عانى الشعب الليبي ألوانًا من القمع والبطش طيلة اثنين وأربعين عامًا من حكم القذافي لليبيا، هذا الطاغية الذي أفقر شعبه، وأذل أمته، وألحق بها العار والشنار، بل كان سُبةً في جبين العرب والمسلمين قاطبة بما أتى من فضائح، وارتكب من جرائم في حقِّ الليبيين وإخوانهم العرب والمسلمين.
لقد عاش الطاغية يعبث بمقدرات ليبيا، فيسرق ويسجن ويعذب ويقتل بلا حساب، حتى أذن الله تعالى لهذا الشعب المقهور أن يتنفس الصعداء، فيثور على الظلم، ويقف في وجه الباطل، ويقتل هذا الطاغية، ويسقط نظامه إلى الأبد.
لقد طفح سجل هذا الرجل بالمخازي والفضائح التي فاقت كل وصف، وتنوعت ما بين جرائم سياسية وأخلاقية وإنسانية واجتماعية.. وذلك منذ توليه الحكم على إثر الانقلاب الذي قام به عام 1969م.
فقطع أواصر العروبة والدين، وخلع على نفسه الألقاب والأوصاف، وأحاط نفسه بهالة من القداسة الزائفة، وأطلق لعقله العنان في الدجل والشعوذة باسم الفكر والإبداع.
ولقد سجلت مجلة الدعوة الغراء منذ أكثر من ثلاثين عامًا في صفحاتها كثيرًا من جرائم القذافي وسوابقه في حقِّ الشعب العرب والمسلمين، وأفسحت للمجاهدين الليبيين الحديث عن جرائم القذافي في حقهم، وأظهرت العديد من الحقائق حول علاقته المشبوهة بالدول الإمبريالية وعلى رأسها أمريكا.
القذافي وحقيقة علاقته بالإسلام
أوضحت المجلة ابتداءً أن صلة القذافي بالإسلام والدعاية للإسلام، إنما هي من قبيل الدعاية الكاذبة التي يخدر بها السذج من الناس؛ ليتمكن من قلوبهم ورقابهم.. لقد رفع القذافي إثر الانقلاب شعارات إسلامية مناديًا بإقامة حكم إسلامي، فمنع الخمر، وأغلق دور الملاهي والمراقص، وأبدى مشاعر التأييد لكل تحرك إسلامي في الخارج، فأيد الباكستان ضد الهند، وأيد ثوار إرتيريا ضد هيلاسياسي، وهو في كل ذلك مخالف للقائد والزعيم والمعلم جمال عبد الناصر.
كان استهلال القذافي لخطبه بالبسملة والحمد لله والصلاة على رسول الله، وإمامته للمصلين، وحديثه عن الإسلام والعودة إليه، واستضافته للمؤتمرات الإسلامية والمفكرين الإسلاميين، مثل مؤتمر شباب العالم الإسلامي عام 1972م.
كذلك موقفه المعادي للشيوعية؛ حيث احتج على السادات لتوقيعه اتفاقية تعاون مع روسيا، وأيد النميري ضد الشيوعيين، وقطع علاقاته مع العراق لعقده اتفاقية مع روسيا في 4/9/ 1972م، وفي نفس الوقت دأب على مهاجمة أمريكا والليبرالية، وقام بتقديم معونات كبيرة للعديد من الدول الإفريقية بحجة دعوتهم إلى الإسلام مثل بوكاسا (إفريقيا الوسطى) عمر بونجو (الجابون)، كما أيد الحركات الإسلامية مثل (فرو لينا) في تشاد، وجبهة تحرير مورو في الفلبين، وثوار إريتريا، وعيدي أمين في أوغندا.
وفي أبريل سنة 1971م أعلن عن قيام دولة الاتحاد بين مصر وسوريا وليبيا، ولم يشترك في التوقيع السودان بسبب ضغط الجنوب المسيحي ومعارضة الشيوعيين؛ بسبب الهجوم المستمر من القذافي على روسيا والشيوعية ومناداته بالإسلام.
وحينما زار جمال عبد الناصر ليبيا وكان يرافقه النميري تمَّ توقيع ميثاق طرابلس في 27 ديسمبر عام 1969م، ونال القذافي لقب أمين القومية العربية.
وفي 12 يناير 1974م أعلن عن قيام الجمهورية الإسلامية بإعلان اتحاد ليبيا وتونس الذي وقع عليه في جزيرة جربه التونسية، واستمرت هذه الوحدة لمدة 24 ساعة فقط.
وعلى الصعيد الداخلي تمَّ ترحيل الجالية الإيطالية في 7 أكتوبر 1970م، كما تمَّ جلاء القوات البريطانية عن قاعدتي العدم (جمال عبد الناصر)، وطبرق في 28 فبراير 1970م، وإجلاء القوات الأمريكية في 11 يونيه 1970م، وقد صحب عملية الجلاء هذه طبل وزمر ودعاية واسعة النطاق بأن الضباط الأحرار سيقومون بإجلاء قوات الاستعمار بالقوة إن لم تقبل الجلاء بسلام.
لقد كان واضحا أن كل هذه المواقف ما هي إلا تمثيلية هزلية مما اعتادته شعوب هذه المنطقة من إضفاء صفة البطولة على الأقزام الذين يجاء بهم لتأدية دور مرسوم وخطة محبوكة، وكل الدلائل تشير إلى وجود تدبير وتخطيط للولايات المتحدة الأمريكية تهدف من خلاله إلى صناعة زعيم لها في المنطقة.
على خطى عبد الناصر
كان القذافي كما أعلن هو في العديد من المناسبات يترسم خطى عبد الناصر مع وجود الخلاف البين في مسلكيهما، حتى إن القذافي تحدث عن لقاء تمَّ بينه وبين عبد الناصر في مرسى مطروح تحدث فيه عن سبب خروج بعض أعضاء مجلس الثورة من المجلس، فذكر عبد الناصر أن سبب خروج كمال الدين حسين من المجلس هو مطالبته بإقامة حكم إسلامي، وانطلاقًا من هذه الصلة الوثيقة بعبد الناصر بدأ يهاجم الإخوان متهمًا إياهم بنفس التهم: العمالة، التستر وراء الدين، حب السلطة والوصول إلى الحكم، الجهل وضيق الأفق لرفضهم الاشتراكية والقومية.
محاولات انقلابية ضد القذافي
كما رصدت المجلة بعض محاولات الانقلاب التي قامت ضد القذافي، وقد قامت أول محاولة انقلاب ضد القذافي في ديسمبر 1969م أي بعد ثلاثة أشهر من قيام الانقلاب، وقاد المحاولة المقدم آدم الحواز والمقدم موسى أحمد، وبعد فشلها أعدم مجموعةً من المشتركين.
وفي يوليو 1970م أي قبل مضي سنة على الانقلاب جرت محاولة أخرى اتهم فيها عبد الله عابد السنوسي، ومحمود المغربي أول رئيس وزارة في عهد الانقلاب، وقد فشلت هذه المحاولة أيضًا.
سوابق القذافي
من ناحية أخرى كشفت المجلة عن سوابق القذافي ومخازيه في حقِّ الشعب الليبي، من ذلك ما يلي:
- أصدر قانونًا يحاكم بالإعدام كل من يحاول الاستيلاء على السلطة في ليبيا، كما أصدر قانونًا آخر يجرِّم الحزبية ويعتبر كل من تثبت عليه تهمة الحزبية مجرمًا يعاقب بالإعدام، وقد نصت إحدى مواد القانون على أنه إذا التقى اثنان وتحدثا عن عمل أو ترتيب فيه نقد للسلطة يعتبر هذا شروعًا في تكوين حزب ينطبق عليه الحكم بالإعدام.
- أعلن في 15 أبريل 1974م ما يسمى بالنقاط الخمس وقيام الثورة الشعبية، وذلك إمعانًا في إرهاب الشعب وإذلاله:
1- وقف العمل بالقوانين
2- تطهير البلاد من المرضى سياسيًّا
3- إعلان الثورة الثقافية
4- إعطاء الحرية للجماهير
5- إعلان الثورة الإدارية
وبموجب ذلك قامت حملة من الاعتقالات لكل صاحب رأي أو مبدأ، فتم اعتقال الإخوان المسلمين والشيوعيين والبعثيين والتحريريين، وكل من أُريد له أن يلبس ثوبًا من هذه الأثواب، حتى وإن كان هو منه براء.
وبموجب الثورة الثقافية تم مصادرة جميع ألوان الفكر وبخاصة كتب الفكر الإسلامي وكتب التراث، وجُردت المكتبات العامة، وما وقع تحت أيديهم من المكتبات الخاصة من جميع الكتب الإسلامية.
كما صدر قرار بوقف استيراد هذه الكتب من الخارج، حتى المكتبات الجامعية وهي مصادر البحث والدراسة لم تنجُ من هذه الحملة.
وتحقيقًا للثورة الشعبية وجه نداءً إلى أبناء الشعب للزحف على الإدارات الحكومية، وتكوين لجان شعبية لإدارتها بدلاً من الموظفين المعينين لإدارتها، فتكونت هذه اللجان بطريقة غوغائية؛ حيث امتنع عن هذه المهزلة كل المثقفين والعقلاء، ونتج عن هذا الوضع الجديد بأن أصبح المسئول عن الصحة ممرضًا، وأصبح المسئول عن التعليم مدرسًا ابتدائيًّا غير مؤهل، وأصبح مدير المستشفى أحد عمال النظافة فيه، كما أصبح مدير شركة أحد السائقين فيها.
ولما وجد أن هذه التجربة أيضًا لم تحقق ما يريده لجأ إلى أسلوب التهديد، وأعلن أن كل من يرفض الانضمام للجان الشعبية يعتبر عدوًا للشعب ويعتبر (ساقط قيد) أي كأنه لا وجود له، أو بتعبير آخر فاقد لحقوقه المدنية، كما صدرت الأوامر بعدم إعطاء تأشيرات خروج لمن لا يحملون بطاقة عضوية المؤتمرات الشعبية.
ورغم أن الناس اضطروا لاستخراج بطاقة العضوية المذكورة إلا أنهم قاطعوا هذه المؤتمرات، فالمؤتمر الذي يبلغ عدد أعضائه 20 ألفًا لا يحضر منهم إلا خمسون أو ستون شخصًا أكثر من نصفهم من الموظفين المكلفين رسميًّا بالحضور.
تكوين اللجان الثورية
كما كشفت المجلة منذ ذلك الحين (1980م) عن البدايات الأولى لهذه المنظمات الإرهابية التي تسمى (اللجان الثورية) التي قامت بارتكاب أفظع الجرائم في حقِّ كل فئات الشعب الليبي من الطلبة والمحامين والعمال والتجار والأطباء داخل ليبيا وخارجها.
ففي 16 نوفمبر عام 1977م دعا القذافي في خطاب عام إلى تكوين اللجان الثورية التي حدد مهمتها في الآتي:
- الدفاع عن الثورة والدعاية لها.
- ترشيد وتوجيه اللجان الشعبية.
- التصفية الجسدية لأعداء الشعب بعد كشفهم وتعريتهم.
وحدد مواصفات أعداء الشعب في الآتي: الرجعيين، والانتهازيين، والبيروقراطيين، والمستغلين، والبرجوازيين، والخونة، والمكتتبين..إلخ.
ومن خلال هذه التسميات التي بلغت خمس عشرة أو تزيد، أصبح كل فرد في المجتمع تنسحب عليه تسمية من هذه التسميات.
وتبع ذلك سحب جميع السلطات من أجهزة القضاء والنيابة، بل ومن أجهزة الأمن نفسها كالمباحث والمخابرات، وأصبحت اللجان الثورية هي التي تحكم البلاد، وتمَّ القبض على الآلاف من أفراد الشعب، وتمَّ الزج بهم في معسكر السابع من أبريل في طرابلس، ونظيره في بنغازي، وتمت عمليات تعذيب على نطاق واسع منها:
- يجرد المعتقل من ملابسه ويوضع على منضدة مستطيلة؛ حيث يتم ربط يديه ورجليه، ثم يقوم صبية اللجان الثورية بدهان بعض أجزاء جسمه بمرهم له تأثير مثل تأثير النار؛ مما يجعل الضحية يصرخ ويتألم، والصبية حوله يتلذذون ويضحكون بهذه التوجعات والصرخات.
- يعلق الضحية من رجليه في سقف الحجرة، ويكون رأسه إلى أسفل، ثم يقومون بضربه بالسياط حتى يفقد وعيه.
- يوضع الضحايا في توابيت من الخشب بعضها فوق بعض بحيث تبرز منها أرجلهم ورءوسهم، ويقوم الجلادون بضربهم على أرجلهم ويتركونهم على هذه الحال عدة أيام.
- وفي مقر اللجنة الثورية في مدينة طبرق، وجد رجال القبائل الذين هاجموا هذا المقر، حلقات من الحديد مثبتة في الحائط، تربط فيها الأيدي والأرجل، ويوضع رأس الضحية بين لوحين من الخشب تبرز منهما مسامير حادة، بحيث إذا حرك رأسه آلمته تلك المسامير.
- لقد بلغ من تحكم هذه اللجان الثورية أنها كانت تراقب جميع الإدارات والمؤسسات والمواني والمطارات، فإذا حصل شخص ما على تأشيرة خروج يفاجأ بأحد أعضاء اللجنة الثورية يشطب على التأشيرة ويرجعه من حيث أتى بدون إبداء أسباب.
وامتدت أيدي هذه اللجان إلى العرب العاملين في ليبيا، فقبض على مجموعة منهم، وحدث أثناء ذلك مهزلة يندى لها الجبين؛ حيث قام أعضاء اللجان بالاعتداء على أعراض نساء المعتقلين السوريين؛ مما اضطر السوريون في بنغازي إلى الاعتصام بالقنصلية السورية، وحضر السفير السوري من طرابلس لمقابلتهم، وأمام هذا الموقف المخجل أصدرت اللجان الثورية بيانًا اتهمت فيه أعداء الشعب بارتكاب الشائنة بقصد الإساءة إلى اللجان الثورية.
ولكن السفير السوري طالب بإحالة المعتقلين السوريين إلى الطبيب الشرعي الذي أكد تعرضهم للتعذيب بأساليب مخجلة، منها إدخال مياه غازية في دبره؛ ما أدى إلى تهتك وتمزق في الأنسجة.. هذا ما علم، وما خفي كان أعظم.
ثم بدأت عملية التصفية الجسدية؛ حيث تمَّ اغتيال عشرات المواطنين داخل ليبيا وخارجها، وقد تمت هذه الاغتيالات بواسطة عصابات شكلها القذافي لتصفية معارضيه في الخارج، وأعلن هذا في خُطبِهِ الرسمية بلا حياء ولا خجل، وهو أمر لم يسبق له مثيل، لا من حيث عملية الاغتيال نفسها لأنها تمارس في كثير من الدول، ولكن جرت العادة إنه إذا أشارت أصابع الاتهام إلى دولة معينة أن تسارع تلك الدولة إلى الإنكار والتنصل مما حدث، فالظاهرة الجديدة هي قيام رئيس الدولة نفسه بالاعتراف، بل والتصميم على الاستمرار في عمليات الاغتيال.
وفي الداخل بدأ عرض مسلسل تليفزيوني يعرض فيه الموظفون والتجار ورجال الأعمال والمقاولون، ويدلي كل منهم عن رشى قبضها أو دفعها، ويصف نفسه بأسوأ الأوصاف بأن يقول "أنا كنت منحرفًا ومجردًا من الضمير وكذابًا وعدوًا للشعب ومختلسًا" مما جعل الناس يذهلون لهذه الاعترافات.
أما بالنسبة للعلاقات الدولية، فقد استخدم القذافي أعضاء العصابات المشهورة في العالم وأغدق عليهم الأموال لينفذوا له أي مخطط يرغبه، فأصبح على صلة بعصابات المافيا في إيطاليا وكذلك الألوية الحمراء.. وفي ألمانيا اتصل بعصابة (بادر- ماينهوف) وفي اليابان اتصل بالجيش الأحمر، واستقدم الإرهابي العالمي (كارلوس) واستعمله في اختطاف وزراء البترول في منظمة الأوبك، كما شكَّل قوةً من السودانيين الهاربين وساعدهم حتى قاموا بالهجوم على السودان ولكنهم فشلوا، ودرَّب قوات الهجوم على مدينة قفصة التونسية، وقام بتزويد قوات (البوليساريو) بالأسلحة والعتاد والأموال، وقام بتزويد الجيش الجمهوري الأيرلندي بالأموال والأسلحة، وقام بتزويد الحركة الانفصالية في جزيرة كوريسكا بالأموال والأسلحة، وقام بتأييد الفلسطينيين واليساريين في لبنان، ثم انقلب عليهم وأيد المسيحيين، كما أيد أثيوبيا ضد إرتيريا والصومال، كما أيَد اليمن الجنوبي ضد الشمالي وسلطنة عمان، وأيَّد الغزو السوفيتي لأفغانستان.
هذه بعض الحقائق التي أظهرتها وكشفتها مجلة الدعوة الغراء منذ أكثر من ثلاثين عامًا حول شخصية القذافي وجرائمه وسوابقه في حقِّ الشعب الليبي والشعوب العربية.