يشهد قطاع غزة في الآونة الأخيرة تصاعدا ملحوظا في انتشار الأمراض المعدية، وعلى رأسها مرض الجدري، خاصة بين الأطفال، في ظل ظروف إنسانية وصحية أقل ما توصف بأنها "كارثية".

وتشير تقارير ميدانية إلى أن انتشار الجدري بين الأطفال في غزة يرتبط بشكل مباشر بتدهور الأوضاع البيئية والصحية، حيث أدى تراكم النفايات وطفح مياه الصرف الصحي إلى خلق بيئة مثالية لانتقال الأمراض الجلدية والمعدية بين النازحين، خصوصًا في مراكز الإيواء المكتظة.

أعراض وانتقال سريع

يتميز مرض الجدري بظهور أعراض تبدأ بحمى وإرهاق وآلام في الجسم، قبل أن تتطور إلى طفح جلدي وبثور تنتشر في أنحاء مختلفة من الجسم.

وينتقل المرض بسهولة عبر الرذاذ التنفسي أو الاحتكاك المباشر مع المصابين، ما يزيد من خطورته في أماكن النزوح المكتظة.

الأم "نرمين" نازحة في أحد مراكز الإيواء شمال مدينة غزة، تقول لـ"المركز الفلسطيني للإعلام"، إن ابنها البالغ من العمر خمس سنوات، بدأت تظهر عليه حبوب صغيرة، ثم انتشرت بسرعة في جسمه كله.

وتوضح أن معاناة طفلها لا تتوقف عند حدود الإصابة بالمرض فقط بل تتفاقم بسبب عدم وجود العلاج الكافي، مؤكدة أن كل ما تستطيع فعله هو محاولة تخفيف ألمه بالماء البارد.

وتقول "أم أحمد"، وهي والدة الطفلة "سجود" البالغة من العمر ثلاثة أعوام، إن الطفح الجلدي جعلها لا تنام من شدة الحكة، مؤكدة أنها حريصة على إبقائها نظيفة، برغم الشح الشديد في المياه في مخيم النازحين الذي تقطنه غرب مدينة غزة.

وعبرت الأم، في حديثها مع "المركز الفلسطيني للإعلام"، عن خشيتها من ازدياد حالة ابنتها سوء بسبب النقص في كل شيء سواء الماء للحفاظ على نظافة ابنتها أو العلاج اللازم لمداواتها.

وتبدو معاناة "أم يوسف" أكثر صعوبة، فقد أصيب اثنان من أبنائها على التوالي، بسبب الازدحام الشديد في الغرفة الصفية التي تشاركها فيها عدد من العائلات.

وتقول "أم يوسف": "نعيش في غرفة واحدة أكثر من 20 فرداً غالبيتهم من الأطفال، وهم يلعبون معًا طوال الوقت ومن الصعب منع العدوى، وقد أصيب اثنين من أبنائي خلال أيام قليلة، وأخشى أن يطال المرض المعدي الآخرين قريبا".

ظروف كارثية

رئيس مستشفى الرنتيسي للأطفال في قطاع غزة، الدكتور جميل سليمان، أكد أن القطاع يشهد مؤخرا ارتفاعاً ملحوظاً في معدلات الإصابة بالأمراض المعدية، وعلى رأسها جدري الماء، خصوصاً بين الأطفال.

وأوضح "سليمان" في تصريحات صحفية، أن جدري الماء، المعروف بسرعة انتشاره بين الأطفال، بات يشكل تهديداً مضاعفاً في ظل الظروف البيئية الصعبة.

ويُبين رئيس مستشفى الرنتيسي، أن "التكدس السكاني" داخل المساكن ومراكز الإيواء في قطاع غزة يسهم بشكل مباشر في تسريع انتقال العدوى بين الأطفال.

ويرى أن تفشي الأمراض لا يقتصر على جدري الماء، بل يشمل أيضاً أمراضاً جلدية متعددة ناجمة عن التلوث البيئي، لا سيما في ظل انتشار القوارض والحشرات مثل البعوض، إلى جانب مخلفات الحيوانات، ما يفاقم من الوضع الصحي العام داخل القطاع.

ونبه إلى أن التدهور البيئي الحاد في غزة، الناتج عن تراكم النفايات وغياب المعالجة السليمة للمياه العادمة، خلق بيئة خصبة لانتشار الفيروسات والأمراض الجلدية.

من جهتها حذرت بلدية غزة من تفاقم الأوضاع البيئية في المدينة نتيجة "التراكم الكبير" للنفايات والركام، مُبينة أن حجم الكميات المتراكمة وصل إلى نحو 350 ألف متر مكعب داخل مراكز غزة، ما يشكل بيئة خصبة لانتشار الأمراض والآفات.

وقال مدير العلاقات العامة في بلدية غزة، أحمد الدريملي، في تصريحات صحفية، إن الدمار الواسع في البنية التحتية والمباني أسهم بشكل مباشر في خلق ظروف مواتية لتكاثر القوارض والحشرات، في ظل عجز الطواقم البلدية عن التعامل الكامل مع الأزمة بسبب نقص الإمكانيات.

وحذر رئيس مستشفى الرنتيسي جميل سليمان، من أن استمرار الوضع البيئي المتردي دون تدخل عاجل سيؤدي إلى تفاقم الأزمات الصحية، وانتشار موجات أوسع للأمراض في حال لم يتم احتواء الوضع بشكل سريع وفعّال.

وكأن غزة لم ينقصها شيء سوى مواجهة هذه الأوبئة والأمراض، لكن انتشار مرض الجدري يسلط الضوء على جانب مهم من المعاناة الإنسانية في القطاع، حيث تتقاطع عوامل الحرب والفقر والبيئة غير الصحية لتشكل تهديدًا مباشرًا لحياة جيل كامل، وبينما تتزايد أعداد الإصابات، يبقى الحل مرهونا بتحسين الظروف المعيشية وتوفير الرعاية الصحية العاجلة، قبل أن تتفاقم الأزمة إلى مستويات يصعب السيطرة عليها.