منذ أيام مات أنيس منصور وسقط حائط رابع جديد لمن عاشوا في حياتي ولم ألقهم كفاحًا أبدًا.. طبعًا حزين عليه؛ لأن جزءًا من سنواتي قد اختفى.. لقد انتهى العمر وذهب الرجل الذي أسهم في ذكريات صباي وخلق عالمًا من الخيال عشناه في كتاباته.. وشاركناه معاني ومشاعر.. وعاشرناه طرائف وأحاسيس.
"الأهرام" بعد عدة أيام سيخرج دون عموده اليومي "مواقف".. هذه الأيام ينشر بقايا مقالات كان قد أرسلها كرصيد لقابل الأيام.. وهو لا يعرف أنها كلمات مودع.. كانت رسالته الموجزة في عموده اليومي تشكِّل السهل الممتنع.. كان ينثر أعمق الأفكار الفلسفية في لغة طفولية جزلة وثابة، ويلبس النظريات الجامدة الرصينة ملابس المهرج في سيرك تموج به الحياة.
شئنا أم أبينا سوف يجد كل منا بعضًا من نفسه فيما كتب أنيس منصور؛ لأنه تقريبًا قد كتب في كل شيء من حولنا.
لقد فكرت كثيرًا.. ما سر حزني لموته وكلنا سيموت وأنيس منصور الإنسان لم ألقه يومًا أو تحدثت إليه بكلمة؟!
سأشرح حقيقة ما يجول بخاطري بدقة ما استطعت.. هب مثلاً أن الإعلامية الشهيرة منى الشاذلي قد استضافت في برنامج "العاشرة مساءً" كلاًّ من الدكتور أحمد زويل، الحاصل على جائزة نوبل في الكيمياء الفيزيقية، ومعه ضيف آخر هو المطرب الشعبي شعبان عبد الرحيم.. انظر إلى الرجلين.. دقِّق النظر ثم قل لي: ما الفرق بينهما؟ لا شك أن البنيان الجسماني ليس هو الفرق الذي ستقيِّم به الرجلين؛ فشعبان عبد الرحيم (جثة ضخمة غليظة) وزويل بنيان وسط في كل شيء.. نظرة الناس لزويل مختلفة.. لماذا؟ هم يرونه الأكثر ذكاءً.. تفوقًا.. قيمةً.. كل واحد يتمنَّى أن يري ولده أحمد زويل وليس شعبان عبد الرحيم (مع كامل الاحترام له كإنسان)، الفرق بينهما- من وجهة نظري- في أمرين، وهما أخطر ما يميز شخص عن آخر.. هذا الفرق هو الذي يحدد القيمة التي أقصدها.
الأول: جملة الخبرات التراكمية والمعلومات وأشكال الثقافة التي في جعبة زويل والتي يمكن أن تستخدم لنفع قطاع كبير من الناس (هناك خبرات قد ينفرد بها شعبان عبد الرحيم يدويًّا.. مكوجي جيد مثلاً.. معنويًّا.. تحكم في صوته للتطريب مثلاً)، ولكن هذه الخبرات التراكمية تأثيرها وقدرتها على تغيير الناس أو إفادتهم لا تقارن بما يملكه زويل صاحب الفيمتو ثانية وكاميرا الليزر وهنا تكمن القيمة الأولى.
الثاني: التفاعلية أو المعالجة.. ومعذرة سأشرحها بكلمة إنجليزية (processing) هذه الكلمة تستخدم في جهاز الكمبيوتر، وتعني إدخال بيانات فتتم معالجتها حتى تعطي لنا مخرجات ونتائج.. ما يحدث في عقل زويل وعقل شعبان عبد الرحيم هو معالجة للبيانات ثم الاستدلال والنتيجة.
الخلاصة: الفرق بين الرجلين (في تقدير القيمة عند الناس) هو كم المعلومات والخبرات التراكمية ثم القدرة على المعالجة والتحليل واستنباط الأدلة واستخراج النتائج.. فكر في هذا الأمر وأنت تضع سليم العوا وسعد الصغير على طاولة للحوار، أو عندما يدخل مجدي يعقوب والممثل محمد سعد الشهير باللمبي حجرة عمليات للقلب المفتوح.. هل وضحت الفكرة؟!
مع ملاحظة أن كل إنسان مهما صغر شأنه أو هانت مكانته فقد أعطاه الله خبرةً يتفرد بها عن الآخرين حتى يحفظ الله للبشر (توازن الاحتياج المتبادل).. فربما عجز زويل أن يغير جلدة حنفية يقوم بها سباك متواضع الصنعة، وبالطبع سيفشل مجدي يعقوب، عبقري جراحات القلب والصدر، أن يسدد كرة برأسه المليء بالعلم وتقنيات الجراحة بنفس قوة رأس حسام حسن خاوي الوفاض خالي الذهن.. وهكذا تتوازن الحياة.
ولهذا السبب حزنت على أنيس منصور؛ فأنا- ومعي الكثير- قد تشكَّل ما عندنا من مخزون معلوماتيٍّ وخبرات ومفاهيم عن الكون والحياة بما قرأناه لهذا الكاتب أو ذاك، ولا شك أن له في رأس كل منا خاطرة أو فكرة أو حتى طرفة قصَّها وهو يطوف حول العالم في 200 يوم، أو وهو يداعب خيالنا بقصصه المرعبة في أرواح وأشباح، أو عندما يدير رءوسنا بحوارات ومشاغبات، وهو يجالس الأدباء في صالون العقاد.
عندما يستمر الرجل في الكتابة ستين سنة وأنت يوميًّا تطالع عموده "مواقف" لا شك أنه يترك في ركن ما منك بصمة أو أثرًا.. من أنت؟ ما أنت أو أنا إلا تتالي البصمات والآثار المتراكمة ممن حولنا في قصيدة شاعر أو خطبة زعيم أو عظة شيخ أو توبيخ أب أو همسة حبيب أو بسمة صديق.
ما أنت ولا أنا إلا جماع هذا كله.. هذه التراكمات الحياتية هي التي تجعل من بعضنا زويل ومن بعضنا شعبان عبد الرحيم.. ولذلك فقد حزنت على أنيس منصور فيلسوف الصحافة، وكمال الشناوي فتى الشاشة والشيخ كشك فارس المنابر، وفؤاد المهندس الكوميديان البسيط، ومصطفى محمود راهب الفكر.. لقد كانوا يسيرون معًا في طريق الحياة، فإذا مات بعضهم فقد اقتطعوا جزءًا منا كذلك.. الله يرحمك يا عم أنيس ويغفر لمن فرط منا أيضًا!.