- ممدوح إسماعيل: تجاوزات الداخلية تدعم الانقلاب على الثورة
- نجاد البرعي: القمع أصبح الحل الأمني الأسهل للشرطة
- العميد قطري: أتباع العادلي لا يزالون يسيطرون على "الوزارة"
- المقدم محفوظ: تصرفات "الداخلية" تنمُّ عن غباء سياسي
تحقيق: أحمد جمال
ليس سوى الاستخدام المفرط للقوة هو الحل لدى المجلس العسكري وحكومته التي لقِّبت بالأمس بـ"حكومة الثورة"، وتثبت اليوم أنها تسير على نهج النظام المخلوع وتتعامل بنفس عقلية الوزير السابق المحبوس حبيب العادلي.
تدخلت قوات الأمن المركزي لفضِّ اعتصام مجموعة لا تتعدَّى 200 مصري بقوة مفرطة، مستخدمين قنابل الغاز المسيل للدموع التي خلَّفت سحبًا كثيفةً من الدخان، غطَّت سماء ميدان التحرير، وأصابت عشرات بحالات اختناق، فضلاً عن إطلاق الرصاص المطاطي وطلقات الخرطوش على المتظاهرين؛ ما أدى إلى وقوع ما يزيد على 1000 مصاب.
ويبرز في المشهد محالاوت استفزاز الجماهير، مع خلق الذرائع لضرب المعتصمين فيه، وشاهد الجميع عسكري الشرطة يقود سيارة شرطة "ترحيلات" إلى وسط ميدان التحرير؛ ليتركها هناك مسرعًا بالعودة إلى شارع "محمد محمود"؛ من أجل أن يقدم الشباب المنفعل على إحراق السيارة ومن ثم تبرير العنف معهم!.
(إخوان أون لاين) يبحث مع الخبراء تقييمهم لأداء وزارة الداخلية في الموقف الراهن، وكيفية تقويم جهاز الشرطة الذي عاد لمنهج ما قبل 25 يناير، وذلك في سطور التحقيق التالي:
التصدي المجتمعي
ممدوح إسماعيل
بدايةً يؤكد ممدوح إسماعيل، المحامي بالنقض ومقرر اللجنة العامة لحقوق الإنسان بالنقابة العامة للمحامين، أن الطريقة التي تعاملت بها الشرطة مع أهالي الشهداء والمتظاهرين في الأحداث الأخيرة وما قبلها يعيد إلى الأذهان التعامل الأمني مع المتظاهرين في عهد المخلوع مبارك.

ويضيف أن هناك بعض القيادات الأمنية بوزارة الداخلية تريد إعادة البلاد إلى ما قبل الثورة المصرية من قمع للحريات واستهانة بالمواطنين، وهذه بالطبع أمور مرفوضة، ولن يقبل بها الشعب المصري، معتبرًا أن تصرفات الداخلية بهذه القوة مستفزة للشعب المصري بعد أن قام بثورته التي أسقطت النظام، محمِّلاً قيادة الأمن المركزي وأتباع المخلوع والعادلي في وزارة الداخلية المسئولية عن هذه التجاوزات.
ويوضح إسماعيل أن مهمة الشرطة هي حماية التظاهرات والتجمعات، وكان واجبًا عليها أن تحمي المتظاهرين وتوفر الأجواء المناسبة لاستخدام حقهم المشروع، طالما أنهم لم يخرقوا القانون بدلاً من الاعتداء عليهم؛ فالقانون ينظم تعامل أجهزة الشرطة مع المتظاهرين؛ بحيث يكون وجودها لحماية المواطنين وليس لها أن تتعدَّى عليهم إذا ما التزموا التظاهر السلمي ولم يتعدّوا على الممتلكات، وإذا ارتكبوا أي أخطاء تحذرهم الشرطة عبر مكبرات الصوت، وإذا لم يستجيبوا تمنعهم من انتهاك القانون، ولكن دون الاستخدام المفرط للقوة.
ويطالب جميع القوى الوطنية والسياسية بالتصدِّي لتطاول أجهزة الشرطة، ومحاولات إعادة إفراز النظام المخلوع من جديد، وإيجاد رأي عام قوي قادر على منع هذه التجاوزات.
احترام القانون
نجاد البرعي
وينتقد نجاد البرعي، الناشط الحقوقي ومدير المجموعة المتحدة للقانون، تعامل الشرطة وقوات الأمن المركزي مع أهالي الشهداء والمتظاهرين بهذا الأسلوب المهين على حد تعبيره ، وأكد أن هذا التعامل يخالف القانون حتى في حالة اضطرار الشرطة في الدول المتحضرة إلى مواجهة المتظاهرين إذا ارتكبوا أخطاء، فلا يكون بهذه القسوة والقوة، مؤكدًا أن الشرطة ما زالت تستسهل استخدام القوة المفرطة في التعامل مع المواطنين.

ويضيف أن الشرطة تتعامل مع المواطنين في التجمعات كأنهم أنداد مساوون لها في القوة، وهذه طريقة خاطئة في التعامل، بل عليهم أن يكونوا حكماء في تصرفاتهم ويدركوا أنهم أقوى من المواطن، ومعهم إمكانيات ومعدات توجب عليهم التعامل بطريقة أهدأ مع المواطنين؛ لعدم إلحاق أضرار كبيرة بهم دون داع لذلك أو سبب كما حدث مؤخرًا، خاصةً أن هذه التصرفات تؤدي إلى زيادة الفجوة بين جهاز الشرطة والمواطنين.
ويؤكد أن الجميع يدرك أهمية جهاز الشرطة ولا يريد أحد تدميره، بل تنحصر كل المطالب في إصلاحه وتطويره على أسس صحيحة، ويتطلَّب ذلك احترام المواطن لرجل الشرطة ومساعدته في مهامه في إطار القانون، مطالبًا بضرورة التوصل إلى تفاهم مجتمعي بعدم إقدام الشرطة على أي تعامل مفرط للقوة مع المواطنين، ويلتزم المواطنون بعدم استفزازهم.
سياسات خاطئة
محمود قطري
ويرى العميد محمود قطري، الخبير الأمني، أن الشرطة لم تتغير بعد الثورة في أي شيء من تصرفاتها؛ فالفكر الأمني لا يزال موجودًا ومسيطرًا على تعاملات رجال الشرطة، وبعد جهود وزير الداخلية منصور العيسوي لإعادة الشرطة إلى الشارع عادت لكن بدون إصلاح بنفس الطريقة التي كانت موجودةً قبل الثورة على مبادئ مدرسة العادلي الأمنية الفاشلة؛ التي تهتم بالأمن السياسي على حساب الأمن العام.

ويوضح أن هناك حالة عداء خفية ومتراكمة بين الشعب المصري والشرطة لها جذور تاريخية وأسباب حقيقية زادت في عهد الوزير الأسبق حبيب العادلي المحبوس حاليًّا، وظهر هذا العداء بصورة كبيرة أثناء الثورة؛ لأنها بدأت في الأساس ضد ممارسات وزارة الداخلية الفاشلة، وما يزيد من المشكلة أن بعض قيادات الداخلية تضع نفسها في مواجهة الشعب، حتى وصل البعض إلى الاستهزاء بدماء الشهداء والسخرية منهم.
ويؤكد أن الشرطة لا تزال تدار بنفس الطريقة التي كانت سائدةً قبل الثورة؛ فالقيادات لا تزال في أماكنها تتعامل بنفس الفكر، والمخصَّصات المالية توزَّع كما كانت قبل الثورة، والترقيات كذلك وطريقة التعامل مع المواطنين، حتى إن بعض الخطوات التي اتخذت تمَّ التراجع عنها فيما بعد، كالتراجع عن تخفيض مدة عمل رجال الشرطة لـ8 ساعات، كما أن الأمن المركزي لا يزال يتعامل باستخدام القوة المفرطة.
ويضيف أن الشرطة ما زالت تعتنق منهج مدرسة العادلي الأمنية الفاشلة؛ التي أُسِّست على الفكر المتردي لأمن الدولة الذي يرى الخطر في كل تجمع لمجموعة من المواطنين ويتعامل معها بنفس القوة، بينما يهمل الأمن العام، وهذا ما بدا جليًّا في العديد من المحافظات من ظهور للبلطجية وممارسة كل أشكال البلطجة والسرقة والمخالفات دون رادع أو تحرك لأجهزة الشرطة، بينما تتعامل الشرطة مع أي وقفة أو تجمع بقوة شديدة.
ويحذِّر قطري من استمرار الشرطة دون إصلاح؛ لما يمثله ذلك من خطر على مستقبل البلاد، ويقول: كل يوم يمر يعقد الوضع أكثر؛ فالتعامل المفرط للقوة يزيد من الاحتقان الشعبي، وتأخر عودة الشرطة لمواجهة البلطجة وعودة جهاز الأمن العام على أسس صحيحة؛ ففي كل يوم يمر ينضمُّ مجرمون جدد إلى قوائم العصابات وتكتل المجموعات الإجرامية في عصابات واسعة؛ ما يهدد بتحويل البلد إلى شيكاغو السينمائية أو البرازيل، ويدفع المواطنين إلى اقتناء السلاح للحماية الشخصية، وسيُسهم كل ذلك في خلق وجدان عنيف في المجتمع وتحويل مصر إلى غابة، ويؤكد ذلك أن مصر مهددة، والمجتمع المصري مهدَّد؛ بسبب ممارسات الشرطة.
غباء سياسي
![]() |
|
محمد محفوظ |
وينتقد الاعتداء الأمني على المتظاهرين والمعتصمين السلميين، قائلاً: "الثورة المصرية كان هدفها الأول وقف ممارسات الداخلية، ومن قتل الشهداء هي قوات الشرطة، وكان من الحكمة السياسية عدم وجود أي احتكاك من قبل الشرطة بالأماكن التي يوجد بها مصابو الثورة وأسر الشهداء لعدم استفزازهم".
ويقول إنه لا يوجد أي مبرر للاستخدام المفرط للقوة؛ فلو انسحبت الشرطة لكانت الخسارة أقل كثيرًا مما حدث، إلا أن التكبُّر والكبرياء الأمني جعلهم يردُّون على هتافات الجماهير بالقوة الأمنية، مشيرًا إلى أن تصرفات وزارة الداخلية تعكس نوعًا من عدم الوعي والغباء السياسي.
