كانت محنة 1965 من أشد المحن على الإخوان؛ ذلك أن عبد الناصر كان قد استقر في روعه واطمأنت نفسه إلى أنه بعدما فعل ما فعل بالإخوان في محنة 54 من إعدامات وقتل وتعذيب وتشريد وأحكام قاسية ومصادرة للأموال والأملاك والشركات، فلن تقوم لهم قائمة، ولكن هيهات هيهات لدعوة الله أن تموت في نفوس من حملوها وضحَّوا بالغالي والثمين في سبيلها، ونصب أعينهم قول الحق تبارك وتعالى: (مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (23)) (الأحزاب).
وأشهد، وقد عرفت الإخوان وأنا في الثانية عشرة من عمري، أن الكثير من الإخوان من أصحاب الآية الكريمة التى سبق ذكرها، والكثير منهم أيضًا المعنيين بالآية الحاضرة: (الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمْ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (172)) (آل عمران).
والعجيب أن هذه الدعوة تنمو وتقوى مع التضييق والحصار، بل مع السجن والتعذيب، وكان ذلك واضحًا جليًّا في فترة حكم حسني مبارك صاحب القبضة الحديدية، وما ذلك إلا لأنها دعوة الله وخطابه إلى العالمين على يد رسوله الأمين، وإلى أن يقوم الناس لرب العالمين.
كان خامسنا الشهيد محمد علي عبد الله في إحدى زنازين السجن الحربي، وهو مدرس من بنها، وكان يباشر تعذيبه الرائد حسن كفافي؛ وذلك في محنة 65 التي نافست أختها محنة 54 على الصدارة، وكادت تلحق بها بتعرض الإخوان فيها لصنوف التعذيب والقسوة والشدة التي فاقت كل تصور، ومع بدء خروج الإخوان من المعتقلات رأى أخونا ألا ينخرط في تنظيم الإخوان؛ حتى لا تلاحقه المتاعب والصعاب إلا أنه ظل حاملاً للفكرة باذلاً الجهد مع النفس؛ حيث كانت التربية والتعليم مجال عمله وجاءت محنة 65 ليجد نفسه في السجن الحربي مع الآلاف من إخوانه الذين ضاقت بهم سجون عبد الناصر؛ فكان قراره الشهير الذي أطلقه من موسكو باعتقال كل من سبق اعتقاله من الإخوان، فكانت الحصيلة في اليوم الأول سبعة عشر ألف معتقل.
وفي التحقيقات كانت المفاجأة التي لا تخطر على بال؛ فقد جاء على لسان أحد الإخوان ذكر زيارة الشهيد عبد الفتاح إسماعيل للأخ، وظل المحقق يستجوب الأخ، ويسأله عن هذه الزيارة وما كان فيها، والأخ ليس عنده شيء يقوله؛ لأنه فعلاً اعتذر للشهيد عن الانخراط في التنظيم، ولكن المحقق المجرم ظل يُعذب الأخ حتى بدأ ينزف من رجليه بشدة- وكان مريضًا بالسكر- فأحضروه لنا في الزنزانة والدم يجري كالسيل من رجليه، وأدركت أن أخي في لحظاته الأخيرة، فلقَّنته الشهادة وهو بين يدي وفاضت روحه إلى بارئها تشكو إليه ظلم الظالمين، وطغيان الطغاة المتجبرين.
وأسدل الليل أستاره ليسحبوا الشهيد ويقبروه في الصحراء، ويكتبوا أمام اسمه في السجلات: "هرب من السجن"، وفي الليلة نفسها رأيت الشهيد وعيناه تدمعان ولسان حاله يقول لي: أنا في خير وفاتني خير كثير.
وأختم بكلمة مؤسس الجماعة الإمام حسن البنا رحمه الله: "اجعلوا الدعوة هي المقدمة دائمًا، وكيفوا كل شيء لها، وطوعوا كل شيء من أجلها، وجندوا في سبيلها أنفسكم وأموالكم وأوقاتكم وأعمالكم وكل شيء، يبارك الله لكم في كل شيء".
----------
* أحد قادة الإخوان الذين أُعدموا رسميًّا في محنة 1965م.