حالة الإرباك التي أصابت المشهد المصري- مما لا شك فيه ولا جدال- تجعل الحليم حيران؛ وذلك لما يحويه المشهد من صور متضاربة؛ ففي الوقت الذي نرى فيه جموع الشعب المصري في صفوف طويلة ليشارك في بناء دولته الحديثة ويقضي على بقايا الاستبداد والفساد الذي خلفه نظام مبارك المخلوع، نجد البعض من الشعب نفسه يُفسد هذا العُرس الديمقراطي، ويريد أن يفرض إرادته من الميدان بممارسات لم نعتدها على ميدان 25 يناير، وفي الوقت الذي نرى فيه أبطال الجيش المصري يحملون الشيوخ والعواجيز أمام اللجان لمساعدتهم في أداء واجبهم الانتخابي، نرى قلةً من الجيش يضربون المتظاهرين في ميدان التحرير بطريقة تتنافى مع أبسط حقوق المواطنة، وفي الوقت الذي نشاهد فيه رُتَبًا عليا من جيشنا الوطني تقوم وبإخلاص وحيادية على حراسة العُرس الديمقراطي الذي سطر صفحةً مضيئةً في تاريخ مصر الحديثة نرى أيضًا تقاعس بعض الرُتَب العسكرية عن إخماد الحريق الذي نشب في المجمع العلمي، الذي كان يحتوي على صفحات غالية من تاريخ مصرنا الحبيبة.
هذا التضارب في المشهد يفرض علينا أن نقولها لكم وبكل صراحة ووضوح وشجاعة: لا خير فينا إن لم نقلها ولا خير فيكم إن لم تسمعوها..
إن الجيش الآن ليس هو الجيش في 25 يناير، وكذلك الميدان الآن ليس هو ميدان 25 يناير، عندما نشاهد هذا الاعتداء الهمجي من الجيش على معتصمي الميدان نزداد قناعةً أن هذا الجيش ليس جيشنا الذي عرفناه، وعندما نشاهد هذا التخريب المتعمَّد من بعض المعتصمين لتراث مصر نزداد يقينًا أن هذا الميدان ليس ميداننا الذي عهدناه.
فجيش 25 يناير الذي وضع روحه على كفه عندما انحاز للميدان رغم صدور الأوامر له بتسوية الميدان بالأرض- نعم لم يكن كل المجلس العسكري مع الميدان، فمنهم من أراد أن يُمسك العصا من المنتصف فلا يُظهر تعاطفًا مع الميدان ولا يُبدي ولاءً كاملاً للنظام، كما كان هناك من أعضاء المجلس من لم يكن مع الميدان- هذا الموقف الشجاع جعل الميدان يهتف بقلوب مطمئنة: "الجيش والشعب إيد واحدة"، لقد كان جيش 25 يناير متسقًا مع تاريخه النضالي لحماية الدولة والشعب ولم يُضحِّ بتاريخه كما ضحَّى مبارك بتاريخه وجغرافيته من أجل سلطة زائلة له ولابنه من بعده.
جيش 25 يناير أقبل على الإعلام، وأظهر رجاله تواضعًا في التعامل مع الإعلاميين، وأرسل رسائل طمأنة لكل الشعب المصري، هذا الجيش (اللواء الفنجري) أدَّى التحية العسكرية لشهداء 25 يناير.
أما الجيش الآن وبعدما أصبح آمرًا متحكمًا في كل مقاليد الحُكم، فقد أظهر أطماعًا لم تكن موجودةً، وأصبح أكثر غلظةً في تعامله مع الثوار (بل ألصق بهم تهمة البلطجة)، وأكثر حرصًا ليس على السلطة السياسية، ولكن على السلطة الاقتصادية (35% من اقتصاد الدولة يديره الجيش وتقدَّر ميزانيته بنحو 15% من إجمالي الناتج المحلي)، وتأكد هذا المعنى في تصريح الدكتور علي السلمي في "أهرام" السبت (10/12/2011م) بأن المادتين 9، 10 من وثيقته قد وضعهما الجيش، وتعامل الجيش مع الإعلام بتعالٍ، فرأينا اللواء ممدوح شاهين يُعنِّف مذيع قناة "الحياة" عندما جعله ينتظر على الخط بعض الوقت، بل قام اللواء بغلق الخط في وجه المذيع والمشاهدين! كما رأينا مَن يهدد الصحفيين بالطرد من المؤتمر الصحفي ومن يضيق صدره بأسئلة الإعلاميين.
كذلك الميدان الآن ليس هو ميدان 25 يناير، فميدان 25 يناير قدَّم صورةً حضارية مُشرفةً لمصر، أبهرت العالم كله، فلم يكن في الميدان سوى الشباب الثائر، ومن انضمَّ إليهم من الشعب الذي عانى من التهميش والتجويع والاضطهاد، كان الميدان أكثر حكمةً، فعبَّر عن كل ما يريد بجملتين قصيرتين؛ الأولى: "الشعب يريد إسقاط النظام"، والثانية: "ارفع رأسك فوق.. انت مصري".
كان الميدان حضاريًّا، فبدا حريصًا على نظافة المكان، وحتى بعد سقوط مبارك لم يترك الثوار الميدان إلا بعد تجميله، كان الميدان متكافلاً، فرأينا الثوار يتقاسمون الطعام والشراب، كان الميدان منظمًا، رافعًا شعار: "سلمية سلمية"، فغابت عنه حالات التحرش والسرقة، وكل المشكلات التي تنتج في الزحام، وكان الميدان كله على قلب رجلٍ واحد (مسلمون ومسيحيون.. رجال ونساء.. شباب وشيوخ).
أما الميدان الآن فحدث ولا حرج، تغير تكوينه السياسي والاجتماعي، فأصبح فيه بعض الثوار، وانضاف لهم كذلك أطفال الشوارع والباعة الجائلون وأيضًا بعض البلطجية، بل أصبح وجهة مَن لا وجهة له، أصبح الميدان تتلقفه الأهواء، حتى رأينا الذي يشعل النيران في المجمع العلمي وهو يرقص فرحًا بما يفعل، غير مدرك لما فيه من قيمة علمية، وغاب عنه كثير من الحكماء والعقلاء مما أفقده تعاطف كثير من الشعب المصري، وعلت بعض الأصوات بشعار جديد: "الشعب يريد تطهير الميدان"، ولم يعد ميدان التحرير وحده هو رمز الثوار، بل نازعته ميادين أخرى هذه المكانة (ميدان العباسية على سبيل المثال).
هذا الأداء المضطرب من الجيش والمرتبك من الميدان سوف يؤدي إلى خسارة جميع الأطراف، فإذا كان رصيد الجيش في قلوب الناس قد نفد كثير منه في الشهور العشرة الفائتة نتيجة تباطئه، فإن الخطورة تكمن في أن ينتهي هذا الرصيد تمامًا؛ نتيجة هذه السياسات المرتبكة والمقلقة في الوقت ذاته، وتكون خسارة كبرى لمصر.
وكذلك إذا استمر الميدان على ما هو عليه الآن فسوف يخسر تعاطف كل الشعب المصري معه، ويصبح معبرًا فقط عن المعتصمين ويفقد رمزيته لكل ثوار مصر؛ لذا نقول للجيش: بالأمس حميت الثورة والثوار بكل شجاعة، والآن ننتظر منك أن تحمي الدولة بشكل يتناسب مع حجم الأخطار التي تتعرض لها البلاد في الداخل والخارج، دون النظر إلى أي مغانم أو مكاسب.
ونقول للميدان: نعتقد أن الميدان كوسيلة أدى دورًا كبيرًا، وأنجز أهم إنجازات الثورة المصرية المباركة، فاستطاع أن يُسقط النظام الفاسد وأعاد للشعب إرادته وكرامته، ولكن من المؤكد أن الميدان لا يستطيع أن يؤدي وحده وبمفرده كوسيلة كل الإنجازات المطلوبة والمستهدفة، أعني أنه يجب أن تتعدد الوسائل وتتعدد الأدوار لكي نستطيع أن نبني نظامًا جديدًا ديمقراطيًّا، وتتكاتف الجهود في بناء مؤسسات الدولة (المؤسسة التشريعية بغرفتيها الشعب والشورى، ومؤسسة الرئاسة، وإعداد دستور قوي يليق بمصر كدولة كبيرة)، وأن يكون الثوار على قلب رجل واحد، وألا نترك في صفوفنا ثغرات ينفذ منها من يلطخ سمعة الثورة والثوار.
----------
* أستاذ مساعد بجامعة المنصورة- دبلوم الدراسات العليا في العلاقات الدولية السياسية.