زوج محبط- مصر:
السلام عليكم..
أرجو المعذرة للإطالة، واشكر سعة صدركم.. أنا شاب عمري 29 عامًا، متزوج ولله الحمد منذ سنة ونصف، وزوجتي تعمل مُعلِّمة.
بدأت فترة الخطوبة بمشاكل من أهلي لإتمام الزواج، وخاصةً على القائمة؛ ولكن لم يكن هذا السبب الرئيسي، ولكن أنا والدتي متوفاة من 15 سنة، ولنا زوجة أب هداها الله.. المهم أنا صممتُ على الزواج من زوجتي الحالية، وقاطعني أهلي فترة، ولكن عادت العلاقة مرةً أخرى، ومنذ بداية الزواج وأنا أواجه مشاكل كثيرة مع زوجتي؛ حيث إن طبيعة نشأتها أيضًا كانت صعبة، ولكن ليست أسوأ مني.. المهم أنا عاملتها منذ البداية بلطف وحنية واهتمام غير عادي؛ حتى أداوي جراحها، ولكن بلا فائدة!!
فما أكثر الخناقات التافهة على أية صغيرةٍ أو كبيرة، ومنذ شهر مارس الماضي حدثت مشكلة كبيرة بينها وبين أهلي؛ حيث إنها سبَّت أبي ولم تسمع كلامي، وقاطعني أبي بعدها، لأني لم أطلقها، وذلك بعد تدخل إخواني لعدم الطلاق؛ ولكن في هذه المشكلة هي خسرت أختها الأكبر منها سنًّا المتزوجة، وخسرت الأخت المربية لها لأنهما وبخاها بشدة، ولم يعد لها أشخاص مقربون تتقبَّل منهم أية نصيحة، إضافةً إلى ذلك أنها تركت العمل الدعوي ومع أنها مخطئة لم تنسَ هذا الموضوع ومصممة على أنني لم آخذ لها حقَّها!!
ومن بداية الزواج أيضًا كانت كثيرًا ما تُكسِّر كلامي، وكانت لا تعطيني حقَّ الفراش، وكانت تتمنع لأي سبب، وكنتُ أتحملها إلى أن زاد هذا الموضوع بشدة، فقررت أن أطلقها لعدم قدرتي على التحمل أكثر من ذلك، ولكن عند القدوم على هذه الخطوة، حملت وذلك من شهرين، ومع ذلك لم تتغير وما زالت تُكسِّر كلامي وتفتعل المشاكل ذهبتُ بها لأكثر من دكتور وقالوا إن ما بها ليس مرضًا عضويًّا، ولكنه مرض نفسي.. فقررنا الذهاب إلى طبيب نفسي، ولكنها امتنعت ولم تقتنع.
حدثت مشكلة بيننا منذ 5 أيام وجعلتها تذهب إلى أهلها على أنني سأُنهي إجراءات الطلاق خلال هذا الشهر؛ ولكن إخواني يقولون لي تزوج عليها أفضل من أن يتربى ابنك بعيدًا عنك، وكيف ذلك وأنا لا أستطيع أن أتحمَّل مصاريف الزواج بأخرى، وفي نفس الوقت الحياة كئيبة منذ أن تزوجتُ، ولا أريدُ أن أعصي الله بل كنتُ أتصور أن الزواجَ سيكون حافزًا واستقرارًا ولكن لم يحدث ذلك.
أفيدوني بالله عليكم بالحل، وآسف للإطالة.
يجيب عنها: الدكتور أسامة يحيى الاستشاري الاجتماعي في (إخوان أون لاين):
بسم الله الذي سجد له مَن في السماوات ومَن في الأرض، وصلاةً وسلامًا على خير خلقه وخاتم رسله.
لم يعد من المستغرب في هذا العصر كثرة الخلافات والمشكلات والمنازعات وعدم الوفاق بين الزوجين حديثي العهد بالزواج إلى مستوى هدَّد استقرار الحياة الزوجية واستمرارها بينهما.
لم يعد من المستغرب تفكك الحياة الزوجية ربما قبل أن يأتي الأطفال إلى الدنيا وتكتمل بهم الأسرة؛ ولذلك أسباب كثيرة متشابكة ربما سيأتي ذكر بعضها في سياق تحليل هذه المشكلة.
ولنبدأ من أول القصة.. فصحة النهاية من صحة البداية..
إن تصميمك يا بني على الزواج على غير رغبةِ أهلك لدرجة مقاطعتهم لك نكبة كبيرة نزعت كثيرًا من بركة هذا الزواج، فكانت بدايةً غير موفقة من الممكن أن تفضي إلى نهايةٍ غير مرضية.
لقد نسيتَ أن الزواج ليس ارتباطًا بين شاب وفتاة وفقط، وإنما هو ارتباط ممتد يشمل أسرتي الشاب والفتاة، وأن ارتياح جميع الأطراف بهذا الزواج يُحقق الكثير من الاطمئنان ويمثل صمام أمان يقي الحياة الزوجية من سلبيات ما يعتريها من اضطراباتٍ ومشكلاتٍ حتمية الوقوع.
ثم.. كثرة الخلافات التافهة بينك وبين زوجتك على أية صغيرة وكبيرة لدليلٌ على فقدكما لأهم أركان استقرار الزواج، وهو الاحترام المتبادل الذي يُهيئ الأجواء الإيجابية للإنصات للآخر واعتبار كلام الآخر وتقبُّل رأي الآخر، بل ويرقى للسعادة بالتحاور مع الآخر والأنس بالاستماع إلى الآخر.. احترام لا يعرف تكسير كلام ولا يعرفه تمنع وحرمان.
كثرة الخلافات التافهة بينك وبين زوجتك على أية صغيرة وكبيرة لدليل على عدم تقديم كليكما للآخر الدعم المناسب في التوقيت المناسب وبالجرعة المناسبة.
كثرة الخلافات التافهة بينك وبين زوجتك على أية صغيرة وكبيرة لدليلٌ على عدم تفهمك أنت لها كامرأة بنفسيتها وطبيعتها المختلفة عنك تمامًا وعدم تفهمها هي لك كرجلٍ له نفسيته وطبيعته المختلفة عنها تمامًا.. (وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى) (آل عمران: من الآية 36).
إن عدم تفهمك للاختلافات الطبيعية والنفسية بين الرجل والمرأة تجعلك تعاملها وكأنها رجل مثلك!! وأن عدم تفهمها للاختلافات الطبيعية والنفسية بين الرجل والمرأة يجعلها تعاملك وكأنك امرأة مثلها!!
ولنضرب على ذلك مثالين للتوضيح رغم خروجهما عن السياق..
الرجل يريد من زوجته أن تصمت كثيرًا وكأنها تُؤثر الصمت مثله، وهي تريد منه أن يتحدث معها كثيرًا وكأنه يُفضِّل الكلامَ مثلها.. وهو يريدها أن تنتهي من عملية الشراء سريعًا مثله وهي تريد منه أن يستمتع بعملية الشراء طويلاً مثلها.. إنه واقعٌ كثير التكرار أليم الآثار.. يعامل الرجل زوجته وكأنها رجل مثله وتعامل المرأة زوجها وكأنه امرأة مثلها.
إن تفهم الرجل والمرأة لطبيعة شريك الحياة ونفسيته يساعد على التماس الأعذار له بما يقول ويفعل بل ويحترم هذا الاختلاف ويُقدِّره ويُشعر بجمال تكامله ويغمره روعة وجود شريك في الحياة يشاركه الحياة، وقد يرقى الحال ليستمتع كل زوجين بهذه الاختلافات النفسية تمامًا، كما يستمتعا جنسيًّا بالاختلافات الجسدية.
كثرة الخلافات التافهة بينك وبين زوجتك على أية صغيرة وكبيرة قد يؤدي إلى ضعفٍ في جودة العلاقة الجنسية كمًّا وكيفًا.. فعدم إقبالها عليك وتمنعها لأي سببٍ قد يكون مبعثه خلافاتك المستمرة معها أو حالتها النفسية المتردية أو غيرها من الأسباب.. فالمرأة تخفت لديها رغبتها الجنسية في زوجها إذا كانت الحياة بينهما متوترة متقلبة زاخرة بالمشاكل.
كثرة الخلافات التافهة بينك وبين زوجتك على أية صغيرة وكبيرة قد تكون لها جذور من الماضي من نشأتكما الصعبة التي من الممكن أن تترك بصماتها القاتمة على حياتكما الحاضرة والمستقبلية.
لقد خسرت زوجتك في المشكلة الأخيرة التي سبَّت فيها أباك خسرنًا كبيرًا.. خسرت أختها الكبرى وأختها المربية ووالدك وأنت، كما تركت العمل الدعوي وملأها الشعور بالظلم لأنك لم تقف بجوارها، وأنها بالتأكيد اشتكت من أوجاع متعددة ومتفرقة بجسدها مما دفعك لتعرضها على طبيب.
أرتال من الخسائر الفادحة صنتعها بنفسها ضد نفسها أولاً ثم ضد مَن حولها، وهم أغلى ما عندها، وقد يكون لديها سبب مقنع بالنسبة لها لهذه الأفعال، ولكنها في مجموعها تدل على أن لديها خللاً نفسيًّا، ولقد أحسنت بعرضها على الطبيب الذي أوضح لك أن شكواها وآلامها ليست ناتجةً من أسباب عضوية وإنما سببها نفسي، وهي- في الغالب- بها مرض نفسي.
إن زوجتك يا بني بهذه الصورة في مسيسِ الحاجة لمختص يداوي وليس لزوجٍ يعاتب ويعاقب.. مسيس الحاجة إلى الشفقة وليس القسوة.. مسيس الحاجةِ لأن يؤخذ بيدها لا أن تُضرب على يدها.. مسيس الحاجة لتفهمها ومرعاة حالتها أكثر من حاجتها لتوبيخها وإفهامها واجباتها.
ورفض زوجتك الذهاب إلى طبيبٍ نفسي أمر شائع الحدوث.. فرفض المريض النفسي للذهاب إلى الطبيب النفسي ينبع من اعتقاده أنه "ليس بمجنون" وأنه ليس بحاجةٍ إلى علاج بل ربما يتصور أن مَن حوله هم الذين في حاجةٍ إلى العلاج.. وهذا ما حدث مع زوجتك.
وهنا يجب أن نلجأ إلى طريقةٍ من ثلاث حتى نذهب بها إلى الطبيب النفسي وتتناول ما يصفه من دوائه: إما بالإقناع وهذا أفضل الطرق ولكنه أشقها وأصعبها أو بالاحتيال وهذا أرق الطرق ولكنه يحتاج إلى حرفيةٍ في التمثيل عالية أو بالقوة وهذا أقسى الطرق وأسرعها فاعليةً، مع الأخذ في الاعتبار أن الشفاء الكامل في حالات بعض الأمراض النفسية قد يستغرق وقتًا طويلاً، والطب النفسي يا بني تقدَّم كثيرًا في هذا الزمان.. ولقد جعل الله برحمته لكل داءٍ دواء.
يا بني.. أراد الله الرحمن الرحيم أن يرزق زوجتك التي تحتاج إلى عناية خاصة بزوجٍ مثلك يحنو عليها ويشفق، ويصبر عليها ويرق، خاصةً أنها ستصبح بعد قليل أُمًّا لولدك.. وإنني لأتصور أن زوجةً تحتاج إلى رعايةٍ طبيةٍ خاصة ومعاملة نفسية خاصة ولم تتلقَّ من زوجها هذه الاحتياجات فستكون مقصرًا أبلغ تقصير، وسيعتري حياتها ألم يتلوه ألم وتتكالب عليها الهموم والأوجاع والأمراض وتفقد الاتزان والأمان والاطمئنان، فيبدو منها أقوال وأفعال سلبية؛ وذلك الذي يحدث مع ومن زوجتك.. ولذلك فأني أحمد الله الرحمن الرحيم لأنه رزق زوجتك بمَن هو مثلك ليتحملها ويصبر على علاجها حتى يتم شفاؤها وتعود كما يحب زوجةً طائعةً رائعةً.. فهذا الصبر وذاك العمل هو ما يجب أن يتم نحوها وهو باب لثواب عظيم وأجر كبير إن شاء الله تعالى.
يا بني.. خذ زوجتك إلى طبيب نفسي الآن وبأية طريقةٍ من الطرق السالف ذكرها، ولا تنتظر أكثر من ذلك فقد طال إهمال حالتها فتفاقمت.. وانظر إليها من زاوية غير التي كنت تراها عليها.. نظرة تملؤها الشفقة والرحمة وعرفان بالجميل.. واصبر على علاجها والمداومة عليه حتى الشفاء بإذن الله تعالى.
أما إن كان صبرك قليلاً وحالك وبيلاً- وهذا وارد جدًّا- فسر في أمر زواجك بثانية جنبًا إلى جنبٍ مع علاجها، واجتهد في جلبِ ما يزوجك بثانيةٍ ولو على القليل، وستجد من بنات حواء من ظروفها تسمح بالزواج منك على أي حالٍ ولو كان بسيطًا.
وكما تجتهد في الحصول على زوجة ثانية لا بد أن تجتهد أكثر في حصول زوجتك على حقها في العلاج الطبي والنفسي وتلقيها ما تستحق كزوجة كريمة من رعاية واهتمام، أما أمر طلاقها منك فاصرفه عن ذهنك تمامًا ففيه ظلم كبير لك ولها ولطفلك الذي ما زال جنينًا في أحشائها.
والله أسأل أن يهبك الصواب في القول والعمل، ويشرح صدرك لما يحب ويرضى.