من المهم حين نتحدث عن الصورة المنشودة للفنون في مصر الجديدة أن نتجرد عن كلِّ الصور السلبية السابقة التي يستدعيها الذهن حين نتحدث عن الحياة الثقافية والفنية في الواقع المصري قبل ثورة 25 يناير.
ومن المهم أيضًا إدراك أن الواقع الثقافي والفني الحالي يعيش خريفًا عاصفًا وتيبسًا يضرب كل روافده، يحتاج منَّا رؤية واضحة للمستقبل الطموح؛ كما يحتاج الإحاطة الكافية بالواقع المتردي دون أن يؤثر ذلك على رغبتنا وجديتنا في العمل، لاسيما أن بعض الروافد الثقافية والفنية شبه ميتة، ومنها المسرح الذي يُرجى منه تأثير كبير في حياة الناس، إن هو وُظِّف التوظيف الملائم.
وحين نتحدث عن النهضة المسرحية في المحافظات المصرية فإننا ننطلق من أن مصر ليست القاهرة، وأن المحافظات بها ملايين المشاهدين، وملايين المتلهفين للفنون والثقافة، بما يستدعي التوجه إليهم بقصور ثقافة، وصحف، ومسارح خاصة بهم، تحدثهم وتتناول همومهم ومشاكلهم، خصوصًا أن جمهور المحافظات متعطش للفنون والثقافة ذات الطبيعة التفاعلية الحية، التي يوفرها المسرح ولا توفرها الفضائيات أو الإنترنت ذو الطبيعة الثقافية النخبوية، وما يزال محددًا في الأقاليم.
وحين نتحدث عن مسرح المحافظات ودوره في تنشيط الحياة الفنية فإننا لا نتحدث من فراغ، بل ننطلق من تجربة رائدة عاشتها مصر في فترة الستينيات، حينما قام الرائد المسرحي ألفريد فرج ومعه كوكبة من فرسان المسرح في عصره أمثال الصحفي ورائد الفن الشعبي زكريا الحجاوي، والموسيقار علي فراج، والمخرج الكبير سعد أردش، بالتجول في المحافظات المصرية لاكتشاف المواهب، وإنشاء الفرق المسرحية، وفرق العرائس، والفرق الموسيقية.
وحسبما يذكر كتاب "أهداف العمل الثقافي" الذي أصدرته وزارة الثقافة عام 1968م، فقد تمَّ تشكيل هذه الفرق في الفترة من 1966م حتى 1968م، وكان هدف اللجنة المشرفة على تكوين هذه الفرق هو الانتقال بها من الهواية إلى الاحتراف، فالهواية لا تمتع إلا أصحابها وتشغل فراغهم وتزجي أوقاتهم، كما يقول ألفريد فرج، بينما الاحتراف هو الحرص على إمتاع الجمهور واكتساب رضا المشاهدين، والمحترف يكرِّس وقته وجهده لخدمة فنِّه، ويحرص على التفوق فيه وملاءمته لجمهوره.
وكانت الدولة في هذه المرحلة قد وضعت خطة لتمديد الثقافة أفقيًّا بالتوازي مع المصانع والمزارع فأنشأت المسارح ودور الثقافة، وأدركت وقتها أن الطبيب والمهندس والمدرس وجميع العاملين في هذه المجتمعات الجديدة التي أنشئت وقتها لا يجب أن يكونوا من الهواة، وبالتالي لا يجب أن يكون المخرج المسرحي، ومدرب التلاميذ على الفنون من الهواة أيضًا، فكانت تهتم بالمدربين على الفنون المختلفة كما تهتم بأصحاب المهن الحيوية الأخرى؛ لذا كانت الثمرة ناجزة وملموسة، ومازالت آثار هذه المرحلة تنعكس على حياتنا الثقافية والفنية، وقد مدت المحافظات المصرية الحياة الثقافية والفنية بالكثير من العناصر الموهوبة التي أغنت الحياة الثقافية إلى يومنا الذي نعيشه.
وحين نحاول استعارة هذا الشكل أو محاكاته اليوم من الضروري أن ندرك تغير العصر، وتغير المعطى التكنولوجي الثقافي والأيدلوجي الذي يسمح بالاستثمار في الثقافة والفن بشكل أوسع مما كانت عليه المرحلة السابقة؛ حيث كانت هذه الفترة حكرًا على اليساريين دون غيرهم، ووسائل الاتصال كانت محدودة، أما المرحلة الجديدة فهي مفتوحة للجميع على اختلاف توجهاتهم ومشاربهم الفكرية، فقط نحتاج إلى إرادة التسامح مع أفكار المخالفين، والرغبة الجادة في إنتاج فنٍّ راقٍ ينطلق من ثوابت المجتمع المصري ولا يصادم قيمه وأخلاقه.
وإن كانت الدولة صاحبة اليد العليا في تجربة الستينيات فإن المهمة يجب أن تتوزع على الأحزاب الجديدة، وعلى الجمعيات الثقافية والفنية المختلفة، فضلاً عن المهمة الكبرى التي تقع على عاتق وزارة الثقافة الحالية ممثلة في البيت الفني للمسرح وهيئة قصور الثقافة؛ وذلك بتوفير الكوادر المؤهلة من الأساتذة والمختصين في الحقل المسرحي للتجول بالمحافظات لاكتشاف المواهب، وتوفير النصوص المسرحية لهم وتدريبهم والعناية بهم ووضعهم على طريق الاحتراف.
وقبل هذا رصد الميزانيات المالية المناسبة لهذه الفرق بما يؤهلها لتقديم عروض احترافية، والتأكد من جاهزية دور العرض المسرحي بالمحافظات التي تعد من أروع الدور المسرحية في مصر حاليًّا، ولا تحتاج إلى جهود كبيرة، فبعضها تمَّ تجديده قبل الثورة وبميزانيات ضخمة، وتتميز بإمكانيات واسعة ربما لا تتميز بها مسارح القاهرة.
---------------------------
* كاتب مسرحي- مؤسس جمعية المسرح المستقل