المقصود بهذا الجانب مجموعة الغرائز التي تتحكَّم في الجهاز العصبي للإنسان (من الفرح والحزن، والحب والكره، والإيثار والمودة، والتكيف النفسي في الأسرة والمجتمع) وما من شكٍّ في أن إهمالَ هذا الجانب فيه إهدارٌ لكثيرٍ من معاني الخير عند الإنسان، بل إن فيه قتلاً للشخصية الإنسانية بأسْرِها؛ مما يجعلها صورةً ممسوخةً يفقد عندها كل قيمة أو رصيد في الحياة.

 

والدين الإسلامي يمثل الريادة في توجيه السلوك، وايقاظ الحس وتهيئة الوجدان، وتنمية المشاعر الموَّارة نحو المعالي، والترفُّع عن الدنايا والصغائر، لما يتميز به من منهج واضح في تحديد الغايات وتبسيط الوسائل التي تعين على بلوغها، ثم تحقيق الأهداف المنظورة من ورائها.

 

ومن هنا كانت هذه التوجيهات القرآنية، والأحاديث النبوية مزيجًا من الحثِّ على العمل الدؤوب للدنيا والآخرة؛ كي يحدث التوافق الروحي والانسجام النفسي ليبقَى الإنسان دائمًا وأبدًا على ربيع الفطرة، من غير أن ينتكس أو تزلَّ به القدم بعيدًا عن وسطية الإسلام الحنيف، وعلى هذا النحو فلم يصادر الإسلام الكلمة الشاعرة الرقيقة أو الأنشودة الهادفة ولم يصادر الأشواق والعواطف السخيَّة؛ لأنه دين النبوة السمحة.

 

يأخذ الإنسان وبشدة من يده لأن ينظر ويشاهد ويتأمل ليجاوز ذلك كله إلى المعنى ﴿انْظُرُو إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ﴾ (الأنعام: من الآية 99).. إنها دعوة واقعية لتنمية المشاعر الكامنة والأحاسيس الغائرة، ولما كانت النفس البشرية تحب الإمتاع والمؤانسة، والترويح وإدخال السرور عليها.. كان لا بد بين الحين والحين من السَّير معها بما يُبعِد عنها شظف العيش وشدة الليالي، فوجب على المربي ألا يأخذ الشبل بالشدة على اطِّراد الزمن، لما ينعكس ذلك عليه في بقية أدوار حياته ومراحلها المختلفة "فالإسلام يحب للمسلم أن تكون شخصيته متفائلة باشَّة، ويكره الشخصية المكتئبة المتطيرة". (1)

 

ويمكن أن نخلص بإشارة لطيفة إلى أنه على المربي مسئولية عزْل الشبْل عن المشكلات اليومية المتجددة، أو التقليل منها والتخفيف من آثارها كي لا تصيبَه بالبلادة والتمزُّق بين الواقع وبين المثال، فيكثر الهمّ الوارد على القلب فتضعف عزمه، وتهزم إرادته، فلا يرى من الحياة غير صفحة واحدة هي صفحة القلق.

 

وقد أثبتت الدراسات أن السعادة ترتبط بقوة بعناصر أخرى للشخصية منها: الانبساط، الضبط الداخلي، غياب الصراعات الداخلية، العلاقات الاجتماعية الجيدة، والانغماس في عمل، وأنشطة وقت فراغ هادفة، والقدرة على تنظيم الوقت" (2).

 

وعلى الآباء والمربِّين أن يكونوا أقدرَ على فهْم نفسية الشبل في هذة المرحلة والتي يتخطَّى فيها مرحلة الطفولة إلى مرحلة البلوغ، فلا بد أن يتم التعامل معه بوافر الاحترام والشفقة.

 

* ومن المُعينات التي تُعين الوالدين على تنمية الجانب العاطفي لدى الشبل ما يلي:

- ربط الشبل بآيات الله المقروءة

عن طريق حفظ ثلاث آيات يوميًّا، مع قيام الوالد بشرح بسيط لها، مع إيجاد مكتبة سمعية لسور القرآن الكريم وقصص الصحابة والأناشيد الإسلامية الهادفة لشعراء الدعوة الإسلامية بوجه خاص.

 

- ربط الشبل بآيات الله المنظورة

وما أكثر هذه الآيات في الكون، ما بين رؤية الهلال، أو البحر الهادر، أو الجبل الشامخ، أو النخل الباسقات، أو بيوت النمل وخلايا النحل أو النبتة الضعيفة تشقُّ جدار التربة الجامدة فتتنفس وتخرج للحياة معلنةً عن وجودها، فمن الممكن مثلاً عند رؤية الهلال أن يجمع الوالد أسرته ويخرج بها فيشاهدوا الهلال أو ظهوره، ويشير إليه وهو يدعو وهم يردِّدون خلفه "اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان، والسلامة والإسلام، ربي وربك الله" (3).

 

فيشعر الشبل عندئذ أنه يرتبط مع الكون في منظومة واحدة، مفادها أن الكون كله قائم لله عابد له ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيْحَهُ﴾ (النور: من الآية 41) "ربي وربك الله" ويعضد من روافد الإيمان المتجددة.. ذلك "أن انفتاح المرء على الكون، وفقه ما فيه واستمكانه منه، هو التوجيه الأوحد لجملة لعقائد والمعالم التي يقوم الدين عليها" (4).

 

ولعل من أقوى المُعينات لبلوغ هذه المرحلة بلوغًا مأمونًا أن يبتعد القائمون على تربية الشبل عن كل الوسائل القريبة والبعيدة التي تؤدي إلى قهره وامتهانه، لما يجرُّه عليه ذلك الأسلوب من العَنَت والانطواء وتقلُّص الشخصية وانكماشها، وقد أثبتت الدراسات النفسية أن الأب الذي يمارس الضغطَ وحبَّ السيطرة على الأبناء يعرِّضهم للأمراض النفسية المتعددة، مثل: الاكتئاب والانطواء، والإحساس بالنقص فيصيبهم بالتردُّد وعدم الاستقرار والتأثر بأي كلام يسمعه أو ثمة نصائح تقدم إليه" (5).

 

ثم إن قتْل شخصية الشبل جريمة بكل المقاييس، يبقى الأب مسئولاً بالدرجة الأولى عن كل الآثار الضارَّة المترتبة عليها "وليس قتل الشخصية مع ترك الجسد حيًّا بأقلَّ خطرًا من عودة الروح إلى ربها بموت الجسد وحده" (6).

 

ولسنا نريد من الأب أو المربي أن يمارس دور الشرطي مع أولاده، من حيث المحاسبة الدقيقة، والملاحظة المفرطة التي لا تترك مساحةً صغيرةً أو كبيرةً للاستفادة من الطاقات الأصيلة الكامنة داخل هذا الكيان الإنساني الصغير للتعبير والانطلاق إلى فضاء أرحب وأمتع.

 

إن الرقابة الصارمة على الشبل والتحكُّم بأدق تفاصيل حياته وبشكل سلبي يضطره في كثير الأحيان إلى إلغاء عقله، والتعامل مع المحيط بشكل تنفيذى بعيدًا عن الإبداع والانطلاق (7).

 

وليس معنى ذلك أن يغفل المربي عن متابعة ولده أو مراقبته، وتقويم نشاطه وممارسته، فما قصدنا هذا المعنى ولا ذلك، غير أنه يبقى في النهاية حارسًا أمينًا، يؤدي دورَه ورسالتَه بفهم مستنير، ومرونة تامة، ووسطية واعية، واتزان جادٍّ نحو الأفضل والأمثل، فيعود على الشبل من وراء هذه المتابعة الجادّة ما يجنِّبه مزالقَ العثرات ومواطنَها، ومقدمات أسبابها؛ كي لا تزلَّ قدمٌ بعد ثبوتها "فرُبَّ جراحة قتلت، ورُبَّ عثرة أهلكت، ورُبَّ فارط لا يستدرك" (8).

 

وما ذكرناه يحتاج منا أن نمنح الشبل الثقةَ بنفسة؛ ما يجعله معتدًّا بها؛ كي لا يشعر أنه يدور في فلك الآخر؛ "لأن الطفل الذي تضعف ثقته بنفسه يكون أكثر من غيره تقبلاً لسيطرة الآخرين عليه من زملائه وأصدقائه فيما بعد ممن لا تؤمن معه النتيجة" (9).

 

الهوامش

1- د. يوسف القرضاوي (ملامح المجتمع المسلم الذي ننشده) (ص 305).

2- مايكل آرجايل (سيكولوجية السعادة) ترجمة د. فيصل عبد القادر ص 166 المجلس الوطني للثقافه والفنون والآداب- الكويت.

3- أخرجه أحمد في مسنده، والترمذي، والبخاري في التاريخ الكبير.

4- محمد الغزالي (المحاور الخمسة للقرآن الكريم) دار الصحوة- القاهرة ص 65.

5- فكري داود (نظرية جديدة) ص 136 دار العالم العربي.

6- حسن العشماوي (هكذا نربي أولادنا) مرجع سابق.

7- د. مالك إبراهيم الأحمد مرجع سابق ص 54.

8- بن الجوزي (صيد الخاطر) ص 189 المكتبة العلمية- بيروت.

9- د. سعيد إسماعيل على (تربية الأبناء.. علمٌ له أصول) ص 92 كتاب اليوم.

---------------

* كاتب المقال علي مدني رضوان الخطيب- كاتب وباحث تربوي.