بداية المشروع اليهودي وتطوره
بدأ هذا المشروع- كما أشرنا- مع عبد الله بن سبأ في أواخر خلافة سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه، ورغم خطورة هذا المشروع ومقاومة الأمة له وتقديمها تضحيات كثيرة إلا أنها نجحت في إخماده إلى حدٍّ ما، لكنه لم يتوقف بل استمرَّ، وانتهز فتراتِ الصراع ليظهر ويحرك المسلمين ضد بعضهم ويمزق وحدتهم، ويدس أفراده في المناصب المختلفة.
وقد تبلور هذا المشروع في التركيز على:
1- الانحرافات الفكرية.
2- تشجيع ودعم وإنشاء التجمعات المناوئة، والحركات السرية الهدامة.
3- تحطيم قيم المجتمع.
4- التخلص من قيادات الأمة (بالاغتيال والمؤامرات).
5- تأليب المسلمين بعضهم على بعض وإشاعة الفتنة فيما بينهم.
6- ضرب وحدة الأمة واستغلال التنازع على الرئاسة.
ثم قوي هذا المشروع عندما واجهت الأمة موجةَ الحملات الصليبية، وكان ممولاً وداعمًا لها، بل وعميلاً يمدها بالمعلومات.
وبعد اندحار هذه الموجات، استمرَّ هذا المشروع بأسلوبه السري الخبيث، فلم يلتفت أحدٌ لخطورتهم واستمرارهم، بل تلوَّن وأخذ أشكالاً مختلفة، ومع الموجة الجديدة للمشروع الغربي موجة الاستعمار، شهد هذا المشروع اليهودي نقلةً ضخمةً كبرى إذْ أصبح له قيادة على مستوى العالم، واتخذ واجهات متعددة مثل الماسونية وغيرها، ثم تبلور في مشروع الحركة الصهيونية العالمية مستفيدًا من التقدم الذي أحرزه على مستوى دول العالم والإمكانيات الهائلة التي أصبح يمتلكها اليهود.
وتم صياغة هذا المشروع على يد هرتزل وتدشينه في مؤتمر مدينة بال بسويسرا 1897م؛ حيث يستهدف فيه القضاء على الأمة الإسلامية وإخضاعها للسيطرة اليهودية وإقامة أمة اليهود ودولتهم في قلب الأرض المقدسة، بل وتوجيه وقيادة المشاريع الأخرى المناوئة للإسلام.
ورغم جذور العداء التاريخي بين اليهود والدول المسيحية في أوروبا في العصور الوسطى إلا أنهم نجحوا في احتواء هذا الشعور، ونجح المشروع بالمساندة الغربية في الاستيلاء على أرض فلسطين والدخول في مواجهةٍ حاسمةٍ وخطيرة مع العالم الإسلامي ومشروعه للنهضة.
المشروع الغربي وتطوره
بدأ هذا المشروع عام 1095م على يد أوربان الثاني بابا روما؛ حيث أعلن هذا المشروع وأهدافه في مؤتمر مدينة كليرمونت بفرنسا، حضره 300 من القساوسة ورجال الدين ولفيفٌ من أمراء أوروبا.
وكان بطرس الناسك (الحافي) صاحب الزخم الإعلامي لاستثارة حماسة أوروبا حكامًا وشعوبًا.
تبلور هذا المشروع في موجات متتالية من الحملات العسكرية الصليبية الموجهة ناحية الأرض المقدسة منطقة فلسطين والشام، ومحاولة الاستيلاء عليها، وإقامة قاعدة كبرى لهم ينطلقون منها للقضاء على الأمة الإسلامية، واستمرَّ ذلك طوال مائتي عام.
وتمكَّنت الأمة من القضاء على هذه الحملات عندما اتحدت قواها في منطقة المواجهة ووضعت إستراتيجية كاملة لذلك، تمثَّلت في المشروع الذي أعدَّه وحمل لواءه الشهيد محمود نور الدين وأكمله القائد صلاح الدين الأيوبي.
واستطاع هذا المشروع الإسلامي بعد ذلك استيعاب زحف التتار المدمر وتحويله للإسلام، لكن ذلك كان يُشكِّل مجرد رد فعل، واستمر بنيان الأمة في جميع مناطق العالم يحتاج إلى مشروعٍ كاملٍ للإنقاذ والإصلاح.
لقد استفاد الغرب خلال هذه الحملات في الاحتكاك بالحضارة الإسلامية ونظامها المجتمعي والسياسي المتقدم والعلوم المتفوق فيها والحرية التي تعيشها مؤسساتها، استفاد من ذلك وشكَّل هذا قاعدةَ انطلاق قوية لبناء دوله العصرية وتقدمها، في حين بقيت الأمة الإسلامية على نفس المشاكل والمنازعات، فلم تفق بعد، ولم ترتب أمورها، وتستعيد رسالتها رغم ظهور الدولة العثمانية القوية لعدة سنوات، لكنها كانت أعجز من أن تعالج جذور الداء، وأن تحشد الأمة كلها وتستعيد وحدتها القوية.
ومع انتهاء فترة العصور الوسطى وفشل المشروع الصليبي بدأت النهضة الحديثة التي تأثَّرت واستمدَّت انطلاقتها من التقدم العلمي والحضاري عند المسلمين، لكنها لم تنفصل عن هذه الجذور في المواجهة، ولم يخمد مشروعها الصليبي بل طورت مشروعها، وكان لقادة اليهود دور أساسي في ذلك؛ حيث كانوا هم من قادة النهضة الأوروبية الحديثة، وتم فيها استيعاب الكنيسة وهيمنتها السياسية عليهم.
وظهر هذا المشروع الغربي، في مشروع عُرف باسم (الاستعمار)، وهو إن كان يحمل في أهدافه الطموح والتوسع وامتلاك أسباب القوة، وخاصةً الاقتصادية إلا أن مساره وتوجهاته كانت استمرارًا للمشروع الصليبي القديم، وبذلك تبلور المشروع الغربي الحديث الذي استمدَّ جذوره وأفكاره من أفكار اليهود، ومن نظريات ونصائح لويس التاسع، ومن تجارب الحروب الصليبية، تبلور هذا في الحملات العسكرية والفكرية، واهتمَّ الاستعمار بهذا الجانب الثقافي والسلوكي ليُنشئ شريحةً وفئةً مرتبطةً به من أبناء المسلمين ومتأثرةً بهذا المشروع، وتكون خادمةً له، ويُمكِّن لها السلطة في البلاد، وأن تنتشر قيم الغرب مع إبعاد قيم الإسلام أو قصرها في نطاق غير مؤثر وإضعافها عند المسلمين، ومواجهة مَن يحاول النهوض بالمشروع الإسلامي.
كما أوضح المشروع أهمية مصر، وأن مركز الثقل في العالم العربي، وبالتالي الإسلامي انتقل إليها، وأن عليهم أن يُركزوا على الأطراف لإبادتها، وعلى الأماكن الضعيفة لإخراج الإسلام منها، وأن يُستخدم الغزو الفكري داعمًا وممهدًا لهذا الزحف العسكري.
الواقع الحالي للمشروعين الصهيوني والغربي
استغل الغرب تراجع الأمة الإسلامية وتخليها عن رسالتها والجهاد في سبيلها والتنازع فيما بينها، والفجوة العلمية الهائلة التي حدثت نتيجة ذلك، استغلَّ ذلك في إنجاح مخططه والسيطرة شبه الكاملة على أغلب بلاد العالم الإسلامي والعمل على تمزيقها، وإبادة الأطراف فيها، وإعادة تشكيلها بما يخدم أغراضه ويُنشئ له قاعدة يستند عليها في تلك البلاد.
وبالتالي فإن العصر الحديث في تلك المرحلة شهد تطورًا جذريًّا للمشروعين اليهودي والغربي.
فالمشروع اليهودي تمكَّن من إحكام سيطرته على مناطق النفوذ في العالم (المال- السلاح)، وبلور مشروعه في الاستيلاء على أرض فلسطين ومحاولة إنشاء دولته من النيل للفرات، والسيطرة على المنطقة اقتصاديًّا وسياسيًّا، ونجح في تحقيق كثيرٍ من أهداف الحركة الصهيونية التي ما هي إلا واجهةٌ من واجهاتِ المشروع اليهودي العالمي.
وكذلك المشروع الغربي الذي قام بموجات الزحف العسكري فيما يُسمَّى بالاستعمار الحديث، تطوَّر أمام نمو الشعور القومي والوطني للشعوب، وأصبح مع تركيزه على الجانب الاقتصادي، أصبح له مشروع متكامل من الأفكار والقيم والمبادئ يزرعها في العالم الإسلامي، ويعيد تشكيله، والقضاء على روح الجهاد فيه.
وهو يُمني نفسه بأحلام النجاح يُغذي ذلك لديه بتجربته الناجحة في استيعاب شعب الهنود الحمر وتذويب شخصيتهم لمَن نجا بعد ذلك من الإبادة، وكذلك ما فعله بالشعب الياباني ونجاحه في تغيير الهوية والشخصية وزرع القيم الغربية لديه، لكن لا يدرك مدى قوة الإسلام وأثره في النفوس ومدة ثبات الطليعة الإسلامية التي تواجهه بثباتٍ وإصرارٍ رغم كل المعوقات.
المقاومة والمشروع الإسلامي الحديث
لقد قامت في مواجهة حملات الإبادة والاستعمار القبيح، حركات مقاومة إسلامية بذلت الكثير من التضحيات، وأعاقت إلى حدٍّ ما بعض المخططات، لكن في النهاية تمكَّن المشروع الغربي من استيعابها والالتفاف حول تلك المعوقات التي واجهته في ذلك الحين، محافظًا على إستراتيجيته وأهداف مشروعه.
وظهر علماء أحسنوا النصح للأمة، لكن كل ذلك كان محاولات فردية أو محدودة ولم ينتقل من حيز القول إلى حيز الفعل، ومن حيز الفعل وردود الأفعال إلى مشروعٍ متكاملٍ ورؤية ثاقبة مكافئة لهذه المواجهة، كما شهدنا حركات بدأت قوية ثم ما لبثت أن انتهت ولم تحقق المنشود منها.
وبالتالي كانت الأمة الإسلامية في تلك الفترة وقد أحاط بها ظلام الأعداء من كل جانب، وانتشر فيها الضعف بمختلف صوره بحاجةٍ إلى قيادةٍ ترسم معالم هذا المشروع وتحوله إلى واقعٍ عملي تنظيمي وإلى مراحل مترابطة مستمرة تجمع الأمة عليه، ويكون بذلك أساس نهضتها، وتواجه به كلا المشروعين الصهيوني والغربي، بكفاءةٍ وحكمةٍ وبُعد نظر.
وكان ذلك بفضل الله على يد الإمام البنا ومشروعه الإسلامي الكامل لنهضة الأمة ومواجهة الأعداء.
وتميَّز هذا المشروع بالرؤية الصحيحة الشاملة الكاملة، وبأصالة هذا المشروع الإسلامي واتباعه هدي رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وقدرته على تحويل مقوماته ورؤيته إلى أرض الواقع وبناء كيانٍ وتنظيمٍ قوي مترابط.
يستهدف هذا المشروع:
1- بناء الفرد المسلم والشخصية الإسلامية المتكاملة.
2- بناء أركان البيت المسلم وتحقيق مظاهره ودوره المجتمعي.
3- بناء المجتمع المسلم في قيمه وأعرافه وسلوكه وصبغه بالصبغة الإسلامية المتكاملة.
4- تحرير الوطن من كل سلطانٍ أجنبي (غير مسلم) اقتصاديًّا وثقافيًّا وسياسيًّا وعسكريًّا.
5- إصلاح الحكومة حتى تكون إسلاميةً بحق تؤدي دورها وفق قواعد الإسلام.
6- استعادة الكيان الدولي للأمة الإسلامية ووحدتها وإعادة الخلافة المفقودة.
7- أستاذية العالم وقيام الأمة برسالتها ودعوتها في جميع أرجاء الأرض.
وكان اختبار الزمن والقدرة على مواجهة التحديات والمؤامرات وتحمل الضغوط المختلفة والثبات على المبادئ رغم تعدد الأجيال، هو المعيار الأساسي في الحكم على هذا المشروع، ومدى قدرته على تحقيق آمال الأمة ومدى جدارته بقيادتها.
لقد انتشرت هذه الدعوة وترسخت في كل بقاع الأرض، وأصبحت هي أمل الأمة الإسلامية والأصل الذي تنطلق منه كل الاجتهادات والحركات الأخرى.
لقد ثبتت واستعصت على الاحتواء أو الخداع أو المساومة أو الإبادة، رغم كثرة التضحيات وضراوة المحن.
إنه بالقياس لباقي الحركات والاجتهادات الإسلامية الأخرى في عصرنا الحديث، أثبت هذا المشروع أنه ما زال مستمرًّا لم يغير أو يبدل رغم طول الزمن بالقياس إليهم، وأنه ما زال قادرًا على المواجهة بل هو فعليًّا لمَن ينظر إلى الساحة والميدان هو الذي يقود الأمة في هذه المواجهة.
إن هذه الدعوة أصبحت تمتلك القيادة الحازمة والخبرة العملية التاريخية، والقدرة على الرؤية الإستراتيجية.
أنها تميَّزت بالوحدة والحب والترابط والالتفاف حول القيادة، رغم كل إشاعات الزعزعة وحملات التشهير والتشويه.
أن ما قدمته وأحدثته من أثرٍ فعَّالٍ في إيقاظ الأمة وحشدها في معركة المواجهة والتصدي ليبشر ويؤكد أنها الطليعة الرائدة، وأنها منصورة بإذن الله.
وإذا تحدثنا عن هذا المشروع الضخم، فإننا نوجزه في كلمات: إنها تحمل مشروعًا إسلاميًّا متكاملاً على منهج النبوة؛ وذلك لنهضة الأمة الإسلامية في كل العالم وتحقيق رسالتها بأسلوبٍ مكافئ للتحدي العالمي الذي تواجه وللواقع الذي تتعامل معه.
مؤشرات ونتائج في المعركة المستمرة
1- هناك مظاهر مطردة ليقظة شعوب الأمة الإسلامية وإحساسها بهويتها؛ مما أزعج الأعداء، وقد ظهر ذلك في:
أ) تنامي روح الجهاد، وإحساس الأمة بقضاياها الكبرى، والمشاركة العالمية لرد العدوان، (وكمثال تداعي الشباب للجهاد لرد الغزو الروسي عن أفغانستان).
ب- ازدياد مطالبة الشعوب بحريتها السياسية، ورفض صور الاستبداد من الطبقة الحاكمة المرتبطة بالغرب.
ج- استمرار خط المقاومة وزيادة اقتناع الأمة به، ودعمه رغم محاولة محاصرة وتصفية هذا الخط، وظهر ذلك في القضية الفلسطينية والمقاومة الإسلامية (وعلى رأسها حماس) وهي تتصدى للعدو الصهيوني.
ء- نجاح المقاطعة الشعبية ضد العدو الصهيوني رغم التطبيع مع الحكام والأنظمة.
هـ- زيادة وعي الأمة بخطورة المشروع الغربي الصهيوني وبالمؤامرة المستمرة على الإسلام رغم محاولات الغرب تحسين صورته.
2- زيادة كفاءة الحركات الإسلامية (المعتدلة) وفتحها مجالات أوسع للعمل والدعوة، واكتسابها ثقة الأمة.
كما ظهر نجاح الأداء السياسي للحركات الإسلامية، وبخاصة لجماعة الإخوان المسلمين في كل الأقطار المختلفة، وزيادة ثقة الجماهير والتفافهم حولها رغم وسائل التزوير.
وأدرك الآخرون- كما قالوا وصرحوا- أنه إذا جرت انتخابات نزيهة فسوف يفوز هذا الفصيل الإسلامي بالأغلبية.
3- دخل التحدي في معركة القيم مرحلةً جديدةً خطيرة، وفي نفس الوقت أخذت مظاهر تمسك الأمة بدينها تتحسن باطراد؛ مما يشير إلى أن الإسلام وتفاعل القلوب معه هو الذي سيكسب في النهاية ويحسم المعركة لصالحه.
4- انهيار كل الدعوات الفاسدة التي افتتحه بها شرائح مختلفة من شعوب البلاد العربية والإسلامية؛ حيث انهارت رموزها واندثر بريقها، وظهر قصورها مثل الشيوعية والاشتراكية والعلمانية، والقومية الضيقة... إلخ.
5- بداية ظهور علامات فشل وانهيار هذا المشروع المعادي حتى في عُقر داره وإن كانت لم تكتمل أو تصل للدرجة الحاسمة، إلا أن صمود المشروع الإسلامي ونجاحه في الانتشار والتصدي الميداني، ليؤدي بأمر الله إلى زيادة هذه العوامل ووصولها إلى مرحلة الفشل والهزيمة.
خاتمة:
إن هذا المشروع المعادي بعد أن كان يواجه أرضًا غافلة مستكينة لمشروعه وأهدافه، أصبح الآن يواجه معوقات جد خطيرة، يواجه قيادة الحركة الإسلامية التي تتصدى له في كل شارع وكل مسجد وكل جامعة وكل مدينة تعتز بدينها وتدرك عظمة الرسالة التي تحملها وعقيدتها التي تؤمن بها، واليقين الكامل في نصر الله لهذا الدعوة.
تدرك الحركة الإسلامية أن المعركة طويلة، وتمتد لأجيال لكنها لا تيأس، وتأخذ بالنفس الطويل، وتضع لمشروعها الكامل الرؤية الإستراتيجية بعيدة المدى والمراحل المتلاحمة المحققة للأهداف والوسائل المناسبة لكل مرحلة.
ورغم تحقيق المشروع المعادي بعض النجاحات القصيرة بسبب وفرة الإمكانيات لكن المعوقات والمقاومة أمامه تزداد وتكبده خسائر كثيرة، وقد فشل الأعداء في القضاء على مشروع المقاومة في حين تكسب الحركة الإسلامية كل يوم رصيدًا جديدًا في دعوتها.
إن المستقبل بقدر الله، يحمل من الأحداث والتغيرات ما يجعل الحركة الإسلامية تصل إلى مستوى المواجهة والحسم لهذا المشروع المعادي.
وإن غدًا لناظره لقريب ﴿أَلا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ﴾ (البقرة: من الآية 214)، والله أكبر ولله الحمد.
---------
* عضو مكتب الإرشاد