كيف يمكن للأسرة أن تتعامل مع طفلها في حال تفاوت مصروفه مع زملائه في نفس المدرسة أو النادي؟ والذي قد يكون هناك من يحصل على قدر أكبر منه بكثير؟ وكيف لها أن تستثمر ذلك في غرس قيم تربوية مختلفة؟ وما أفضل الطرق التربوية والنفسية للتعامل مع مثل تلك الحالة؟ وهل هناك محاذير تربوية لا بد من تجنبها؟!
(إخوان أون لاين) يطرح هذه التساؤلات في التحقيق الآتي:
تؤكد الدكتورة منى صبحي الخبيرة التربوية أن من أهم القيم التي ستزرع في صغارنا من خلال تفاوت مصروفه مع غيره هي القناعة والرضا بما قسمه الله له، مشددةً على ضرورة عدم عقد المقارنات بينه وبين أقرانه؛ حتى لا نؤصِّل فيه المقارنة بينه وبين الآخرين دائمًا.
وتوضح أن القناعة تأتي بالتدريج والتعويد والتدريب، ولا تتولد نتاج اللحظة؛ لذا علينا الصبر على صغارنا خلال رحلة غرس تلك القيمة؛ حيث إن ضغوط الحياة قد تربِّي بعض القناعات أو تنسيها.
وتضيف أنه كلما كان الطفل قويَّ الشخصية معتزًّا بنفسه كان زرع هذه القيمة أيسر وأسرع وأوقع؛ حيث يتميز الطفل قويُّ الشخصية بالقدرة على التحكم في نفسه، ومن ثم يستطيع بالتعوُّد التحكم في رغبته الشرائية، مؤكدةً أن تربية الطفل على القناعة منذ الصغر يعدُّ سياج أمان له في تحولات المراهقة بكل أشكالها من بسيطة إلى متوسطة إلى عنيفة.
وتحذِّر من أن الأهالي أنفسهم هم من يجنون على أطفالهم، من خلال إعطائهم مصروفًا كبيرًا؛ إما رغبة في التباهي، أو عدم تقديرهم لقيمة النقود؛ مما يدفع الصغار إلى فقد السيطرة أمام ما يريدون حتى ولو كان ضارًّا، وكذلك لجوؤهم إلى شراء كل ما يريدون حتى ولو بطرق غير شرعية.
وتقترح أن على الإدارات المدرسية أن تتحكَّم في الحد الأقصى للمصروف؛ حتى لا تترك الأطفال فريسةً لمثل هذا النوع من الأهالي.
أول الانحراف
وعلى الصعيد النفسي يحذر الدكتور مصطفى أبو العزايم الطبيب النفسي من خطورة التفكك الأسري، والذي يدفع كل طرف- سواء كان الأب أو الأم- إلى أن يعطي مصروفًا أكبر حتى يميل الطفل تجاهه، وهما بذلك يكتبان أول سطور الانحراف في حياة صغارهما.
ويبيِّن أن تأخر الإنجاب عند بعض الأسر يدفعهم إلى زيادة المصروف زيادةً كبيرةً؛ مما يؤثر سلبيًّا في نفسية الطفل الذي يولد بقناعة أن كل ما يريده لا بد أن يأخذه بلا مجهود أو تعب، إلا أنه في المقابل يحذِّر من النقص الكبير في المصروف بين الطالب وأقرانه؛ مما يكسبه الشعور بالنقص، وفي أحيان أخرى يدفعه إلى العيش في منطقة اللا وعي، فيختلق أشياء يتمناها ويحيا بها كأنها حقيقة.
ويبين أن ظاهرة السرقة- خصوصًا في سن المراهقة من 12 إلى 14 سنة- تعدُّ ظاهرةً ليس لها علاقة بالمصروف، سواء كان كبيرًا أو صغيرًا، وإنما هي نتاج عدم بثِّ العديد من القيم الدينية منذ الصغر، فيلجأ الطفل إلى الحصول على ما يريد عن طريق السرقة، مشيرًا إلى أن علاج تلك الظاهرة يتمثل في إعلاء قيم عدم السرقة واحتواء الطفل وليس ضربه وتعنيفه، وإنما محاولة توجيهه دون إعلام الآخرين؛ لأن انتشار الخبر بين الأقارب يؤثر سلبيًّا في نفسه.
وترى الدكتورة أميمة السيد (استشارية الطب النفسي بمستشفى بولاق الدكرور) أنه يمكننا ألا نعطي مصروفًا لابننا، بل يمكن وضع الكثير من السندوتشات وقدر معتدل من الحلوى في حقيبته، مشيرةً إلى أن تلك الطريقة مفيدة جدًّا لضمان سلامة أطفالنا الصحية، إلا أنها توضح أن هذه الطريقة في المصروف لا تصلح بعد سن العاشرة؛ حيث إنها قد تلغي اعتماد الطفل على ذاته، وتجعله دائمًا يحتاج إلى أبيه وأمه؛ حتى يشتريا له احتياجاته وتفقده الثقة بنفسه.
وتوضح أن التربية الأولية التي نربيها في أطفالنا هي المتحكم في سلوك أطفالنا في مواجهة أزماتهم والتأقلم مع واقعهم.
انطوائية
وتؤكد الدكتورة ليلى رجب مهدي، مستشار نفسي وتربوي ومديرة مركز "أوراك" للتدريب والاستشارات، أن المصروف المدرسي قد يدمِّر حالة الطفل النفسية، خاصةً لو كان الفارق ملحوظًا بينه وبين أقرانه، فيدفعه ذلك إلى الانطوائية أحيانًا؛ حتى لا يلاحظ أصحابه الفارق بينه وبينهم، أو إلى السلوك العدواني تجاه الآخر أحيانًا أخرى.
وتبيَّن أن ذلك قد يدفعه إلى السرقة لو انعدمت القيم لديه؛ حتى يعوِّض الفارق أو ينتقم من الآخر؛ الذي هو أفضل منه (من وجهة نظره)، وترى أنه من الممكن ألا يؤثر المصروف إطلاقًا في شخصية الطفل إذا وجد فيه من المقومات الشخصية ما يعوِّض هذا النقص في المصروف، مثل ثقته بنفسه وتميزه الإبداعي أو تفوقه الدراسي.
وتوضح أن إكساب الطفل مهارات اجتماعية متنوعة مثل القدرة على التواصل مع الآخر وغيرها يساعده على التأقلم مع واقعه، وترى أننا علينا أن نعلم أطفالنا منذ البداية مهارات التفكير المختلفة ونعوده أن يحدد سلبيات وإيجابيات ما يشتريه حتى يتعود القدرة على ضبط النفس أمام النهم الشرائي.