشة عريضة للتآمر على الاقتصاد المصري، ويشكل أيضًا ضغطًا كبيرًا على سعر صرف الجنيه والاحتياطيات الدولية لمصر وهو ما حدث بالفعل.

 

كما أن هناك تساؤلات يجب أن يجيب عنها البنك المركزي وتتمثل في تلاشي الاحتياطيات غير الرسمية في شهر فبراير بعد أن كانت تبلغ 10 مليارات دولار في سبتمبر الماضي على الرغم من أن خروج الأجانب من الاستثمار بأذون الخزانة كان بمقدار 5 مليارات دولار (خلال الفترة من سبتمبر 2010 وحتى فبراير 2011) وتلاشي الاحتياطيات غير الرسمية كشف الاحتياطيات الدولية الرسمية لمصر، وجعل أي إنفاق للدولة بالعملة الأجنبية ينعكس سلبًا ومباشرة على الاحتياطيات الدولية لمصر.

 

كما شهدت الفترة الماضية هرولة كبار المفسدين وصغارهم بالإسراع في تحويل فوائضهم المالية خارج مصر، وهو ما وضح لنا جليًّا قبل ثورة 25 يناير، وانخفاض الاحتياطيات الرسمية وغير الرسمية وبواقع 18 مليار دولار وخلال فترة وجيزة تؤكد أن هناك أموالاً خرجت من مصر وضغطت على سعر صرف الجنيه، وهو ما أدى لتدخل البنك المركزي خلال شهري ديسمبر ويناير لضخ دولارات لوجود ارتفاعات كبيرة في سعر الدولار أمام الجنيه، وهو ما ظنه البنك المركزي مضاربة على الدولار بينما الواقع أنه طلب من المفسدين للخروج بأموال الفساد، وبالتالي فجزء من الاحتياطيات الدولية لمصر استخدم في خروج أموال الفساد وبأسعار جيدة لظن السلطات النقدية أن هناك مضاربة على الدولار.

 

ثالث أهم الأسباب هو سبب قد نصنفه على أنه سبب غير مباشر؛ حيث كانت هناك مؤشرات وأرقام غير دقيقة تعلن من قبل الحكومة السابقة والحزب الوطني المنحل وذلك لتلميع صورة جمال مبارك ودفعه دفعًا للتوريث ومن ضمن عمليات التجميل ذكر رقم الاحتياطيات الدولية لمصر كرقم مطلق بدون إقرانه بما يغطيه من أشهر واردات سلعية، فمثلاً أقصى رقم حققته هذه الاحتياطيات كان 36 مليار دولار في ديسمبر الماضي.

 

ولو أظهرنا الحقائق بدون تجميل من المحتمل أننا نكون قد نجحنا في مواجهة الأمر وأصلحنا من إدارة هذه الاحتياطيات.

 

وأكد محمد الشناوي، مدير العمليات المصرفية بأحد البنوك الأجنبية، أن معالجة نزيف الاحتياطي النقدي لدى البنك المركزي ضرورة حتمية وحيوية، بعد أن فقد هذا الاحتياطي أكثر من 30 بالمائة من قيمته خلال فترة وجيزة.

 

وأضاف أن استمرار الخلل في ميزان المدفوعات واتساع الفجوة بين الصادرات والواردات يهدد سلامة المركز المالي للاقتصاد المصري على المدى البعيد.

 

وقال الشناوي هناك طريقان لا ثالث لهما، وهما خفض فاتورة الواردات، وهو إجراء انكماشي قد يؤثر على حركة السوق والتوسع والنمو بصفة عامة، وهذا الإجراء ضرره أكبر من نفعه لا سيما في ظل الظروف الراهنة للاقتصاد المصري، والتي تحتاج لأي عوامل مساعدة على النمو.

 

وأضاف أن الإجراء الثاني هو زيادة الصادرات وزيادة حصيلة الموارد من النقد الأجنبي، وأكد أن هذا هو الطريق الوحيد أمام الاقتصاد المصري في اللحظة الراهنة للخروج من المأزق الذي يندفع إليه بسرعة شديدة بسبب النزيف المستمر للاحتياطي النقدي.

 

أما أحمد قورة رئيس البنك الوطني المصري السابق فيؤكد أهمية الدور الذي يجب أن يلعبه الجهاز المصرفي لمساندة إجراءات وسياسات البنك المركزي، الرامية للحفاظ على الاحتياطي النقدي عند معدلاته الراهنة.

 

مشيرًا إلى أن البنوك المصرية تملك الكثير من الأدوات التي يمكن أن تلجأ إليها للدفاع عن سعر الصرف أو التصدي للمضاربات التي قد تحدث من وقت لآخر، ومواجهة الطلب غير المبرر على اليورو والدولار، وبث المزيد من الطمأنينة في السوق عبر توفير المطلوب من النقد الأجنبي في توقيت مناسب للعملاء الجادين الذين يستخدمون هذه الأموال في قنوات معروفة سواء باستيراد سلع أو خامات لمصانعهم، وعدم تصدير الشعور بالأزمة لهؤلاء العملاء الجادين الذين قد يتجهون إلى السوق السوداء لتدبير هذه الاحتياجات، وبالتالي يسود نوع من الذعر في الأسواق يغذي المضاربات.

 

من جهته أكد الباحث يسري محمد عبد الرحمن- نائب المدير العام بالبنك المركزي المصري في رسالة ماجستير- أن الحد الآمن للاقتصاد المصري من الاحتياطيات النقدية من العملات لدى البنك المركزي يقدر بنحو 6ر23 مليار دولار، وتم تحديد الحجم الآمن للاحتياطيات الدولية للاقتصاد المصري وفقًا للصدمات التي تعرض لها الاقتصاد المصري على المستوى الداخلي والخارجي منذ بداية التسعينيات من القرن الماضي وحتى الآن، والتي أثرت على وضع ميزان المدفوعات وكذا حيازة مصر من الاحتياطيات الدولية.

 

ومن بين تلك الصدمات أزمة دول جنوب شرق آسيا التي أثرت بالسلب على ميزان المدفوعات المصري؛ حيث أدت إلى انخفاض الصادرات وزيادة الواردات، وبالتالي زيادة العجز في الميزان التجاري.

 

كما أثرت تلك الصدمة على وضع الاستثمار الأجنبي المباشر واستثمارات الحافظة في مصر؛ حيث أدت الأزمة إلى اهتزاز ثقة المستثمرين الأجانب في دول الأسواق الناشئة بصفة عامة.

 

كذلك تعرض الاقتصاد المصري إلى حادث شهير هو حادث الأقصر وضرب السياحة المصرية ضربة قوية احتاجت إلى وقت كبير لمحو آثار هذا الحادث، وكان التأثير واضحًا وسيئًا على الإيرادات السياحية.

 

ومن جهة موقف مصر من معايير وتحديد مدى كفاية الاحتياطيات الدولية... فمعيار عدد أشهر الواردات السلعية التي تغطيها الاحتياطيات الدولية والذي تحدده المعايير الدولية بستة أشهر واردات سلعية، نجد أن الاحتياطيات الدولية لمصر منذ عام 1990/1991 وحتى عام الحالي تغطيه هذه النسبة ولم تقل عنها بل في سنوات عديدة تجاوزت تلك النسبة بكثير ولتحديد الحجم الأمثل لحيازة الاحتياطيات الدولية لمصر (والذي تم تعريفه على أنه ذلك الحجم الذي يضمن المستوى الآمن والكافي من الاحتياطيات الدولية ويسهل الوصول إليه، ويكفي لتغطية المدفوعات الخارجية في الأجل القصير، ويمكن من خلاله مواجهة أي عجز طارئ في ميزان المدفوعات وتحقيق الاستقرار في سعر صرف العملة الوطنية والحفاظ على الثقة فيها) يجب الأخذ في الاعتبار تلك الصدمات والتي تعرض لها ميزان المدفوعات المصري خلال الفترة من 1990م وحتى الآن، وتطبيق أثر تلك الصدمات على البيانات الحالية لميزان المدفوعات.

 

(إجراء اختبارات التحمل) لمعرفة حجم الاحتياطيات الدولية الذي نحتاجه للحفاظ على وضع ميزان المدفوعات الحالي الذي حقق فائضًا (قبل أحداث يناير 2011م)، وبعد ذلك نضيف هذا الحجم إلى الالتزامات الخارجية قصيرة الأجل لنحصل على الحجم الآمن والكافي لحيازة مصر من الاحتياطيات الدولية.

 

ويؤكد يسري عبد الرحمن أن النتيجة من هذه الاختبارات هي أنه في حالة تعرض ميزان المدفوعات المصري لنفس الصدمات السابقة وبنفس الحدة (وهو أسوأ سيناريو يمكن أن يتعرض له ميزان المدفوعات)، فإنه للإبقاء على وضع الميزان كما هو يجب توافر حوالي 6ر20 مليار دولار، بالإضافة إلى الالتزامات الخارجية قصيرة الأجل، والتي تمَّ تقديرها بـ(3) مليارات دولار، نجد أن ما يحتاجه الاقتصاد المصري من الاحتياطيات الدولية الآمنة يساوي 6ر23 مليار دولار.