ودَّعت محافظة الشرقية، بل مصر كلها، بل العالم الإسلامي قاطبةً، واحدًا من أكبر رجالاتها، قد لا يعرفه الكثير، ولكن الله وحده هو الذي يعلم كم بذل هذا الرجل من جهد في سبيل الله، وحركة دءوب في التأسيس الثاني لدعوة الإخوان المسلمين، إنه الحاج عبد العزيز عبد القادر مسئول الإخوان المسلمين بالشرقية.

 

لقد عرفت هذا الرجل سنين طوالاً، ورغم أنه في سن والدي رحمه الله، إلا أن علاقتي به شملت البنوة والأخوة، والتلميذ مع أستاذه، والجندي مع قائده، والشيخ مع مربيه، لقد كان بحق جندي فكر وعقيدة، ينطبق عليه وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم: "طوبى لرجل أشعث أغبر، ممسك بعنان فرسه، إن كان في المقدمة كان في المقدمة، وإن كان في الساقة كان في الساقة".

 

ولقد رأيته في كل عمل يُكلف به في أمور الدعوة وهو مجتهد فيه أيما اجتهاد ولا ينظر إلى موقعه بل يحمل هم مسئوليته، كان مسئولاً عن الشرقية في وقت من الأوقات، ولما استقر والدنا الحاج سعد بالشرقية سلّم المسئولية له وعمل جنديًّا تحت إمرته.

 

ولما أرادت جماعة الإخوان المسلمين أن تنهض بالقسم المركزي للأخوات لم تجد إلا الحاج عبد العزيز عبد القادر، القائد الذي يعمل في صمت ليُحسن تأسيسه، فجاب مصر بطولها وعرضها ونقل قسم الأخوات نقلة كبيرة، ثم سلَّم مسئوليته لآخر ليتفرغ لمحافظة الشرقية.

 

وبين مسئوليته عن الشرقية لفترةٍ من الزمان، ومسئوليته عن قسم الأخوات، كانت بصمته في قسم التربية واضحة جليّة يدل عليها من تربوا على يده.

 

كل من عرفه أحبه، واجتمعوا على الشهادة له بدقة مواعيده وكثرة حركته وعظم بركته، فنحسبه من المخلصين كثيري الحركة، كثيرة البركة.

 

تعلمت منه الكثير وأول ما تعلمته هو تجرده عن نزعات نفسه، فلم أجده يومًا يغضب لنفسه أو يثأر لها؛ رغم كثرة ما تعرض له من إساءة، وخاصة في بداية تأسيس الدعوة بالشرقية، فكان مصداقًا لقول الله عز وجل: (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34)) (فصلت).

 

كان له حب ورحمة ورأفة لإخوانه قد تخفيها أحيانًا شدته في الحق وحرصه على الدعوة وحبه للانضباط، فقد كان شديد الجندية، يبدي رأيه لإخوانه ويلتزم بقرارات الإخوان مهما خالفت رأيه.

 

تعلمنا منه احترام قيادة الإخوان، ومن هو أسبق منه في طريق الدعوة، وقد كان أدبه الجم مع والدنا الحاج سعد لاشين ومع قيادات الإخوان خير درس عملي لنا في كيفية التعامل بخلق الأخوة والجندية معًا.

 

كنا حينما نطلبه إلى عمل دعوى يجيبنا قائلاً: "حددوا لي الزمان والمكان وسوف تجدوني عندكم"، فإذا سألناه كيف ستأتي، وخاصةً أنه كان لا يملك سيارة خاصة، فكان يقول لنا مازحًا "مش شغلكوا".

 

كم خجلت من نفسي حينما طلبت منه الحضور إلى مدينة بلبيس لحضور لقاء دعوي، ونسيت أن أقترحُ عليه أن أُوفِّر له وسيلة مواصلات تنقله إلينا، ولكنه جاء مسافرًا بالمواصلات في الميعاد والزمان المحدد، وحينما وصلت إليه وجدته منهكًا من مرض شديد قد ألمّ به، فلما اعتذرت له وقلت له: لماذا لم تتصل بنا للاعتذار، خاصةً أنك مريض؟ فأجابني قائلاً: "لم أحب أن أحرم نفسي من لقائكم"، وما زال موقفه ماثلاً أمام عيني.

 

وأثناء ثورة الخامس والعشرين من يناير كان يصر على أن يقف معنا في المظاهرات، وحينما جاء الدور على إخوان الشرقية للذهاب إلى ميدان التحرير طلب بعض الإخوة منه ألا يذهب؛ وذلك لأن المرض قد اشتد عليه، وظروف التحرير لن تناسبه بالمرة، ولكنه أصرَّ على الذهاب، وأثناء وجودنا بالتحرير أصررت أنا أن أجمع إخوان الشرقية ليسلموا عليه، ويتعلموا من مجرد جلوسه الدرس الخالد في الجهاد والتضحية، والذي لا ينساه من يريد السباق إلى الجنان.

 

كان رحمه الله شديد الحرص على مال الدعوة يجتهد في المحافظة عليه؛ لأنه يعلم أن هذا المال اقتطعه الإخوان من قوتهم وجيوبهم.

 

إنه الحاج عبد العزيز عبد القادر الذي تشهد له طرقات مصر وقطاراتها بأنه قد غبّر قدمه كثيرًا في سبيل الله.

 

كما تشهد له السجون والمعتقلات بالسنين الطوال التي قضاها فيها متحملاً آلامها في سبيل الله، ويشهد له تلامذته ومحبوه بأثره فيهم وحسن تربيته لهم، ومنهم من هم في قيادة الحركة الإسلامية، إنه الحاج عبد العزيز عبد القادر الذي لقي الله عن عمر يناهز 77 عامًا قضاها كلها في طاعة الله والدعوة إليه، فقد عاش في سبيل الله، والعيش في سبيل الله أصعب كثيرًا من الموت في سبيل الله، نسأل الله تعالى أن يسكنه فسيح جناته ويلحقنا به على خير، وأن نموت على ما مات عليه.