- "الغضب" و"الجمل" و"ماسبيرو" و"محمد محمود" و"الوزراء" الأكثر دموية
- "الاستفتاء" و"انتخابات النقابات" و"برلمان الثورة" توجت كفاح الشعب
- اللجان الشعبية قضت على محاولات المخلوع وأتباعه لترويع المصريين
- طوابير الانتخابات المصرية الأطول والأكثر إيجابية في تاريخ الديمقراطية
- الافتتاح الكبير للمركز العام للإخوان المسلمين بعد عقود من الظلم
- ولادة عشرات الأحزاب السياسية الجديدة وعلى رأسها "الحرية والعدالة"
- خبراء: الشعب المصري ضرب أروع الأمثلة في الثورة والإيجابية والبناء
إعداد: قسم التحقيقات
2011 م عام سجلت أحداثه ثورة الخامس والعشرين من يناير بحروف من نور، خالطتها دماء الشهداء في ميادين مصر؛ لتقتلع النظام البائد من جذوره، وتمنح شعبها الحرية والعزة والكرامة.
ونجح الشعب المصري في الحفاظ على مكتسبات ثورته رغم محاولات فلول النظام البائد والمنتفعين من أنصاره للنيل من هذه المكتسبات من خلال افتعال الأزمات، ومحاولات الإيقاع بين عنصري الأمة.
بداية العام كانت مختلفة عن غيره؛ حيث كان المعتاد أن يشهد اليوم الأول من العام من احتفالات المصريين بالعام الجديد، إلا أن 2011 م أبى أن يكون كذلك، فبدأ بكارثة إنسانية من العيار الثقيل، ففي الساعات الأولى منه حيث عشية احتفالات المسيحيين بأعياد رأس السنة الميلادية، قام مجهولون بتفجير كنيسة القديسين مار مرقص والبابا بطرس بمنطقة سيدي بشر بالإسكندرية، وهو ما أسفر عن سقوط 21 ضحية، وتسبب في ضرب للوحدة الوطنية للأمة المصرية في مقتل، لولا أن تداركته حكمة المصريين وروابط الأخوة بينهم.
تصدر المشهد السياسي لهذا العام خروج المصريين بالملايين إلى شوارع مصر مطالبين بإسقاط النظام الذي جثم على صدورهم لمدة ثلاثين عامًا، عانى فيها المصريون من تفشي الفساد في كل مناحي الحياة من آلام الجوع والفقر والظلم والاضطهاد والكبت السياسي، والأمراض الاجتماعية، والكساد الاقتصادي، والتدهور الصحي، وغياب العدالة الاجتماعية، خاصة بعد التزوير الفج الذي شهدته العملية الانتخابية في نهاية العام 2010م، ظن الشعب بعد كل هذا أن دولة العدل قد ماتت، وأنه لا أمل في الإصلاح أو التغيير، الأمر الذي جعل الملايين من أبنائه يخرجون للمطالبة بإسقاط ومحاكمة النظام الذي تسبب في إهانة المصري وتغييبه في غياهب الجهل والتخلف.
ونجح إصرار المصريين وبسالتهم في إسقاط النظام في 18 يومًا، وتقديم الرئيس السابق للمحاكمة ليظهر المخلوع وأبناؤه وسدنته في قفص الاتهام في محاكمة نادرة لم تشهد مصر ولا العالم العربي كله مثلها؛ ليبعث هذا المشهد برسالة جديدة، وهي التأسيس لدولة يسودها العدل ويحكمها قانون الحق.
أفرزت هذه الثورة شبابًا قادرًا على أن يضع على عاتقه مسئولية تطوير هذا البلد؛ حيث شكل الشباب الغالبية العظمى من المخططين والمشاركين في هذه الثورة والداعين لها.
ضربت هذه الثورة نموذجًا فريدًا يَقتدي به العالم كله في السلمية والتحضر الأمر الذي أبهر الجميع، وتحدث عنه معظم رؤساء دول العالم بفخر وعزة، فقال الرئيس الأمريكي أوباما: "يجب أن نربي أبناءنا ليصبحوا كشباب مصر".
أما ديفيد كاميرون رئيس وزراء بريطانيا فقال عن الثورة المصرية: "علينا أن نفكر جيدًا في تدريس الثورة المصرية في المدارس"، وأعرب بيرلسكوني رئيس وزراء إيطاليا السابق عن سعادته بالثورة المصرية بقوله: "لا جديد في مصر.. فقد صنع المصريون التاريخ كالعادة"، وعبَّر ستولتنبرج رئيس وزراء النرويج عن سعادته بنجاح الثورة قائلاً: "اليوم كلنا مصريون".
جمعة الغضب
بدأ اعتصام الثوار في ميدان التحرير بشكل واقعي يوم جمعة الغضب 28 يناير التي شهدت سلسلة من الاعتقالات لأعداد كبيرة من النشطاء السياسيين، وثلثي أعضاء مكتب الإرشاد لجماعة الإخوان المسلمين، ومجموعة من قياداتها على مستوى الجمهورية في أول ساعات جمعة الغضب، وفي صباح هذه الجمعة استيقظ المصريون على قرار أصدرته وزارة الاتصالات بوقف خدمات الإنترنت والرسائل القصيرة (sms) والاتصال عبر الهواتف المحمولة في جميع أنحاء الجمهورية، بالإضافة إلى حرب أعلنها الأمن على المتظاهرين بدأها بالقنابل المسيلة للدموع، واختتمها بالرصاص المطاطي الذي أدى إلى سقوط أعداد تقدر بـ100 من الشهداء متأثرين بجراحهم، واختتم هذا اليوم الحافل بالأحداث بمشهد لم تعرفه مصر من فوضى عارمة بدأت بالانسحاب الأمني الكامل من شوارع الجمهورية، وإطلاق المساجين إلى الشوارع؛ لإحداث حالة من السلب والنهب نهاية بنزول قوات الجيش بمدرعاتها إلى الشوارع، وكان هذا اليوم أول مسمار دقه الثائرون في نعش النظام المخلوع.
موقعة الجمل
وفي مشهد يعود للعصور الوسطى فوجئ الثوار المعتصمون بميدان التحرير يوم 2 فبراير 2011م على هجوم بالجمال والخيول من بلطجية مأجورين من قيادات الحزب الوطني المنحل وتابعين لجهاز الشرطة، في محاولة لإخلاء الميدان من المعتصمين تحت غطاء مكثف من قناصة الداخلية وضباط أمن الدولة المنحل، واستمرت المعارك بين المعتصمين بالحجارة وزجاجات المولوتوف، من الثانية ظهر الأربعاء 2 فبراير حتى صباح الخميس 3 فبراير بعد انسحاب قوات الجيش من الميدان التي آثرت أن تعطي فرصة أخيرة للنظام البائد لإخلاء الميدان، وفرض سطوته التي تبددت يوم جمعة الغضب.

وتجددت الاشتباكات مرة أخرى في اليوم التالي 3 فبراير بين البلطجية والثوار العزل، وكانت محصلة هذه الموقعة سقوط 135 شهيدًا وأكثر من 2000 جريح.
جمعة النصر
فرحة غامرة بمصر برحيل الطاغية
الجمعة 11 فبراير 2011م "جمعة انتصار الإرادة الشعبية"، جمعة تحقيق الحلم، التي زحف فيها عشرات الآلاف إلى قصر العروبة لإجبار المخلوع على التنحي، وهو ما حدث فعليًّا، وخرج نائبه عمر سليمان ليعلن بيان التنحي؛ لتنطلق معه صيحات النصر، وتغرق شوارع مصر وأزقتها فرحة غامرة ملتفة في علم مصر، وتضيء سماؤها بأنوار الحرية، ليذهب مبارك غير مأسوف عليه وتبقى إرادة الشعب عالية.

ثم بدأت المرحلة الانتقالية بتعطيل العمل بدستور 1971م، وحل مجلس الشعب والشورى، ثم تشكيل لجنة لصياغة التعديلات الدستورية المقترحة لتمهيد الطريق لإجراء انتخابات جديدة، ومن ثم تسليم السلطة لرئيس مدني منتخب، وخرج ما يقرب من 18.5 مليون مصري في مشهد تاريخي لم تشهده مصر من قبل للإدلاء بأصواتهم في التعديلات الدستورية في شهر مارس الماضي، والتي جاءت نتيجة الاستفتاء عليها مؤيدة بنسبة 78%.
ومن أبرز المواد المعدلة هو تقليص فترة الرئاسة إلى 4 سنوات فقط، ولا يجوز إعادة انتخاب رئيس الجمهورية إلا لمدة واحدة ثانية فقط، كما أدخلت التعديلات الإشراف القضائي على الانتخابات بعد أن ألغاها النظام البائد، هذا إلى جانب تقليص سلطة رئيس الجمهورية في فرض حالة الطوارئ، وإلزامه بتعيين نائب له، كما أزالت التعديلات العوائق على الترشح لرئاسة الجمهورية.
حكومات متعاقبة
شهدت فترة الثورة وما بعدها تعاقب عدد من الحكومات المتتالية التي رفضها الشعب كاملة، والتي كان تغييرها واحدة تلو الأخرى، وتقديم عدد من التنازلات بتعديل بعض المواد الدستورية، وإلغاء الأخرى محاولة من النظام المخلوع لتخدير الجماهير، وإقناعهم بترك ميدان التحرير.
ولم يخل العام من مشاهد الفتنة؛ حيث حاولت أصابع النظام البائد وفلوله استغلال الظروف لزرع الفتنة والفرقة بين الشعب المصري، تطاولت خلالها أيديهم القذرة للعبث بالوطن، فقاموا بإشعالها من خلال إشعال النيران ببعض الكنائس على مدار العام، مثل كنيسة أطفيح، وإمبابة، وأسوان، إلا أن وعي الشعب المصري بهذه المؤامرات والدسائس حال دون نجاحها، على أن استمرار حالة الانفلات الأمني التي تعاني منها الشوارع المصرية زادت من حدَّة هذه الاضطرابات.
كما شهد الشارع المصري بعض الأحداث التي عكرت صفوه، وذلك مثل أحداث البالون، والتي بدأت شرارتها الأولى بعد صدور حكم القضاء بحل المجالس المحلية التي كان يسيطر عليها فلول النظام البائد، بالإضافة إلى الاتجاه لعزل 10 من قيادات وزارة الداخلية من أعوان حبيب العادلي، وذلك في شهر يونيو الماضي؛ حيث قامت قوات الشرطة بالاعتداء على أهالي الشهداء أمام مسرح البالون، والتي استغلها بلطجية اندسوا بينهم؛ مما أثار غضب الشباب ودفعهم للنزول للدفاع عن أهالي الشهداء، ثم استمرت قوات الشرطة في استخدامها للعنف ضد المتظاهرين، مما زاد من تفاقم الأحداث.
وتأتي بعد ذلك محطة ماسبيرو؛ حيث تصاعدت الأحداث بعد الاعتداء على كنيسة إمبابة أكتوبر الماضي؛ لتسفر عن 24 حالة وفاة، و272 مصابًا، كما أعلنت وزارة الصحة في بيانها.
وجاءت أحداث شارع محمد محمود قبيل إجراء الانتخابات البرلمانية بأسبوع؛ حيث حاولت قوات الشرطة والجيش فض اعتصام ما يقرب من 200 من مصابي الثورة وأهالي الشهداء، مستخدمين في ذلك أقصى درجات العنف، الأمر الذي أعاد إلى الأذهان مشاهد جمعة الغضب؛ مما أدى إلى اشتعال الأحداث بشكل سريع نتج عنه سقوط 41 شهيدًا، فضلاً عن مئات المصابين.
أما الحلقة الأخيرة لمسلسل الفتنة، فجاءت من خلال أحداث مجلس الوزراء، والتي اشتعلت بعد اشتباك قوات الجيش مع عدد من المعتصمين أمام مقرِّ مجلس الوزراء؛ حيث استمرت الأحداث عدة أيام أسفرت عن سقوط 17 ضحيةً و46 مصابًا، ثم انتهت بكارثة حريق المجمع العلمي وهيئة الطرق والكباري.
برلمان الثورة
طوابير الناخبين تمتد لمئات الأمتار
عكس بدايته تمامًا، أغلق العام 2011م صفحاته بصورة براقة مشرقة؛ حيث استطاع المصريون أن يثبتوا للعالم أنه شعب قادر على ممارسة العملية الديمقراطية بامتياز، إذ خرج ملايين المصريين مصطفين في أطول طوابير شهدتها الديمقراطية؛ على الرغم من ويلات التحذير من خطورة الانفلات الأمني وكثرة الشائعات وانتشار بلطجية فلول الحزب المنحل، ليقولوا كلمتهم ويختاروا نوابهم في أكثر الانتخابات نزاهة في مصر منذ عرفت الانتخابات.

وعلى الرغم من ارتفاع أصوات مَن يدعون أنهم النخبة في أبواقهم الإعلامية عن خطورة التصويت لصالح الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية، إلا أن الشعب كان له رأي آخر، جاء من خلال أول انتخابات برلمانية يشهد لها الجميع بالنزاهة والديمقراطية.
إحياء النقابات
وبدأت النقابات المهنية في حصاد ثمار الثورة؛ حيث عادت إليها روحها بعد أن انتزعها النظام البائد الذي عمل على فرض الحراسة القضائية على أغلبها مثل نقابة المهندسين، وتجميد انتخابات مجالسها لما يقرب من الـ19 عامًا، فبدأت نقابة المعلمين سباق الانتخابات النزيهة لتلحق بها كلٌّ من الأطباء، والمهندسين، والمحامين، والصحفيين، والعلميين، وانتهت بالأطباء البيطريين، ونجحت جميعها في عزل فلول النظام المخلوع، بينما حاز التيار الإسلامي ثقة أغلب النقابات.
كما تحرر اتحاد العمال والنقابات العمالية من قبضة الفاسدين، وذلك بعد قرار المجلس العسكري بحلِّ مجلس اتحاد العمال الذي كان يرأسه حسين مجاور، القيادي بالحزب الوطني المنحل، هذا إلى جانب سيطرة رجال عائشة عبد الهادي وزيرة القوى العاملة السابقة، والمتهمة في قضية موقعة الجمل.
تطهير الإعلام
طالب الشعب المصري بتطهير الصحف القومية، والتي كانت من أهم أذرع الثورة المضادة التي شوهت صورة الثورة وصوَّرَتهم على أنهم عملاء للخارج ومأجورون؛ حيث شهد عام 2011 م حركتين لتغيير القيادات الصحفية، الأولى عندما أصدر يحيى الجمل، نائب رئيس الوزراء الأسبق، في شهر مارس الماضي قرارًا بتغيير قيادات الصحف القومية والمجلس الأعلى للصحافة، ولكن هذه التغييرات لم ترضِ الحالة الثورية ضد كل ما له علاقة بالمخلوع، فصعدت أصوات المطالبين بالتطهير الكامل للصحف الحكومية، لتأتي الحركة الثانية من التغييرات على يدِّ السلمي قبل انتهاء العام بعدة أشهر.
المركز العام للإخوان المسلمين
أسهمت ثورة الخامس والعشرين من يناير في عودة جماعة الإخوان المسلمين بقوة إلى المشهد المصري العام بعد عقود من القمع والمنع والاعتقال، ومصادرة الأموال، والاضطهاد والظلم والتزوير والتشويه، وافتتح الإخوان المسلمون المركز العام للجماعة بالمقطم في مشهد أسطوري حضره رموز مصر وقيادات العمل الإسلامي بمعظم بلدان العالم.
وجاء حزب "الحرية والعدالة" الذي أسسته الجماعة بعد سنوات طويلة من العمل السياسي في ظلِّ أنظمة قمعية حاربت الجماعة وحجبت عنها الشرعية القانونية، بالرغم من شرعيتها الشعبية الضاربة في أعماق الشارع المصري، والتي ظهرت في كلِّ انتخابات شاركت فيها الجماعة، ومورس التزوير والإقصاء ضد أعضائها، ليكلل هذا التاريخ السياسي المشرف ويحصد حوالي 50% من مقاعد المرحلتين الأولى والثانية من الانتخابات البرلمانية المصرية بعد الثورة.
عام الثورة
يرى طارق فهمي، الخبير بمركز دراسات الشرق الأوسط، أن هذا العام حمل الكثير من الأحداث السياسية المهمة والمؤثرة على مستقبل مصر، مشيرًا إلى أن أبرز هذه الأحداث على الإطلاق في هذا العام هو انطلاق ثورة الخامس والعشرين من يناير بكلِّ أحداثها وملابساتها واستحقاقاتها بما خلفته من عناصر إيجابية لم نكن نتوقع حدوثها، ومنها صعود التيارات الإسلامية بعد المحاولات الدءوبة لعرقلة حركتهم في المجتمع.
بالإضافة إلى تحقيق جزء من الطموح السياسي لجماعة الإخوان المسلمين، ووجودهم بهذه الصورة الفاعلة والمؤثرة، وتحولهم من حركة إلى حزب، مؤكدًا أنه لا تخوف من صعودهم؛ لأنهم تيار موجود منذ أكثر من 80 عامًا يمثلون عقل الناس ونبضهم وفكرهم، يعيشون معهم، وتساهم عقولهم وأفكارهم وعلماؤهم في نهضة البلاد، مشيرًا إلى أنهم يدركون صعوبة التركة التي تنوء بحملها الجبال، ولذلك فهم أعقل مَن يحملوها بمفردهم.
استفتاء مارس
إقبال حاشد في كل محافظات مصر
والأجمل في هذا العام كما يرى طارق فهمي هو المشاركة المميزة للجماهير المصرية في استفتاء 19 مارس، ونجاحهم في أول اختبار حقيقي وجدِّي للممارسة الديمقراطية، بالإضافة إلى عودة النقابات التي غيبت لسنوات طويلة عن دورها الأساسي، أما الأغرب فهو عدم ظهور مرشح رئاسي بارز ولافت للأنظار حتى الآن.

ويضيف: إن أهم ما حمله لنا هذا العام من مفاجآت هو صعود التيار السلفي إلى جانب التيار الإخواني، وإبداء الكثير من أفراده قدرة على تعلم السياسة والتعاطي معها، مشيرًا إلى أن أحداث "مسرح البالون، ماسبيرو، أطفيح، محمد محمود، مجلس الوزراء" كانت كلها محاولات شد وجذب بين الثورة وصناعها من جهة، والفلول وأصحاب المصالح الذين تضررت مصالحهم بقيام الثورة من جهة أخرى.
ويشير إلى أن الثورة أفرزت دورًا مهمًّا وحيويًّا للشباب المصري، ودفعت بالعديد منهم نحو الانخراط في العمل السياسي، وتشكيل الكيانات التي تجمع أصحاب الفكر الواحد منهم، مؤكدًا أن قناعة المؤسسة العسكرية بتسليم الحكم لسلطة مدنية هي أيضًا من أهم مكتسبات هذا العام إذا تحققت بسلمية.
عرس الديمقراطية
والأبرز من ذلك كله من وجهة نظر طارق فهمي هو نجاح الانتخابات التشريعية حتى الآن ومخالفتها لتوقعات المتشائمين، مشيرًا إلى أنها قدَّمت دلالات على أن الثورة ستنجح في تحقيق أهدافها، موضحًا أن أبرز هذه الدلالات هو فشل أعضاء الحزب الوطني المنحل في الحصول على مقاعد في هذه الانتخابات؛ مما يشير إلى رشاد وحكمة ونضج هذا الشعب الذي أدرك مَن القادر على حماية مصالحه، وأنه قادر على التعامل مع الثورة المضادة التي حاولت على مدار هذا العام وبكلِّ الوسائل تشويه الصورة الجميلة التي رسمها العالم عن الثورة المصرية، وإلصاق الاتهامات بكلِّ القوى السياسية في المجتمع بكفاءة، معربًا عن أمله في أن يحمل العام الجديد لمصر كل الخير، وأن يكون عامًا من الحرية والفكر والإبداع.
طموح نقابي
د. عبد الفتاح رزق
ويؤكد الدكتور عبد الفتاح رزق، الأمين العام لنقابة الأطباء، أن أهم ما يميز هذا العام على الصعيد النقابي هو إجراء الانتخابات النقابية في جوٍّ من الجدية والنزاهة والشفافية، وتكوين مجالس نقابات جديدة حقيقية ومعبرة عن أعضاء النقابات، الذين أقبلوا بحماس على التصويت في أول انتخابات حقيقية، مشيرًا إلى أن العمل النقابي قبل هذا العام كان مصابًا بالتعطيل والتعويق، وانطلق جزء كبير منه نتيجة اختفاء التدخلات الأمنية والإدارية بعد ثورة يناير، فأدى ذلك إلى تحرره من هذه القيود؛ ليبحث لنفسه عن آفاق جديدة يخرج بها في أحسن صوره.

ويضيف أن العمل النقابي الذي يرضي جماهير النقابيين ويحقق لهم الآمال والطموحات لم تصل إليه النقابات حتى الآن؛ نتيجة الصورة غير المستقرة التي تعيشها البلاد في الفترة الحالية، وغياب السلطتين "التشريعية والتنفيذية" المنوط بهما تحقيق ما يصبو إليه العمل النقابي؛ كتحسين الأجور والمرتبات والبدلات، والتي هي من أهم وظائف مجالس النقابات، وهي تحسين الوضع الاقتصادي لعضو النقابة الذي أولى المجلس ثقته.
ويصف نجاح من ينتمون إلى تيارات إسلامية في الحصول على ثقة جماهير الناخبين في انتخابات النقابات لهذا العام بأنها إفراز طبيعي ومنطقي لشعب سليقته التدين، واختار بمنتهى النزاهة من يعبِّر عن آرائه وطموحاته، وذلك لمَّا توفرت لديه فرصة إجراء انتخابات نزيهة، وأصبح لصوته تأثير.
إعلام الفضائح!
السيد الغضبان
وعلى الصعيد الإعلامي الذي كانت الثورات العربية والأحداث التي تلتها وسبقتها مجالاً خصبًا له ولبرامجه فيرى الإعلامي الكبير السيد الغضبان أن أبرز ما يميز المجال الإعلامي في عام 2011م هو مواكبته لأحداث ثورات الربيع العربي، وأنه استطاع نقل صورة جيدة لهذه الثورات؛ مما جعلها تلقى دعمًا إعلاميًّا ساعدها على النجاح وعلى تواصل الدعم بين الشعوب الثائرة والشعوب الأخرى، وخلْق روح تنافسية بين الشعوب على الثورة؛ لإسقاط الأنظمة العربية الفاسدة.

ويشير إلى أن مؤشر الإعلام بدأ ينحدر، فبعد أن أطاحت الثورات العربية بأنظمة الحكم المستبدة بدأ الإعلام يتجه إلى البحث عن الإثارة والفضائح بغضِّ النظر عن التأثير السلبي لهذه الأخبار على مستقبل البلاد، فبدلاً من أن يتجه إلى البناء كان بعضه يسعى إلى الهدم.
ويبين أن عام 2011 م شهد تحولات كثيرة على الصعيد الإعلامي، فالإعلام الرسمي أصبح لديه قدر لا يستهان به من الحرية، وخصوصًا في البلاد التي طهرتها الثورات العربية، مشيرًا إلى أن هذه الثورات أتت بثمارها على الإعلام الخاص، فبدأ يتحول بعد الثورة من إعلام ترفيه إلى إعلام إخباري مواكب للأحداث لحظة بلحظة.
ويوضح الغضبان أن جريمة الإعلام الرسمي في تغطيته لأحداث الثورة المصرية في عام 2011م من أسوأ الأحداث في هذا العام على الصعيد الإعلامي؛ حيث شابها تزوير وتجاهل للحقائق وطمس لمعالمها، مؤكدًا أن بطء عملية الإصلاح في الإعلام الرسمي ما زالت موجودة بقوة، وأن بعض آفات إعلام ما قبل الثورة لا تزال به بعد الثورة رغم التعديلات الكثيرة التي حدثت به، مشددًا على أن هذه الآفات لا يمكن معالجتها إلا بواسطة تشريعات وهياكل إدارية جديدة، تضمن أن يصبح الإعلام الرسمي إعلامًا للدولة، وليس إعلامًا للحكومة، وأن يكون ولاؤه الأول للشعب وليس للسلطة.
ويصف الحملات التي حدثت لأكثر من مرة في عام 2011 م لتغيير قيادات الصحف القومية بأنه كان يشوبها الكثير من الأخطاء، وأنها كانت تتم على أساس شخصي ولا تتم وفقًا لمعايير موضوعية.
الإيجابيات تسيطر!
وعلى الصعيد الاجتماعي، تؤكد عزة كريم، أستاذة علم الاجتماع بالمركز القومي للبحوث الجنائية والاجتماعية، أنه لا يمكن مقارنة عام 2011 م بالعام الذي يسبقه، مؤكدة أن هذا العام شهد العديد من المتغيرات الجذرية التي لم يكن يعتادها المجتمع المصري، وأبرزها قيام الثورة وما لحقها من توابع، والتي ساعدت على تحول المجتمع سياسيًّا واجتماعيًّا وثقافيًّا.
وتضيف أن من أبزر التغييرات الاجتماعية التي أحدثتها الثورة بالمجتمع هو شعور المصريين بأن لديهم القوة والقدرة على إسقاط أي نظام فاسد وظالم في مصر، كما حولت الإرادة الشعبية الكبيرة السلبية التي كان يشتكي منها الجميع إلى إيجابية وشعور بالارتباط بالوطن والتباهي بمصريتهم والانتماء لها.
وتشير إلى أن الصورة السابقة كان يسيطر عليها مشهد الهجرة غير الشرعية والهروب من مصر والبحث عن وطن جديد؛ ليساعد على نسيان المشاهد القاسية التي عاش فيها الإنسان المصري ما يقرب من 5 عقود تبدلت، موضحة أن المشاهد الجديدة التي بدلت هذه الصورة السيئة كان مهدها بميدان التحرير الذي عادت من خلاله الصفات الحسنة التي ردمها النظام المخلوع بفساده، ومنها: الترابط والإحساس المشترك والتناغم بين الشعب المصري، والحياة من أجل قيمة وأمنيات عليا يسعى الجميع لتنفيذها وتحقيقها معًا، بعد أن يئس من استعادة حقِّه في التمني والحلم، كما أنهم شعروا بالعدالة بعد تقديم رموز الفساد بالنظام البائد للمحاكمة.
وتقول إن هذه الصفات لم يحتكرها ميدان التحرير بمفرده، بل فرضت نفسها على باقي محافظات الجمهورية، مبينة أنه إذا اشتكى التحرير تداعت له باقي الميادين بالسهر والانتفاض، كنوع من أنواع تعضيد ومؤازرة المتظاهرين بالتحرير.
وتعتبر أن خروج ملايين الناخبين للإدلاء بأصواتهم سواء في الاستفتاء على التعديلات الدستورية أو الانتخابات البرلمانية من التوابع الإيجابية للتحرير؛ حيث جاءت بنتائج غير متوقعة أثبت فيها الشعب المصري وعيه الكامل من خلال إسقاطه لفلول النظام السابق، وتطبيق قانون العزل السياسي شعبيًّا دون الدخول في دوامات القضاء، مؤكدة أن الشعب اختار بكامل إرادته من يرى أنه يستطيع القضاء على الفساد الذي خلفه النظام المخلوع؛ حيث رأى الناخبون في التيار الإسلامي الذي يتحلى بالأخلاق والدين، بالإضافة إلى نشاطهم الاجتماعي قبل الانتخابات القدرة على تمثيلهم تحت قبة مجلس الشعب.
أمراض قديمة
وتضيف أن الصراع الذي تخلفه الثورة يكون بين الماضي والمستقبل، وبين النظام المخلوع الذي يحارب من أجل البقاء والنظام الجديد الذي يسعى لفرض نفسه ليمحو فساد سالفة، مؤكدة أن هذا الصراع يحدث زلزالاً كبيرًا في المجتمع، ينتشر من خلاله السلبيات مثل ظهور البلطجة المنظمة من قبل النظام البائد لخلق فوضى بالمجتمع؛ مما أدى إلى انتشار القلة والخوف وعدم الشعور بالأمن، وهو الأمر الذي دعمه الانفلات الأمني المتعمد من بعض رجال الشرطة من مؤيدي الوزير الأسبق حبيب العادلي، وما نتج عنه من انتشار للجرائم مثل الخطف والقتل والسرقة بالإكراه والتي تفرزها عصابة الثورة المضادة، والتي تحاول سرقة الوطن من أصحابه.
وتشير إلى أن هذا الشعور بانعدام الأمان في المجتمع أحدث هزة اقتصادية كبيرة، برزت من خلالها مشاكل المجتمع القديمة مثل البطالة والفقر والعشوائيات وأطفال الشوارع وغلاء الأسعار، مؤكدة أن هذه المشاكل يعاني منها المجتمع المصري في العقود الأخيرة، ولكنها طفت على السطح بشدة بعد ثورة يناير.
نصر تشريعي
![]() |
|
صبحي صالح |
ويشير إلى أن من ضمن الإنجازات القانونية تعديل قانون الأحزاب السياسية، وإطلاق حرية تشكيلها، هذا إلى جانب الحكم التاريخي الصادر عن محكمة القضاء الإداري بحلِّ الحزب الوطني الديمقراطي، معتبرًا الأحكام القضائية من أبرز الأسلحة التي بارز الشعب المصري بها بقايا النظام المخلوع، إذ قضت محكمة القضاء الإداري بحلِّ المجالس المحلية على مستوى الجمهورية، والتي كانت تمثل الذراع الخفية والأساسية للثورة المضادة التي حاولت طوال عام 2011م إصابة ثورة يناير المباركة في مقتل من خلال إشاعة الفتن كل فترة.
ويستهجن صالح إصدار قانون العزل السياسي لمن أفسد الحياة السياسية متأخرًا؛ حيث أصدره المجلس العسكري قبيل الانتخابات البرلمانية بأيامٍ قلائل، مؤكدًا أن الشعب المصري قام بتنفيذه شعبيًّا، ونجح في إسقاط كل من ساهم في إفساد المجتمع المصري سياسيًّا واجتماعيًّا وتشريعيًّا.
ويوضح أن هذا العام شهد العديد من الجدل التشريعي بين عدة قوانين من بينها قانون مباشرة الحياة السياسية والسلطة القضائية، والذي انتهى بتأجيل مناقشته حتى تكوين مجلس الشعب، مؤكدًا أنه ليس من أنصار إصدار الكثير من القوانين خارج المؤسسة التشريعية "مجلسي الشعب والشورى" من خلال مراسيم القوانين؛ حيث يجب تأجيل ما يمكن تأجيله لمناقشته تحت قبة البرلمان الذي اختاره الشعب المصري للقيام بالدور التشريعي المنوط به.
محاكمات الفاسدين
ويعلق صالح على محاكمات 2011م قائلاً: "أتت قرارات تحويل رموز النظام السابق للقضاء بعد ضغط شعبي كبير؛ حيث نزل الملايين للميادين مطالبين بسرعة القصاص من المجرمين، ولكن أتى ذلك بعد فرار البعض منهم وعلى رأسهم بطرس غالي وزير المالية في عهد المخلوع، وحسين سالم رجل الأعمال، كما أن محاكمة الموجودين داخل الأقفاص لم ترض أهالي الشهداء والمصابين؛ حيث لم يصدر حكم ضد مبارك وأبنائه ووزير داخليته ورجاله في قضية قتل المتظاهرين حتى الآن".
ويضيف أن هناك أحكامًا بالفعل صدرت ضد وزراء سابقين مثل زهير جرانة، وحبيب العادلي، والمغربي، وأحمد الشيخ، وأنس الفقي، ولكنها في قضايا تتعلق بالفساد المالي والإداري، مشددًا على ضرورة الإسراع في محاكمة قتلة المتظاهرين سواء الذين سقطوا في جمعة الغضب أو من خلال موقعة الجمل، وذلك من أجل استقرار البلاد والشعور بالاطمئنان أن الثورة تسير في مسارها الطبيعي.
