أرجو ألا أُمِلَّ القراء بمزيدٍ من الحديث عن حكايتي مع الإخوان المسلمين، لكن ما يشفع لي أن كِبر السن جعلني أنسى ذكر بعض الجوانب، فاقتضت أمانة "الشهادة التاريخية" أن أُثقل على القراء مرة أخرى ببعض ما سقط- سهوًا- من هذه الشهادة.
ففي عام 1954، عندما بدأت الحرب الضارية من ثوار يوليو على الإخوان المسلمين، كنت قد أصبحت طالبًا في الثانوية العامة بمدرسة الثانوية النهارية بالفجالة، وكان قلبي يتمزق مما أسمعه من حكايات الاعتقال، وما يصحبها من معاملات، لو اطلع عليها المسئولون عن جمعيات الرفق بالحيوان، لاحتجوا على قسوتها، فضلاً عما كان يذاع عن محاكمات يذاع نصها الكامل بالإذاعة؛ حيث لم يكن هناك تليفزيون، وكانت محاكمات عجيبة، لا تخرج عن كونها مسرحيات هابطة من عالم اللامعقول. وكان رئيس المحكمة هو أسوأ أعضاء مجلس قيادة الثورة، "جمال سالم"، والذي عُرف عنه انفلاتاته العملية واللسانية، إلى درجة توحي وكأن به مسًّا من الجنون، فمارس هذه الانفلاتات في المحاكمة، لعل أبرزها، أن طلب من أحد قادة الإخوان المحاكَمين أن يقرأ فاتحة القرآن الكريم "بالمقلوب".
وعلى الرغم من أن مثلي لم يكن بيده أن يفعل شيئًا، في هذه المرحلة، لكن تفكيري الصغير المتواضع هداني إلى أن أكتب "صحيفة حائط" بالمدرسة، وكنت قد قرأت في سلسلة كتاب اليوم، التي تصدر عن أخبار اليوم مسرحية، لا أدري لماذا هي غير شائعة ولا معروفة لتوفيق الحكيم، عنوانها (محمد) صلى الله عليه وسلم، فاقتطفت مشهدًا من مشاهدها يصور ما كان يلقاه آل ياسر من تعذيب يفوق طاقة البشر على تحمله، وعنونت المشهد المنشور بالعبارة النبوية الشهيرة (صبرًا آل ياسر!!)، وأنا أقصد التلميح إلى ما يحدث للإخوان مشابهًا لذلك.
لكن أحد التلاميذ "الأشقياء"، أسرّ لي أن هذا يمكن أن يلحق بي الأذى الشديد، لأن به إسقاطًا واضحًا، والبلد كلها تعيش مناخ إرهاب سلطة عنيف وقاسٍ.
وكان من جرَّاء ذلك أن تركت المدرسة، عقب انتهاء عطلة نصف السنة، في أوائل فبراير 1955، قابعًا في منزلنا، واضطررت إلى التقدم إلى امتحان الثانوية العامة "من المنازل"، وأن أعتمد على نفسي في فهم ومذاكرة جميع الدروس في كل المواد المقررة.
وعند شن الحرب للمرة الثانية عام 1965، كان مما قيل وقتها أن لسيد قطب كتابًا يعتبر دستور حركة العنف المسلح الذي زعموه للإخوان في هذه المرة، وهو كتاب (معالم في الطريق)، ولم أكن قد رأيته مع الأسف الشديد، فاشتدت رغبتي في قراءته، فكيف يتحقق لي ذلك، وقد تمت مصادرته، وهناك خطر داهم ينتظر مَن يُضبط حاملاً له، خاصةً أن الشرطة العسكرية هي التي أصبحت مسئولةً عن هذا الملف، بما يعني التغاضي كاملاً عن كل ما هو مسطور بكتب حقوق الإنسان والقانون عامة.
انتهزت فرصة تعرفي على أحد طلاب الدبلوم الخاص بتربية عين شمس النابهين، الذي لمست لديه خلقًا طيبًا وتدينًا فعالاً، وهو الآن الدكتور عبد الرحمن النقيب، أستاذ أصول التربية بتربية المنصورة، وكنت آنس له وآمن، فحدثته عما أرجوه، فتعهد لي بإحضار نسخة، ولو رآنا أحد من أيامنا الحالية لتصور وكأننا كنا بصدد عملية تهريب مخدرات، مثلاً، أي شيء من المسروقات!
فقد تواعدنا على التقابل العارض السريع في أحد شوارع "الزيتون"، حيث كنت أسكن في ذلك الوقت، وسلمني لفافة من ورق الجرائد، بداخلها الكتاب، الذي التهمته التهامًا، وفق طقوس سرية للغاية، حتى عن أسرتي، وأرجعته له بالطريقة نفسها!!
وفي العام الدراسي 80/1981، كنت أُدَرّس التربية الإسلامية لطلاب الدبلوم الخاص بتربية الأزهر، وكان جو "مصالحة" يشيع في مصر بين السلطة الحاكمة والإخوان، فانتهزت الفرصة وطلبت من الطلاب، عمل بحث في أحد موضوعات اقترحتها عليهم، كان أحدها (دور جماعة الإخوان المسلمين في تكوين الشخصية المسلمة)، خاصةً وقد لاحظت أن للإخوان طريقة خاصة في تربية المسلم، وتركيزهم على الجوانب العملية في التنشئة والتربية أكثر مما نجده عند غيرهم من إغراق في التنظير والتفلسف.
وأعجبت الفكرة أحد معيدي الكلية (أحمد ربيع) فسألني إن كان بالإمكان جعلها موضوعًا لرسالته للماجستير، فرحبتُ بذلك وشجعته عليه، وشاركت عميد الكلية الراحل الدكتور محمد سيف الدين فهمي، الإشراف، وتم إنجازها بالفعل.
لكنني كنت غير مستريح للمحصلة العامة، وذلك نظرًا لعدم تنفيذ الباحث لنصيحة نصحتها إياه، حيث طالبته بأن يتصل بمَن يمكن الاتصال به من القيادات الإخوانية التاريخية، الذين على قيد الحياة، حيث أعتبر هذا مصدرًا للتأريخ غاية في القوة، حيث لا تشهد الكتب، كل ما حدث، ولا تفاصيله، ويعضد من هذا ما أشرت إليه من النهج التطبيقي للتربية لدى الإخوان، مما قد لا نجده مدونًا مفصلاً في الكتب.
وقد تلكأ الباحث في إجراء المقابلات المطلوبة، إلى أن حدثت اعتقالات سبتمبر 1981، وما تلاها من أحداث دامية، فخشي الشاب أن ينفذ فكرة المقابلات وتسجيل شهادات القيادات، فيوضع في دائرة الشبهات! وما زلت أحلم بمن يقوم بمثل هذا الجهد، حيث تفتقد المعرفة التربوية لدينا صفحات كثيرة عن الجهد التربوي والتعليمي للإخوان.
وعندما بدأت أنظم ندوات شهرية برابطة التربية الحديثة بالقاهرة، بدءًا من عام 1984، كان محور سلسلة الندوات الأولى هو (رؤية الأحزاب للتعليم وفكرها التربوي)، واستضفنا من يمثل حزب السلطة، وحزب التجمع، (الراحل الدكتور عبد العظيم أنيس)، وجاءنا مؤسس حزب الأحرار، الراحل مصطفى كامل مراد، وكان لا بد أن يكون على رأس من دعوتهم: الراحل الكريم "عمر التلمساني"، فلما جاءنا متحدثًا في الرابطة، لا أنسى تأكيده على الفكرة التي كنت أعتقد في صحتها، حيث قال إن الإخوان لم "تؤلف" فكرًا تربويًّا، لأن هذا الفكر موجود بالفعل في القرآن الكريم والسنة النبوية، وأن جهد الجماعة، يتركز في كيفية الترجمة السلوكية العملية لهذه التوجيهات القرآنية والنبوية في تنشئة المسلم وتربيته.. في سلوكه وممارساته، في ثقافته وأفكاره، وتفاعلاته مع غيره من الناس.
وفي عام 1997 سعدت بدعوة لإلقاء محاضرة عامة على هامش مؤتمر عقدته كلية التربية بجامعة السلطان قابوس بسلطنة عمان، وكان موضوعها عن التربية الإسلامية وتحديات القرن الحادي والعشرين، وعقب هذه المحاضرة العامة، أسعدتني الظروف بالتعرف على هذه الشخصية النادرة (الدكتور صلاح سلطان)، حيث كان معارًا، ووجدته معجبًا أشد الإعجاب بما سمعه مني في المحاضرة، وأسبغ عليّ أمام كثيرين في مناسبات متعددة من الأوصاف المادحة، ما أخجلني، وأراد أن يعبر عن جهده في مكافأتي على هذا الجهد المتواضع، فإذا به يتصل بمن يعرفهم في نيويورك بالولايات المتحدة الأمريكية لدعوتي للمعاونة في تطوير مدرسة عربية إسلامية هناك، مع الدكتور علي مدكور، الذي كان عميدًا لمعهد الدراسات التربوية بجامعة القاهرة.
وتكررت تلك مهمة أكثر من مرة، حيث كان الدكتور صلاح قد انتقل إلى أمريكا، وبدأ في تنفيذ مشروع كبير لإنشاء جامعة أمريكية إسلامية مفتوحة هناك، رأس مجلس أمنائها الدكتور يوسف القرضاوي.
ولم يكن صعبًا أن ألحظ أن الكثرة الغالبة من الشخصيات العربية والمصرية المسلمة هناك هم ممن يتبنون فكر ونهج الإخوان المسلمين.
وضعنا الخطوط العامة لمشروع برامج الجامعة، وكان معنا الدكتور رشدي طعيمة، في مدينة كانساس بولاية كانساس لمدة عشرة أيام. وأقول بغير مجاملة ولا غلو، إن من التقيتهم من مهاجرين مسلمين، أحاطوا بصلاح، وكأنهم ملائكة يمشون على الأرض، من فرط أدبهم وعلو كعبهم الأخلاقي، وفي الوقت نفسه، كانوا بارزين وناجحين للغاية في أعمالهم المتعددة التخصصات، كذلك انخراطهم في أنشطة تطوعية متعددة ضخمة لخدمة الإسلام والمسلمين.
وكانت أفضل الزيارات حقًّا تلك الزيارة الطويلة،عندما دعانا الدكتور صلاح أنا وزوجتي الدكتورة زينب حسن، الأستاذة ببنات عين شمس، للتدريس بالجامعة الأمريكية الإسلامية المفتوحة التي كانت قد بدأت العمل بالفعل، لكن، في مدينة "ديترويت" بولاية ميتشجان، حيث كانت المدة شهرًا كاملاً عام 2001، كانت من أسعد أيام العمر، لا لمتع دنيوية بقدر ما ملأتني تفاؤلاً بقرب نهوض إسلامي، ولمست كم كان الأمريكيون يقبلون على الدخول في الإسلام على يد هذه الكوكبة الرائعة من العاملين مع صلاح، ومن يعرفهم في قطاعات مختلفة، إلى الدرجة التي كتبت فيها مقالاً في مصر بعنوان (شروق من الغرب)، قاصدًا بذلك ما تصورته، أن النهضة الإسلامية سوف تأتينا من الولايات المتحدة، من فرط ما لمسته من نجاح للمسلمين هناك.
ولم أكن أعرف بطبيعة الحال ما خبأته الأيام بعد عودتنا في يونيو 2001 من كارثة سبتمبر 2001 التي سيذكر التاريخ، أن مصيبة لم تصبنا بأضرار مثل ما أصابتنا به هذه الكارثة، إلى الدرجة التي ما زلت فيها على اعتقاد، بأنه من غير المعقول أن يفعلها مسلم، وحتى لو جاء التنفيذ بالفعل على يد مسلمين، فلا أستبعد أنهم استُدرجوا من قِبل قوى أخرى فزعت مما لمسناه من انتشارٍ للإسلام في الديار الغربية، وخاصةً في عقر دار زعيمة العالم الغربي، الولايات المتحدة الأمريكية، فسعت إلى تعويق هذا.