إنه من الحمق أن يكون عند الرجل ثروة ضخمة من المال، ويمد يده للآخرين مقترضًا أو متسولاً، نعم إنها حماقة؛ فالوضع الطبيعي أن يوظف ماله لإشباع حاجاته، واستخدامه في تجاراته وأعماله ليدر عليه ربحًا يتعيش منه هو وأولاده.
وهذا ما يحدث مع كبارنا وحكامنا وبعض علمائنا، فنراهم يستعيرون القوانين والتوجيهات الوضعية، التي وضعها الغرب، مع أن عندنا الكفاية في قرآننا الكريم، وسنة نبيه، وعمل السلف الصالح.
وفي هذا المقام نلقي نظرة على حِكَم لقمان عليه السلام وهو نبي من أنبياء الله على قول وحكيم لا نبيًّا على قول آخر، وهذا الخلاف لا يهمنا في شيء.
ونعتمد على القرآن الكريم بمثال واحد في مجال تربية الأبناء كما جاء في سورة لقمان:
(وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (13) وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنْ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (15) يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (16) يَا بُنَيَّ أَقِمْ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنْ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ (17) وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (18) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (19)) (لقمان).
وقد تضمنت هذه الآيات توجيهات في العقيدة والعمل والأخلاق والسلوك، نشير إليها- بإيجاز شديد- في السطور الآتية:
1- الإيمان بالله، وتنزيه النفس عن الشرك؛ لأنه ظلم للنفس إذ يقودها إلى النار، وظلم للمجتمع؛ لأن التمثل به يؤدي إلى تدمير المجتمع وخرابه، وشيوع الفساد فيه.
2- حسن معاملة الوالدين والإحسان إليهما، وخصوصًا الأم التي تحملت المتاعب والآلام لوضع مولودها.
3- طاعة الآخرين يجب أن تكون طاعةً بصيرة، لا تتعارض مع الإيمان بالله والقيم الإنسانية العليا، حتى لو كان الأمر صادرًا من الوالدين، وقد أوجب الله على الأبناء طاعتهما.
4- الله سبحانه وتعالى هو العليم بكل شيء، وعلمه مطلق لا حدود له.
5- من القيم الإنسانية العليا الإيمان العملي بالثلاثية الآتية:
أ- إقامة الصلاة؛ فالصلاة نور، وهي عماد الدين.
ب- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بكل ما يملك الإنسان من وسائل، فقد قال عليه الصلاة والسلام " من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان ".
ج- الصبر على ما ينزل بالإنسان من مصائب، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قال: " الصبر ضياء "، وقد ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أمر المؤمن كله خير: إن أصابته نعمة شكر، وإن أصابته مصيبة صبر، والمسلم يثاب على الشكر والصبر.
6- التواضع من أهم صفات المؤمن الحقيقي، لذلك شدد القرآن الكريم النهي عن التكبر والغرور.
7- الاعتدال والوسطية بمفهومها الشامل، وقد قال تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا....) (البقرة: من الآية 143).
وقد أشارت الآية التي جاءت على لسان لقمان إلى الوسطية بالمشي، وأنا أفهم منه مسيرة السلوك: المشي في الطريق، والمشي في حل الأمور والمشي في التعامل، أي الاعتدال في السلوكيات، وقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما عُرض عليه أمران إلا واختار أيسرهما.
8- وغض الصوت يعني خفضه واعتداله، وقد نهى الله عن الجهر بالصوت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وأثنى على قوم يغضون أصواتهم، وذم قومًا يرفعون أصواتهم وذلك في قوله تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ (2) إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (3) إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (4)) (الحجرات).
ومن بلاغة القرآن الكريم أنه يسوق كل توجيه من التوجيهات السابقة معللاً مسبَّـبًا حتى يقبله المسلم بنفس مقتنعة قانعة مطمئنة.
وأكرر أنني قد توخيت الإيجاز الشديد فيما قدمت، داعيًا الله أن أكون موفقًا فيه.
-------------------