كم يهون عليك الصبر حين تتفكَّر في جرأة العباد على ربهم، ثم في كرم الله معهم!!.. قال عبد الله بن قيس، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما أحد أصبر على أذى يسمعه من الله تعالى.. إنهم يجعلون له ندًّا ويجعلون له ولدًا وهو مع ذلك يرزقهم ويعافيهم ويعطيهم"، ويقول الأديب الشهيد سيد قطب، رحمة الله عليه: "وإذا كان الباطل يصر ويصبر ويمضي في الطريق، فما أجدر الحق أن يكون أشدَّ إصرارًا وأعظم صبرًا على المضيِّ في الطريق".
إن الذين عاشوا حياة الصابرين ذاقوا لذتها، وقطفوا ثمرتها، وتركت المواقف الصابرة أثرها في حياتهم.. قال عمر رضي الله عنه "وجدنا خير عيشنا بالصبر"، وقد تعجب رســول الله صلى الله عليه وسلم من الخيرية التي تعمُّ حياة الصابرين وقال: "عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابته سرَّاء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضرَّاء صبر فكان خيرًا له" (رواه مسلم).
فالمؤمن يعلم أن دنياه مهما طالت فهي قصيرة، ومهما عظمت فهي حقيرة.. يقــول علي رضي الله عنه: "الدنيا دار صدق لمن صدقها، ودار نجاة لمن فهم عنها، ودار غنى لمن تزوَّد منها؛ فهي مصلي أنبياء الله، ومتجر أولياء الله، ربحوا فيها الرحمــة، واكتسبوا فيها الجنة".
ولان المؤمن إلفٌ مألوفٌ فلا بد أن يتزوَّد بالصبر على أخطاء الناس ليتمكن من مخالطتهم، ومن إصلاح أحوالهم، وفي ذلك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أعظم أجرًا من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم".
فما أحوجنا أن نصبر على شهوات الناس ونقصهم وضعفهم وسوء تصورهم وانحراف طباعهم وأثرتهم وغرورهم والتوائهم واستعجالهم للثمار!!.
ما أحوجنا أن نصبر على انتفاش الشر وغلبة الشهوة وقلة الناصر وضعف المعين وطول الطريق ووساوس الشيطان في ساعات الضيق والكرب، وما تثيره في النفس من انفعالات متنوعة من آلام، والغيظ والضيق والملل والسأم واليأس والقنوط!!.
ما أحوجنا إلى ضبط النفس في ساعات القدرة والانتصار والغلبة, واستقبال الرخاء فى تواضع وشكر.. (يَا أيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنوا اصْبِروا وصَابِرُوا وَرَابِطُوا واتقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفلِحُونَ) (آل عمران: 200).
-------
* مدير مركز "الرحاب" للاستشارات الأسرية والتربوية والنفسية.