التساؤل هو: من الحبيب الذي قد نحوله إلى عدو نتربص به.. نتوقع منه ونشكو.. ومن الذين نحولهم في حياتنا إلى أعداء؟.. نصنع معركة.. ونبني قلاعًا.. هذا معي وهذا ضدي.. وسجال وتحزبات؟

 

إن الإجابة شديدة القسوة ذلك أن هذا الحبيب غالبًا ما يكون أخًا أو عمًّا أو زوجة أخ أو عمة أو والدة زوج أو زوجة ابن أو زوج ابنة وأحيانًا ما يكون زوجًا أو زوجة!!

 

الكارثة الحقيقية أن حياتنا تكون أكثر قلقًا وحزنًا، وبينما ندعي غضبنا على الحقوق والذوقيات الضائعة والعلاقات المقطوعة، فإننا نصنع عدوًّا من الشخص نفسه لا تعديلاً وإصلاحًا من الخطأ الذي نشكو منه!!.

 

"حماتي لا تراعيني تمامًا ودائمًا ما تحرجني أمام الآخرين وتتعمد ذلك ما يجعل بيني وبينها حساسيات ومشاكل دائمة"!

 

"أسرتي في حالها.. بعدًا عن المشاكل"!

"عمتي أساءت إلى أمي كثيرًا.. ما دفعنا للبعد عنها"!

"زوجات الأعمام يتقاتلون ما أدى إلى التقاء العائلة بدونهم جميعا"!

"الضرب تحت الحزام هو سر العلاقات بين نساء عائلتنا"!

"علاقات أسرتي بالعائلة رسمية تمامًا.. بالشوكة والسكينة"!

 

إن تلك أشهر جمل التعبير عن العلاقات العائلية في بيوتنا وذلك لأسباب كثيرة، ولكن ليس منها أن هذا لا يمكن تغييره ولذا دعونا نحلل الأمور بشكل مبسط جدًّا.

 

مدرسة الأبيض والأسود

هل منا من لم يشاهد أفلام الأبيض والأسود كحماتي قنبلة ذرية وغيره.. لقد دأب الإعلام والمجتمع بقصد وبغير قصد على أن يزرع فينا مجموعة من القيم الخاطئة التي صنعت من الآخر عدوًا حتى قبل التعرف عليه، ومن ذلك أحد البنات تخبرني "أنا أدعو دائمًا أن أرتبط بيتيم"!! وتقول أحد الأمهات: "زوجات الأبناء هن اللائي يقطعنهم عن أهلهم".

 

لنكون منصفين.. لقد أسهمت الكثير من أمهات الأزواج بترسيخ تلك الصور فعلاً بتدخلهن في حياة أبنائهن بشكل أوصلهم أحيانًا إلى هدم بيوتهم، ولكن الكثيرات من زوجات الأبناء تعاملن مع أزواجهن أنهم ملكية خاصة، أولوياتهم لهن ولأبنائهن فقط!.

 

تظل الفكرة أن كلا الطرفين صنع عدوًا، ورسم صورًا له حتى قبل أن يراه.. فما إن يراه حتى يجلس منتظرًا خطأه، وبالطبع كبشر سيخطئ فيقول: "أهه".. ها هو.. "العدو".

 

خمس تصنع عدوًا

1- تأويل أفعال الآخرين.. "كانت تقصد كذا".. "أرأيت كيف كانت تنظر؟".. "لقد تعمد السلام من أطراف أصابعه".. "لم تحدثني منذ أسبوع لأن كلامي لم يعجبها.. تعاقبني؟!".. "لم يسأل لأن زوجته تتحدث إليه بغير الحقيقة عنا!".. "تعلم أبناءها ألا يسألوا عن أعمامهم".

 

2- والظن هو أول وأسهل ما نقع فيه، ويسبب بناء جُدر وجبال على وهم وظنون؛ وفي الحديث: "إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث".

 

3- الغيبة هي ذلك السم حلو المذاق، الذي غالبا ما لا ننتبه إليه إلا وقد بدأ السم باقتطاف الحسنات والإساءة للعلاقات والنفسيات، ثم يسترسل بنا فيصبح مبررًا بأنها الفضفضة التي ترحمنا من الانفجار!!.

 

4- أما السلبية فتكمن خطورتها في التزام الغضب أو الشكوى الدائمة بغير محاولة للتصحيح ولا الإصلاح؛ ما يزيد الغل في النفوس ويوسع دائرة الغيبة ويعمق المشكلة.

 

5- الغل.. فالشخص المعبأ بمشاعر سلبية وغضب.. ينام ويستيقظ مثقلاً.. لا بد أنه سيصنع من الطرف الآخر-أيًّا كان- عدوًا.

 

التوقع

علاقات أخرى تشرخ بسبب التوقعات.. فنحن كأب.. ابن.. أخت.. زوجة ابن.. عمة.. أم.. خال.. زوجة.. لنا توقعاتنا التي نراها بديهية، ومن أساسيات إقامة العلاقات وصلة الأرحام، وكثيرًا ما لا نجدها، بل قد نجد ضدها من البعد والرسميات المصطنعة، والحل لن يكون أبدًا بالغضب ولا بالشكوى للآخرين، ولكنه سيكون بوسائل أخرى.

 

لم تكن بهذا السوء!!

للأسف فإن الموت أحيانًا يكون التراجع النفسي الوحيد عن مشاعر الغضب والتحامل على الآخرين.. فنظل نشكو ونغتاظ حتى نفاجأ بالموت، وقد أخذ منا هذا العدو.. الحبيب.. تتهدم جبال ضخمة من الجفاء فنندم ونشعر بالتقصير.. ويحل الحب الصادق فقط ونقول في أنفسنا: "لم يكن الموضوع يستحق أن تضيع حياتنا هكذا".. ونتذكر مميزاته ونلتمس له الأعذار، ونرى منه الطيب، ولكن الفرصة تكون قد ضاعت تمامًا.

 

إن الحياة أولى بتلك المشاعر الطيبة والدعاء الصادق، والرغبة في التعويض والتقارب، فلا يجب أن ندركها بانتزاع الموت لها وقد تأخرنا كثيرًا.

 

ماذا نريد؟

السؤال: هل نحن على استعداد للإصلاح فعلاً؟ أم ستظل جملة.. هو فعل.. هي فعلت.. هم يفعلون.. هي المسيطرة على حواراتنا النفسية والخارجية؟.. نريد أن نخرج بأفعالنا من دائرة رد الفعل لتكون فعلاً.. نريد أن نتحرك لنملك زمام أنفسنا وصلة أرحامنا وعلاقاتنا كلها.

 

دعونا نعرف أن بعض العلاقات أصبحت معقدة بالفعل ومحاولة ترميمها صعبة للغاية؛ ولكنها لن تكون مستحيلة؛ لأن النجاح فيها يعني الفوز في الدنيا والآخرة؛ لذا دعونا نبدأ بنية حقيقية للإصلاح ثم بالخطوات التالية:

 

1- عبر لهم عن رغبتك الحقيقية في إصلاح العلاقات والتقرب إليهم، وتغاضى عن تعليقات على غرار: "ومن المسئول عن ذلك؟".

 

2- اكتشف أهلك وتعرف عليهم من جديد.. هل تعرفهم فعلاً؟.. ما الذي يفضلون؟.. ما الذي يغضبهم؟.

 

3- ارم دفتر الذكريات السيئة والإساءات في البحر أو احرقه أيهما أسرع.. تأكد أنه لن يعود ليفتح لك صفحاته.

 

4- بلا مناسبة أرسل لهم رسائل ودودة.. أعد قراءتها جيدًا وتأكد أنها لا يمكن أن تحمل أكثر من معنى، وبلا مناسبة هاديه/ها؛ لتتحابوا كما أوصى النبي صلى الله عليه وسلم، وبلا مناسبة مكالمة هاتفية قصيرة جدًّا تجدد الصلة.

 

5- تحمل المسئوليات والمشاركات في المناسبات بصدق ولو بالقليل، ودفع الآخرين من الأقرباء لفعل ذلك.

 

6- اعترف بالأخطاء والتقصير واعتذر عن ذلك دون انتظار المثل.

 

7- عبر عن نفسك وعما تحب، وما لا تقبل بهدوء، وأخبرهم أنك تفعل ذلك كي تتقاربوا أكثر، واطلب منهم أن يفعلوا بالمثل؛ كي تمنعوا "الزعل"

 

8- راقب جفاف حديقة العلاقة باستمرار وأسباب ذلك.

 

9- استمتعوا معًا.. خطط لذلك.

 

10- لا تتدخل فيما لا يخصك، واحترم الخصوصيات، وإياك واقتحامها بدافع الحب.

 

11- تغافل ونتناسى.. لن تنجح بغير تلك الخطوة؛ لأنك تخطئ كثيرًا.. هم أيضًا سيفعلون.

 

وأخيرًا..

إن رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم‏ ‏قال: "خلق الله الخلق، فلما فرغ منه قامت الرحم فقال: مه؟

قالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة.

فقال: ‏‏ألا ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك؟!

قالت: بلى يا رب.

قال: فذلك لك".

جعلنا الله وإياكم من الموصولين بالله الواصلين للأرحام.