في زمن ما قبل 1952م، أراد رئيس للوزراء التوصية على أحد أقاربه من طلاب كلية دار العلوم، ونقل بعضهم هذه الرغبة إلى أستاذ من أساتذة الكلية، وكان شيخًا معممًا..

 

كانت التوصية في وقت الامتحانات وتصحيح الإجابات، فطلب الأستاذ الشيخ ورقة إجابة الطالب المعنيِّ بالتوصية، واستخدم قلمه الأحمر في تخفيض درجة الطالب درجة واحدة..

 

كانت هذه الدرجة منحة من الأستاذ الشيخ لكل الطلاب، فقد كان يصحِّح الأوراق بدقة متناهية، ويضيف إلى كل طالب درجة إضافية فوق الدرجة التي يستحقها خوفًا من أن يكون الأستاذ الشيخ قد قصَّر في التصحيح ونسي جزئية يستحق الطالب عليها درجة.

 

بلغ الأمر رئيس الوزراء، فما كان منه إلا أن رفع سماعة الهاتف واتصل بالكلية وطلب محادثة الأستاذ، وفوجئ الأستاذ برئيس الوزراء يعتذر إليه، ويخبره أنه لم يكن يقصد تمييز قريبه على غيره من الطلاب، وأنه كان يريد الرعاية الأبوية للطالب الذي كانت له ظروف معينة، وكان رئيس الوزراء يمنحه اهتمامًا إنسانيًّا خاصًّا، وكان رد الأستاذ الشيخ أنه قد أعطى الطالب ما يستحق، أما الرعاية الأبوية فهي للطلاب جميعًا لا تقتصر على واحد بعينه!.

 

هكذا أغلق الأستاذ ملف الطالب ورئيس الوزراء، وتتابع سرد القصة في دار العلوم من جيل إلى جيل، ولأن القصة ذات مغزى عميق؛ فقد رويتها في أكثر من مناسبة، وأشرت إليها في أكثر من موضوع يتعلق بالجامعة ووضعها المتدهور في زماننا!.

 

رأيت في زماننا أساتذة يصفقون لسياسيين ومسئولين شبه أميِّين، ورأيت رؤساء جامعات يخضعون لنواب شبه أميِّين في مجلس الشعب المزوَّر، أو ضباط شرطة ومخبرين في أمن دولة، ويكادون يعبدونهم من دون الله.

 

ورأيت قاعة مناقشة لرسالة دكتوراه تُنقل من مكانها المعتاد اللائق بأساتذة يجلسون في محراب العلم يناقشون طالبًا في بحثه إلى قاعة ضيقة معتمة؛ لأن القاعة الأصلية سيشرِّفها عضو في مجلس الشعب البائد يتحدث فيها إلى الطلاب عن الرياضة أو كرة القدم، ورأيت أساتذة جامعة يتحولون إلى حملة حقائب في معيِّة زوجات المسئولين الكبار، أو خدمًا في الحرملك وبلاط السلطان، ويعدُّون الرسائل والبحوث التي تلصق عليها أسماء الهوانم الجاهلات، والمسئولين الأغوات!.

 

تُرى ما الذي جعل الأستاذ الجامعي يهبط من سماء الكرامة والهيبة إلى مستوى لا يليق بموظف بسيط لا تسعفه الثقافة والفكر، ولا تنهض به تربية أو عزة نفس؟!

 

أستاذ الجامعة كانت له هيبة القاضي، وكرامة الوطن، وعزة الإنسان، ولكنه انقلب وتحول إلى مجرد موظف يقف في طوابير الخبز في الصباح، ويشقى في البحث عن دخل إضافي في المساء، ويحاول أن يبدو أمام طلابه صاحب هيبة وكرامة وعزة نفس، ولكن.. هيهات!!.

 

فقد صار أمره إلى من دمَّروا الوطن، وجرفوا عقله، وسمَّموا قيمه، وأهالوا عليه تراب الموت والعفن والخراب!.

 

بعد انقلاب 1952 وحل الأحزاب وحرمان الشعب من الحرية والكرامة، وإعطاء القانون إجازة، كان لا بد من إخضاع الجامعة لإرادة الطغيان المستبد الفاشي، فبدأت أولى عمليات التطهير من العناصر المشاغبة الباحثة عن الحرية والديمقراطية، ودخل الأمن إلى أروقة الجامعة الطاهرة ليلوثها، وتحكَّم في كل صغيرة وكبيرة، وصنع له عيونًا وخدمًا وكتاب تقارير، وتحولت الجامعة إلى حقل ألغام وبؤرة قهر، وازدادت الغمة في عهد المخلوع، وصار الحرس الجامعي وأمن الدولة فوق الرقاب والأعناق، وأصبحت الجامعة محكومةً بعميد شرطة والكلية تحت سطوة نقيب أمن.

 

وليت الأمر وقف عند هذا الحد، فقد تمَّ التحكم في لقمة عيش الأستاذ الجامعي، ولك أن تتخيل أن القانون 49 لسنة 1972، خصص مرتبًا للأستاذ الجامعي (أعلى درجة علمية في المجتمع) مبلغًا وقدره مائة وسبعة عشر جنيهًا وبضعة قروش، وهذا المبلغ لم يتغير مذ وضع القانون حتى اليوم.

 

والزيادات التي تضاف إليه تأتي عن طريق بنود جانبية لا يحسب معظمها في المعاش، وهذا المبلغ الذي خصِّص في وقت كان فيه ثمن الصحيفة اليومية على سبيل المثال قرشًا واحدًا أو قرشين أصبحت فيه الصحيفة بجنيه وجنيهين؛ مما يعني أن الأسعار تضاعفت مائة مرة أو مائتين، وهو ما كان يفرض أن يصبح مرتب الأستاذ وفقًا لسعر الصحف أحد عشر ألفًا أو اثنين وعشرين ألفًا، ولكن مرتب الأستاذ يقف اليوم في المتوسط على تخوم ألفي جنيه لأقدم الأساتذة؛ أي أن مرتب الأستاذ الجامعي تم تخفيضه حوالي ست مرات أو اثنتي عشرة مرة!.

 

أمام هذا الوضع المزري سياسيًّا وماديًّا، كان أمام الأستاذ الجامعي عدة خيارات، منها أن يهرب بجلده إلى الخليج أو الجامعات الأجنبية أو الخاصة؛ ويقضي هناك أزهى سنوات عمره، ويطيل مدة الإعارة أو التعاقد بحيل شتى، وقد يأخذه البحث عن المال بعيدًا عن البيئة العلمية أو البحث العلمي أو تجلية عقله وذهنه.. أو ينصرف إلى عيادته أو مستشفاه أو مكتبه أو صيدليته أو معمله إذا كان محظوظًا في تخصصه، أما إذا لم يكن من أولاء أو هؤلاء فلا مفر أمامه من الارتماء في أحضان السلطة البوليسية الفاشية، ينفِّذ تعليمات الضابط والمخبر أولاً، ثم يناضل من أجل منصب جامعي، صغير أو كبير، ثم يتبع البصر كرةً وكرتين وثلاثًا بحثًا عن وظيفة حكومية إضافية ذات دخل مرتفع، وعائد كبير إن لم يتحقق هذا العائد وذلك الدخل في الوظيفة الجامعية، وقد يجد في المجالس النيابية والقومية والإعلام والثقافة والتعليم والمحليات وغيرها.. مجالات فسيحة وممتدة لدخول كبيرة تفوق الإعارات، والعيادات والمستشفيات والصيدليات ومصانع الدواء والمكاتب الاستشارية ومكاتب المحاسبات!.

 

لقد صار الاقتتال على المناصب الجامعية وخاصةً منصب رئيس الجامعة والمناصب التي تؤدي إليه، ضاريًا ووحشيًّا، وأصبح التمسك بهذا المنصب يشبه القبض على إكسير الحياة، فهناك من يصل دخله الشهري إلى مائتي ألف، ويمكن أن يصل إلى نصف المليون، ثم ما أسهل -حين تكون السلطة راضية عن الشخص الذي يحمل درجة أستاذ جامعي- أن يعمل مستشارًا في هذه الجهة أو تلك، ووصل الأمر ببعضهم إلى العمل محافظين، وقرأنا أن هناك من قبل العمل سكرتيرًا عامًّا لمحافظة، وقد نصحو ذات يوم فنجد أستاذًا جامعيًّا في منصب رئيس مدينة أو رئيس قرية!.

 

لا تحدثني عن العلم والبحث العلمي في هذا المناخ الذي تضرب فيه الأعاصير والعواصف والخماسين والحسوم بنية الجامعة وأساسها، وتجعل العلاقة بين أهل العلم مقطعة الأوصال، بعد أن كان العلم رحمًا يجمع المنتسبين إليه على اختلاف تخصصاتهم ومستوياتهم، فقد تدخلت السلطة البوليسية الفاشية لتدمر هذه القيمة، وتجعل من البحث عن المال القيمة الأولى، وبسبب هذه القيمة شهدت الجامعة مظالم عديدة، وكان سلاح التأديب سيفًا مصلتًا في يد أبناء النظام الفاسد البائد وخدامه، وبدلاً من أن تكون أخلاق أهل العلم وتقاليد الجامعة فوق كل قانون وكل سطوة، صار من يملك السلطة الجائرة يستطيع التنكيل بمن يرى أنه يمكن أن يعترض طريقه، أو يمثل له حجر عثرة!.

 

ومع ذلك فهناك من الشرفاء من قبضوا على الجمر، ولم ينحرفوا عن واجباتهم العلمية والخلقية تجاه الجامعة والمجتمع.

 

والمفارقة أننا رأينا السلطة البوليسية الفاشية تضنُّ على أهل العلم بميزانية مناسبة للبحث العلمي، وفي الوقت ذاته تغدق على لاعبي الكرة ومعاونيهم وأهل الفن وأشباههم؛ لأنها لا ترى للعلم مكانًا على أرض الوطن، وبسبب من ذلك انتفش الأدعياء، وتجار المذكرات، وأباطرة الدروس الخصوصية، ولصوص الكتب، ورأينا من يدَّعي أنه الأستاذ الأول في تخصص كذا على مستوى العالم العربي، ومن يدَّعي أنه غير مسبوق في كذا، ومن يزعم على شاشات التلفزة أنه متحقق إعلاميًّا بسبب علمه!.

 

أين تواضع العلم والعلماء؟ القضية إذًا ليس لها من دون الله كاشفة، وعلاج الأسباب يؤدي إلى استعادة الأستاذ الجامعي لمكانته وهيبته وكرامته.

 

هناك أمور فرعية أخرى تتعلق بواقع الأستاذ الجامعي، ولكن اختيار الأستاذ الجامعي وفقًا لمعايير الأخلاق والعلم والالتزام، مع منحه ما يستحق من أجر يجعله يعفُّ عن الصغائر، وبيع نفسه لمن يبيعون الوطن، مع صياغة قانون يعطي للتقاليد الجامعية والقيم الخلقية أولوية في بناء الأستاذ الجامعي، المعلم، والباحث، والقدوة، والأمل الذي تنتظره الأمة وتعقد عليه آمالاً كبرى في صناعة النهضة المرجوة، والوطن القوي العزيز.