ها هي الأيام تمر ويعود الإسلام غريبًا كما بدأ، كما قال النبي صلي الله عليه وسلم: "بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ فطوبي للغرباء"، وكما قال عليه الصلاة والسلام: "يأتي زمانٌ على أمتي القابض على دينه كالقابض على جمرة من النار".
وها هو المسلم يسير غريبًا في جنبات بلاد المسلمين، ويسير بدينه كالقابض على قطعة من الجمر، يخرج من بيته صباحًا ليتعرض لسيول من الفتن، ابتداءًَ من لحظة خروجه من بيته وحتى عودته إليه مرةً أخرى، مما تقع عليه عينه مما حرمه الله فهو لا يستطيع أن يحجب ناظريه طول الوقت عمن حوله وما حوله من فتن وابتلاءات، عن نساء شبه كاسيات وما هن كذلك وصفهن المصطفى بأنهن من نساء آخر الزمان: "نساء كاسيات عاريات رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة".
يخرج الرجل من بيته ليلاقيهن في الطرقات وفي العمل وفي المواصلات العامة، فلا يستطيع أن يمنع نفسه من النظر إليهن إلا من رحم ربك، ثم هو يحمل همَّ إعالة بيت يحرص على أن يكون مطعمه من حلال فهو يريد أن يتقي ربه في رزقه، وفوق هذا وذاك فهو يحمل بين جنبات قلبه همَّ الدعوة إلى الله وهمَّ تبليغ دين الله وهمَّ هداية البشرية جميعًا إلى التوحيد والطهر والعفاف والخير الذي يحمله الإسلام ولا يحمله غيره، ثم- وهو في خضمِّ كل هذا- يتعرض لضيق في العيش وضيق في الرزق، بل والاتهامات التي تكال له من كل حدب وصوب بأنه إرهابي أو متاجر بالدين أو متخلِّف عن ركب المدنية والتحضر، فهو مجاهد على كل الأحوال، مجاهد لنفسه، ومجاهد لمجتمعه، ومجاهد للعالم الذي لا يحمل له في قلبه إلا كل الخير والنور.
وصاحب الرسالة يعاني معاناةً شديدةً في زماننا من غربته في أهله بفكره وأخلاقه وقلبه، يطوف نهارًا من العمل ليكفل بيته، للشارع ليبلغ دعوته، ليعود في النهاية لبيته وهو محمل بأثقال شداد، ينوء بحملها الإنسان العادي غير المحصن بالإيمان والتقوى وابتغاء مرضاة الله تعالى؛ ليجد في استقباله إما واحة خضراء صنعتها له زوجته التي تجعله بحبها وحسن صنيعها وحسن استقبالها، فهي في استقباله كالعروس التي تنتظر زوجها العائد بعد طول غياب، يهفو قلبه إليها بينما هو في قيظ الحياة يصطلي بابتلاءاتها وتهفو إليها روحه الحرة، ليعود مسرعًا يحمل أحلام الراحة والدفء ليلقي بهمومه على باب بيته ويطمئن لصدر زوجته الحاني، التي تقف بانتظاره بلهفة الزوجة المحبة المشتاقة والأم الحانية الرحيمة والصديقة المتفهمة المخلصة، فيعود المشتاق الغريب ليستجمع قواه داخل واحته الغناء، ويستروح فيها من آلام الحياة القاسية ليعود لمهامه المنوطة به أكثر عطاءً وأكثر استعدادًا لتحمل المزيد وأكثر قوة في مواجهة أي بلاء أو ابتلاء، بل ويعود بقلب مليء بمزيد من الخير والرحمة والحب لكل الناس.
وإما أن يعود إلى بيت هو أقرب لساحة المعركة منه إلى بيت، تكون الزوجة المتحفزة دائمًا بالأسئلة على باب البيت: أين كنت؟ ولماذا تأخرت؟ وأين ما طلبته منك بالأمس؟، تلك هي الأسئلة الأولية ثم يتطور الأمر على الطعام- إذا كان معدًّا أصلاً- ابحث لك عن حل مع أولادك فلم أعد قادرة علي مصائبهم ومشاكلهم!!، مشكلات المدرسة والجيران والمذاكرة والدروس!!، ثم أمك التي لم أعد أعلم كيف أرضيها؟ أزورها فتسمعني كلامًا يثير أعصابي وأنا لم أعد أحتمل وإذا لم أفعل تغضب أنت مني ولا أنتهي من شكواها، ثم كذا وكذا وكذا!!.
فيصمت الزوج المسكين غير معلق، فرأسه لم تعد تحتمل المزيد ولا يملك دواءً سوى الصمت الذي يثير الزوجة النكدية أكثر وأكثر، فيستمر هو في صمته وتستمر هي في شكاواها.
ولن أتحدث كثيرًا في هذا الأمر سوى عن ذكر موقف واحد لأمك يا أختي الحبيبة؛ أمك خديجة، أتذكرينها؟!؟ "هذا جبريل يا خديجة يقرئك من ربك السلام ويبشرك ببيت في الجنة، لبنة فيه من فضة ولبنة من ذهب، ليس فيه صخب ولا نصب".
القائل هو الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، يقول لمن؟! يبلغ الحبيبة خديجة زوجته ورفيقة دربه عليه الصلاة والسلام لحظة وفاتها، يبلغها فيها برضا الله عليها وسلام الله عليها ويبشرها بالجنة وقصر فيها، ويصف القصر بأنه لبنة من فضة ولبنة من ذهب، لم يا أمنا كل هذا الفضل؟ بشارة من الله عن طريق جبريل عليه السلام في لحظة الوفاة؟ ماذا قدمت يا أمنا لكل هذا التكريم؟!.
ألم تهب كل ما لديها لنصرة دين الله؟! تلك الزوجة الكريمة بنت الكرام التي سخرت كل ما تملك لزوجها صاحب الرسالة، ولم تسأله يومًا: لم هذا؟ وأين ذاك؟ حين اطمأنت لأنه الصادق الأمين، فكان ردها حين بلغ بالرسالة: "إنك لتصل الرحم وتكرم الضيف..."، وإنك..، وإنك..، وتعدد مزاياه وتختمها بالتطمين الأخير "والله لا يخزيك الله أبدًا"، ثم تكون هي الملاذ الآمن ليعود إليها بعد كل معاناة يتعرض إليها، فتطمئنه وتضمه بحنانها وتواسيه، كما قال عليه الصلاة والسلام، بمالها، تلك العزيزة في قومها تقف معه في الشعب حين يحاصره قومه، وقد عفاها مشركو مكة لمكانتها وشرفها من البقاء في الشعب، فتأبي إلا أن تكون مع الزوج والحبيب صاحب الرسالة؛ لتجوع كما يجوع وتبذل كما يبذل، ولا تكون حائلاً أبدًا بينه وبين ربه وبين رسالته وبين طريقه الذي اختاره، يوقف عليه الصلاة والسلام حياته للدعوة ولتبليغ الرسالة ويشتد الأمر عليه من المشركين ويشتد البلاء عليه والتضييق، فيجد عندها سعة الصدر وسعة الحب وسعة الفهم والتشجيع، بل وتقوم هي أيضًا، رضي الله عنها، بنفس الرسالة التي يحملها عقل وقلب زوجها ونبيها، فتبلغ عنه فتكون دعوتهما واحدة وكلمتهما واحدة، ليس هذا فقط، بل وتتكفل هي بمهام إدارة البيت منفردة، من تربية للأولاد وتجارة واسعة تتحمل هي مسئوليتها لتكفيه كل الهموم؛ ليكون همًّا واحدًّا فقط، وهو هم الرسالة، فيكون الجزاء الرباني من جنس العمل.
بذلتِ يا خديجة من مالك وبيتك وجعلتيه واحة للمصطفى، فليكن بيتك في الجنة لبنة من ذهب ولبنة من فضة، ثم أنت وفرت الراحة للنبي والهدوء والسكينة كي يتعبد كما يشاء وليفرغ لدعوته كما يشاء، فليكن بيتك في الجنة ليس فيه نصب ولا صخب.
تلك هي الزوجة الكريمة والأم الحبيبة خديجة بنت خويلد، استحقت مرضاة الله تعالى واستحقت سلامه عليها رضي الله عنها، النموذج المتكامل لزوجة صاحب الرسالة في زمن غربة الدين والأخلاق.
فإن أحببتِ يا أختي أن تتخلقي بأخلاق أمكِ فلتسيري على دربها، وإلا فهناك مثلان آخران أربأ بك أن تكوني أنت مثلهما (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنْ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (10) (التحريم).