بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد..
نهدف من هذه المقالة أيها الإخوة إلى إشاعة روح التعاون والمرحمة بين العاملين في التيارات الإسلامية، والحديث عن أسباب النصر ودوامة بإذن الله.
أيها الإخوان، نريد أن نعمل في المرحلة القادمة وفق نظرية الأواني المستطرقة، والتي تعني أنه ليس بالضرورة أن تذوب جماعة في أخرى؛ بل نتمنى أن يكون بينها قنوات اتصال، وأن تكمل كل جماعة الأخرى؛ ليحدث التكامل والتعاون، فوجود الجماعات الإسلامية المتنوعة علامة صحة وليست علامة مرض، وهي في مجموعها تمثل الإسلام كله، ولكن الخطأ يقع حين تظن جماعة ما أنها هي وحدها الإسلام، وهي وحدها التي تحتكر الفهم الصحيح والعمل السديد.
وإني أحب دائمًا أن أشبه الجماعات الإسلامية بأصابع اليد الواحدة، كل أصبع له وظيفة، وهي في مجموعها تمثل الكف، ولكن المشكلة التي حدثت أن اليد التي تمسك بهذه الأصابع قطعت فتناثرت الأصابع وتفرقت، ونسي كل أصبع وظيفته، وظن أنه هو وحده اليد، وأن اليد التي تمسك بهذه الجماعات وتوظف كلاًّ في مكانه دون حدوث تنافر ولا خلاف ولا إنكار هي الدولة التي مرجعيتها الإسلام، والتي تهدف إلى أن تكون كلمة الله هي العليا، فعلينا أن نوحد جهودنا أيها الإخوة في هذا الاتجاه حتى نوجد اليد التي توحدنا، والتي يعمل في ظلها كل من يريد خدمة الإسلام بما يتوافق مع قناعاته الشخصية واستعداداته النفسية الفطرية، وكلٌّ ميسر لما خلق له.
ولا يخفى على كل مسلم بصير ما تعيشه أمة الإسلام من شتات وفرقة، واختلافات أوجبت عداوة وشقاق، إذ تجاذبت أهلها الأهواء، وتشعبت بهم البدع، وتفرقت بهم السبل، فلا عجب أن تراهم بين خصومة مذهبية، وحزبية فكرية، وتبعية غربية أو شرقية.. والنتيجة يخبر عنها قول المولى عز وجل: (وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) (الأنفال: من الآية 46).
وإذا كان المسلمون اليوم يلتمسون الخروج من هذا المأزق فلا سبيل إلا بالاعتصام بحبل الله المتين وصراطه المستقيم، مجتمعين غير متفرقين، متعاضدين غير مختلفين.
ويكون ذلك بتوحيد الهدف والغاية مع حسن النية وسلامة القصد، واليقين بأن الاختلاف المحمود وارد، وأنه قدر من أقدار الله، ويجب احترام أقدار الله، قال ابن القيم رحمه الله: "ووقوع الاختلاف بين الناس أمر ضروري لا بد منه لتفاوت إرادتهم وأفهامهم وقوى إدراكهم، ولكن المذموم بغي بعضهم على بعض وعدوانه، وإلا فإذا كان الاختلاف على وجه لا يؤدي إلى التباين والتحزب وكل من المختلفين قصده طاعة الله ورسوله لم يضر ذلك الاختلاف فإنه أمر لا بد منه في النشأة الإنسانية، ولكن إذا كان الأصل واحدًا والغاية المطلوبة واحدة والطريق المسلوكة واحدة لم يكد يقع اختلاف، وإن وقع كان اختلافًا لا يضر كما تقدم من اختلاف الصحابة، فإن الأصل الذي بنوا عليه واحد وهو كتاب الله وسنة رسوله، والقصد واحد وهو طاعة الله ورسوله، والطريق واحد وهو النظر في أدلة القرآن والسنة وتقديمها على كل قول ورأي وقياس وذوق وسياسة" (الصواعق المرسلة 2/519)
وكان النبي يقول في دعائه: "اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم".
فمن هداه الله سبحانه إلى الأخذ بالحق حيث كان ومع من كان، ولو كان مع من يبغضه ويعاديه، وردَّ الباطل مع من كان ولو كان مع من يحبه ويواليه فهو ممن هدي لما اختلف فيه من الحق، فهذا أعلم الناس وأهداهم سبيلاً وأقومهم قيلاً، وأهل هذا المسلك إذا اختلفوا فاختلافهم اختلاف رحمة وهدى يقر بعضهم بعضًا عليه ويواليه ويناصره، وهو داخل في باب التعاون والتناظر الذي لا يستغني عنه الناس في أمور دينهم ودنياهم، بالتناظر والتشاور وإعمالهم الرأي وإجالتهم الفكر في الأسباب الموصلة إلى درك الصواب فيأتي كل منهم بما قدحه من زناد فكره وأدركته قوة بصيرته، فإذا قوبل بين الآراء المختلفة والأقاويل المتباينة وعرضت على الحاكم الذي لا يجور وهو كتاب الله وسنة رسوله، وتجرد الناظر عن التعصب والحمية، واستفرغ وسعه وقصد طاعة الله ورسوله فقلَّ أن يخفى عليه الصواب من تلك الأقوال، وما هو أقرب إليه، والخطأ، وما هو أقرب إليه، فإن الأقوال المختلفة لا تخرج عن الصواب، وما هو أقرب إليه، والخطأ، وما هو أقرب إليه، ومراتب القرب والبعد متفاوتة، وهذا النوع من الاختلاف لا يوجب معاداة ولا افتراقًا في الكلمة ولا تبديدًا للشمل، فإن الصحابة رضي الله عنهم اختلفوا في مسائل كثيرة من مسائل الفروع كالجد مع الإخوة، وعتق أم الولد بموت سيدها، ووقوع الطلقات الثلاثة بكلمة واحدة، وفي الخلية والبرية والبتة، وفي بعض مسائل الربا، وفي بعض نواقص الوضوء وموجبات الغسل، وبعض مسائل الفرائض وغيرها، فلم ينصب بعضهم لبعض عداوة، ولا قطع بينه وبينه عصمة، بل كان كل منهم يجتهد في نصر قوله بأقصى ما يقدر عليه، ثم يرجعون بعد المناظرة إلى الألفة والمحبة والمصافاة والموالاة، من غير أن يضمر بعضهم لبعض ضغنًا، ولا ينطوي له على معتبة ولا ذم، بل يدل المستفتي عليه مع مخالفته له، ويشهد له بأنه خير منه وأعلم منه، فهذا الاختلاف أصحابه بين الأجرين والأجر، وكل منهم مطيع لله بحسب نيته واجتهاده وتحريه الحق" (الصواعق المرسلة لابن القيم 2/214-218).
فلو نظرت إلى هذا النوع من الاختلاف الذي حمده الشاطبي وابن القيم وغيرهم من أهل العلم وجدت الحمد منصبًّا على اتفاق المختلفين في مراعاتهم قصد الشارع وطلبهم لمراده واتباعهم الدليل الذي ظهر منهم، ومن هذه الجهة جاء مدح مثل هؤلاء المختلفين... وإلى اللقاء.
وحيث إن الخلاف في وجهات النظر لا بد منه، وحيث إنه لا بد لكل شخص أن يدافع عن وجهة نظره، فلا بد له من أن يعرض وجهة نظره وينافح عنها بشرطين:
1- أدب جم.
2- ودليل واضح.
وأن يلتمس لمخالفه العذر كما فعلت عائشة رضي الله عنها كما في القصة التالية:
حدَّث ابن عباس عائشةَ بحديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه"، أنكرت ذلك وقالت: "إنكم لتحدثوني عن غير كاذبين ولا مكذبين، ولكن السمع يخطئ، يرحم الله عمر، لا والله ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم قط، إن الميت يعذب ببكاء أحد، ولكنه قال: "إن الكافر يزيده الله ببكاء أهله عذابًا، وإن الله لهو (أَضْحَكَ وَأَبْكَى)، (وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى)، فظنت عائشة رضي الله عنها أن هذا النص يخالف ما ثبت عندها من كلامه صلى الله عليه وسلم؛ بل يخالف مقتضى القرآن الكريم. (فتح الباري شرح صحيح البخاري.(
ومع ذلك انظر كيف وصفت المحدث والناقل بعدم الكذب، والتمست لهما العذر باحتمال خطأ السمع.
والأهم من ذلك عدم اتهام النيات، فلربما كان المخالف لك أقرب إلى الله منك، وتأمل معي القصة التالية:
كان معاذ يصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم العشاء ثم يرجع وفيصلي بأصحابه، فرجع ذات ليلة فصلى بهم وصلى خلفه فتى من قومه، فلما أطال معاذ انصرف الفتى وصلى وحده في ناحية المسجد، فعلم معاذ بهذا فقال: إن هذا به لنفاق، لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذي صنع، وقال الفتى وأنا لأخبرن رسول الله بالذي صنع، فغدوا على رسول الله... فقال الفتى يا رسول الله يطيل المكث عندك ثم يرجع فيطيل علينا.. ثم قال الفتى وسيعلم معاذ إذا قدم العدو ماذا أصنع... ثم قدم العدو فقاتل الفتى حتى استشهد، فقال رسول الله لمعاذ: "انظر ما فعل خصمي وخصمك؟" قال معاذ: يا رسول الله صدق الله وكذبت، استشهد. (رواه ابن خزيمة في صحيحه).
فلنتعاون جميعًا يا إخواني فيما اتفقنا عليه ويلتمس بعضنا لبعض العذر فيما اختلفنا فيه، ولا يدعي أحد لنفسه احتكار الصواب المطلق، ولا يتهم مخالفه بالجهل المطبق، فلربما كان الصواب في الجهة الأخرى.
ولا ينفي أحدنا عن مخالفة كل فضيلة بل يثبت له فضله وسبقه بين يدي مخالفته له كما فعل الليث بن سعد في رسالته التي أرسلها للإمام مالك ليناقشه في مخالفاته مع ربيعة بن أبي عبد الرحمن المشهور بربيعة الرأي حيث قال عنه: "ومع ذلك بحمد الله عند ربيعة خير كثير وعقل أصيل ولسان بليغ وفضل مستبين وطريقة حسنة في الإسلام ومودة لإخوانه عامة ولنا خاصة رحمه الله وغفر له وجزاه بأحسن من عمله" (إعلام الموقعين لابن القيم 3/96).
كذلك ويجب علينا إذا حدث نوع من التخالف الحاد الاتصاف بصفات الرجولة والفتوة التي ذكرها ابن القيم في مدارجه حين قال: والفتوة في ثلاث: عدم المخاصمة، والتغافل عن الذلة، ونسيان الأذية.
وليكن تعاوننا حقيقيًّا وتحابنا صافيًا لئلا يصيبنا ما حذرنا منه الحسن رضي الله عنه حين قال: "إذا أظهر الناس العلم وضيعوا العمل وتحابوا بالألسن وتباغضوا بالقلوب لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم".
وإلى اللقاء في تكملة لهذه المقالة.
ولنعلم أن الانجرار إلى الخلافات الفرعية والتشاحن سبب من أسباب الهزيمة الأدبية والمعنوية، قال ابن القيم رحمه الله: "وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن هلاك الأمم من قبلنا إنما كان باختلافهم على أنبيائهم، وقال أبو الدرداء وأنس وواثلة بن الأسقع خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نتنازع في شيء من الدين فغضب غضبًا شديدًا لم يغضب مثله قال ثم انتهرنا قال يا أمة محمد لا تهيجوا على أنفسكم وهج النار ثم قال أبهذا أمرتم أو ليس عن هذا نهيتم إنما هلك من كان قبلكم بهذا، وقال عمرو بن شعيب عن أبيه عن ابني العاص أنهما قالا جلسنا مجلسًا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنه أشد اغتباطًا فإذا رجال عند حجرة عائشة يتراجعون في القدر فلما رأيناهم اعتزلناهم ورسول الله صلى الله عليه وسلم خلف الحجرة يسمع كلامهم فخرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مغضبًا يعرف في وجهه الغضب، حتى وقف عليهم وقال: "يا قوم بهذا ضلت الأمم قبلكم باختلافهم على أنبيائهم وضربهم الكتاب بعضه ببعض، وإن القرآن لم ينزل لتضربوا بعضه ببعض، ولكن نزل القرآن يصدق بعضه بعضًا، ما عرفتم منه فاعملوا به وما تشابه فآمنوا به" ثم التفت فرآني أنا وأخي جالسين فغبطنا أنفسنا أن لا يكون رآنا معهم، قال البخاري: رأيت أحمد بن حنبل وعلي ابن عبد الله والحميدي وإسحاق بن إبراهيم يحتجون بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وقال أحمد بن صالح أجمع آل عبد الله على أنها صحيفة عبد الله".
روى البخاري وغيره عن عبادة بن الصامت: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج يخبر بليلة القدر فتلاحى رجلان من المسلمين فقال: "إني خرجت لأخبركم بليلة القدر وإنه تلاحى فلان وفلان فرفعت" الحديث.
قال النووي: "وفيه أن المخاصمة والمنازعة مذمومة وأنها سبب للعقوبة المعنوية"، وقال ابن حجر: "قوله (فتلاحى( بفتح الحاء المهملة مشتق من التلاحي بكسرها وهو التنازع والمخاصمة... قال القاضي عياض: فيه دليل على أن المخاصمة مذمومة، وأنها سبب في العقوبة المعنوية أي الحرمان".
واعلموا أن وحدتنا من أهم أسباب نصرنا، وقد أدرك أعداء الإسلام من النصارى واليهود هذه الحقيقة، فكانت الخطوة الأولى التي قاموا بها من أجل السيطرة على بلاد الإسلام وجعلها تابعة ذليلة هي العمل على تفكيك وحدتهم، ومن بعض أقوالهم في ذلك ما يلي:
1- ويقول أرنولد توينبي في كتابه الإسلام والغرب والمستقبل:
إن الوحدة الإسلامية نائمة، لكن يجب أن نضع في حسابنا أن النائم قد يستيقظ.
2- وقد فرح غابرائيل هانوتو وزير خارجية فرنسا حينما انحل رباط تونس الشديد بالبلاد الإسلامية، وتفلتت روابطه مع مكة، ومع ماضيه الإسلامي، حين فرض عليه الفرنسيون فصل السلطة الدينية عن السلطة السياسية.
3- من أخطر ما نذكره من أخبار حول هذه النقطة هو ما يلي: في سنة 1907 عقد مؤتمر أوروبي كبير، ضم أضخم نخبة من المفكرين والسياسيين الأوروبيين برئاسة وزير خارجية بريطانيا الذي قال في خطاب الافتتاح: إن الحضارة الأوروبية مهددة بالانحلال والفناء، والواجب يقضي علينا أن نبحث في هذا المؤتمر عن وسيلة فعالة تحول دون انهيار حضارتنا، واستمر المؤتمر شهرًا من الدراسة والنقاش، واستعرض المؤتمرون الأخطار الخارجية التي يمكن أن تقضي على الحضارة الغربية الآفلة، فوجدوا أن المسلمين هم أعظم خطر يهدد أوروبا، فقرر المؤتمرون وضع خطة تقضي ببذل جهودهم كلها لمنع إيجاد أي اتحاد أو اتفاق بين دول الشرق الأوسط؛ لأن الشرق الأوسط المسلم المتحد يشكل الخطر الوحيد على مستقبل أوروبا، وأخيرًا قرروا إنشاء قومية غربية معادية للعرب والمسلمين شرقي قناة السويس، ليبقى العرب متفرقين، ولذلك أرست بريطانيا أسس التعاون والتحالف مع الصهيونية العالمية التي كانت تدعو إلى إنشاء دولة يهودية في فلسطين.
أسال الله أن يجمعنا على الخير في الدنيا وعلى سرر متقابلين في الآخرة.