اتهم عالم الاقتصاد الأمريكي، وأستاذ الاقتصاد التطبيقي في جامعة "جونز هوبكينز"، والمستشار الاقتصادي السابق في البيت الأبيض، ستيف هانكي، قائد الانقلاب الدموي عبد الفتاح السيسي، بأنه "يحفر حفرة اقتصادية لمصر"، مؤكدا أنه "لدى السيسي مشكلة في الإنفاق".
أزمتا "الحفرة" و"الإنفاق"، طرحهما هانكي، الأربعاء الماضي، في معرض حديثه عبر موقع "إكس"، حول توقيع الحكومة المصرية الأربعاء الماضي، صفقة بقيمة 11 تريليون جنيه (202 مليار دولار) لتنفيذ 4 مشاريع عقارية، مع رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، في اليوم ذاته.
وقال هانكي: "هذا الرقم (11 تريليون جنيه) يفوق ضعف كامل ميزانية مصر السنوية البالغة 5.2 تريليون جنيه"، مشيرا إلى أن "دفعات الفوائد المقررة على الديون وحدها تكلف بالفعل 2.4 تريليون جنيه، وهي تقارب نصف الميزانية"، مؤكدا أنه "لدى السيسي مشكلة في الإنفاق".
وأشار إلى أن معدل التضخم السنوي في مصر سجل رسميا حوالي 14 %، وفق تحديثاته الأخيرة، ما يتجاوز النطاق المستهدف من قبل الدولة والمحدد بين 5 إلى 9 بالمئة، مبينا أن المعروض النقدي في مصر ينمو بنسبة 17 % سنويا، وهو ما يتجاوز "معدل النمو الذهبي"، الذي حدده هانكي بين (11.1 و15.1 %) لضمان استقرار الأسعار والتوافق مع مستهدفات التضخم، معلقا على ذلك الوضع بقوله إن "السيسي يحفر حفرة اقتصادية لمصر".
والأربعاء الماضي، أعلنت حكومة الانقلاب تدشين 4 مشروعات عقارية بالشراكة مع مجموعة "طلعت مصطفى": شمال مدينة "مدينتي" على مساحة 5 ملايين متر مربع شرق القاهرة، باستثمارات 3.2 تريليون جنيه، وفي غرب الإسكندرية بمساحة 11.3 مليون متر مربع باستثمارات بين 1.3 إلى 1.7 تريليون جنيه، ومشروع "أبوقير" الصناعي واللوجستي والسكني والسياحي قرب الميناء الجديد بمساحة 10 ملايين متر مربع باستثمارات 5 تريليونات جنيه، مع مشروع بالساحل الشمالي في 10.4 مليون متر مربع، باستثمارات 970 مليار جنيه.
وضع خطير مع وهم مشاريع كبرى
وفي حديثه لـ"عربي21"، أكد الخبير الاقتصادي والاستراتيجي الدكتور علاء الدين سعفان، أن الخبير الأمريكي يلفت الانتباه إلى خطورة الاعتماد المفرط على قطاع الإنشاءات والعقارات في مصر وفي المقابل إهمال الإنتاج الصناعي والزراعي والتصدير، وخطورة ذلك الوضع على بنية ومستقبل الاقتصاد المصري.
وقال: "في وقت يتهاوى فيه الاقتصاد المصري تحت وطأة أزمات هيكلية غير مسبوقة، تواصل السلطات السير في طريق مسدود عبر تكثيف الاستثمار في قطاعات ريعية عقيمة، متجاهلةً أبسط أبجديات الإدارة المالية الرشيدة".
وأكد أن "القراءة المتعمقة للمشهد الراهن تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن الهوس العمراني المفرط والاعتماد على صفقات الإسمنت والخرسانة لا يعدو كونها مؤامرة اقتصادية خطيرة تهدد مستقبل البلاد، وهو ما تقاطع بصورة واضحة مع التحذيرات الصادمة التي أطلقها البروفيسور ستيف هانكي، منبهًا إلى خطورة معدلات التضخم الجامح والتوسع النقدي الهائل الذي يتجاوز المعايير الذهبية لاستقرار الأسعار".
الخبير المصري، يرى أن "هذا التوحش المالي يعكس قراراً عشوائيا فرديا كارثياً غير مدروس نابع من الأهواء الشخصية بتوجيه مقدرات وشرايين السيولة في الجهاز المصرفي - المدعومة بأموال المودعين- لدعم شركات ومطورين عقاريين محددين، على رأسهم مجموعة هشام طلعت مصطفى وشركاته".
تركز مفرط وبداية الانهيار
رئيس الأكاديمية المصرفية الدولية واستشاري تخطيط وتطوير وتمويل وتنفيذ وإدارة المشاريع الحكومية والخاصة والأوقاف الاستثمارية قال إن "تمدد مشاريع هشام طلعت مصطفى بأسلوب مثير للريبة محلياً وإقليمياً (في السعودية والإمارات والعراق وعمان)، مدعوم بشبكة نفوذ وتسهيلات ومكتسبات تُمنح لها بمعزل عن معايير الشفافية والمنافسة العادلة"، متسائلا : "عن علاقته بشيوخ الإمارات وبالسيسي الذي أفرج عنه بعفو رئاسي، وأسرة السيسي؟، وعن المصالح المشتركة بينهما على حساب مصر وشعبها وبنوكها وودائعها".
وأكد أن "هذا التمركز المفرط للثروة والسلطة في قطاع واحد يذكرنا بالانهيارات الكبرى عالمياً، كالتجربة الصينية المريرة مع عملاق العقارات المفلس إيفرجراند (China Evergrande Group) وما آلت إليه ديونها الطائلة التي تجاوزت 300 مليار دولار وانتهت بسجن رئيس مجلس إدارتها شو جيايين (Hui Ka Yan) مدى الحياة إثر قضايا احتيال مالي"، فضلاً عن "أزمات الفقاعة العقارية الأمريكية المتكررة التي تثبت خطورة إهمال الاقتصاد الحقيقي لصالح ركائز وهمية".
سعفان لفت إلى أن هناك نحو 20 مدينة أشباح وملايين الشقق غير المأهولة، ملمحا إلى "أرقام صادمة عن مدن الأشباح التي بناها السيسي في الصحراء دون أي دراسة ولا أي جدوى تؤكد مأساة جنرال أغوته تجربة دبي العقارية وأراد تقليدها".
وأوضح أن "اقتصاد المدن الخاوية، بالأرقام الرسمية الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، والتي كشفت عن وجود قرابة 13 مليون وحدة سكنية مغلقة ومهجورة في مختلف أنحاء الجمهورية (من بينها ملايين الشقق في مدن الأشباح الصحراوية الجديدة)، والتي هي طاقات معطلة استنزفت مليارات الدولارات من دماء الشعب المصري دون أدنى جدوى اقتصادية أو قدرة شرائية للمواطن العادي، بل جاءت انعكاساً لتقليد أعمى لنموذج دبي العمراني بمعزل عن الحاجة الفعلية للسوق والمجتمع".
وبين أنه "وفقاً لتقديرات مجموعة البنك الدولي والبيانات المالية المتراكمة، فإن استمرار هذا النهج في ظل عجز هيكلي مزمن سيجبر الدولة على الاعتماد المفرط على طباعة النقود بدون غطاء حقيقي لتغطية الالتزامات المالية المتراكمة"، ملمحا إلى أن "هذا يشير حسابياً ونقدياً إلى مسار كارثي وانهيارات خطيرة اتوقعها للجنيه المصري بالسنوات الخمس المقبلة -إن لم يزول النظام خلال 2026 أو 2027".
الخبير توقع "تراجع قيمة العملة بنحو من 25 إلى 30 في المائة سنوياً لتهوي تدريجياً نحو مستويات مفزعة تقترب تباعاً من: 70 جنيه، ثم 90، ثم 115، ثم 140، وصولاً إلى 200 جنيه مصري للدولار الأمريكي الواحد من نهاية العام الحالي وحتى 2030".
رؤية استراتيجية للإنقاذ
وفي توصياته الاقتصادية، يعتقد سعفان، أن "إنقاذ الاقتصاد المصري من هذا الانهيار الوشيك يتطلب قراراً شجاعاً وفورياً لإحداث تغيير جذري في فلسفة إدارة الدولة، يمكن إيجازها في 6 توصيات اقتصادية استراتيجية، أولها: "إعادة هيكلة شاملة للاقتصاد المصري".
وذلك بـ"التخلي فوراً عن سياسات الاقتصاد الريعي والعشوائي، والاهتمام بمشاريع الشباب والقطاع التعاوني والمشاريع متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة والأوقاف الاستثمارية ودعم الاستثمار المحلي والأجنبي دون تغول وتطوير قطاع الأعمال العام ودعمه وليس تصفيته وبيعه أو التنازل عنه مقابل فواتير دعم انقلاب 2013 أو أقساط الديون الخارجية".
و"تصميم وبناء خطة اقتصادية استراتيجية خمسية أو عشرية واضحة المعالم تخضع لدراسات جدوى حقيقية وفق معايير علمية دقيقة والتوقف عن أسلوب إدارة الدولة بنظام إدارة الأزمات وليس حل المشكلات".
وثانيا: "توحيد الميزانية العامة للدولة"، عبر "دمج الوحدات الاقتصادية المملوكة لمؤسسة الجيش والجهات السيادية والأمنية في قطاع الأعمال العام وإخضاع كافة الحسابات والصناديق الخاصة لولاية وزارة المالية وإشراف البرلمان الحقيقي، لضمان الشفافية ومحاربة قنوات الهدر والفساد والاقتصادات الموازية والسوداء وضبط موارد الدولة من ضرائب وجمارك ورسوم وغيرها بصورة عادلة وجعل المنافسة عادلة".
وثالثا: "وجوب إقصاء المؤسسة العسكرية كلياً عن النشاط الاقتصادي، لإتاحة المجال كاملاً للقطاع الخاص الوطني الحقيقي والشباب من أجل المنافسة العادلة، ووقف الهيمنة الاحتكارية التي خنقت الأسواق ودمرت اقتصاد مصر وأهدرت ثرواتها ونهبتها وأفقرت شعبها".
ورابعا: "وقف إبرام الدولة العقود بالأمر المباشر، والعودة الصارمة لنظام المناقصات والمزايدات العلنية النزيهة لمحاربة الفساد الذي استشرى في مفاصل الدولة".
وخامسا: "تقييد السلطة المطلقة الفردية، والعمل على منع من يحتل منصب رئيس الجمهورية من اتخاذ أي قرارات اقتصادية كبرى وفق أهوائه أو إملاءات الصهيونية والماسونية العالمية خارج المؤسسية الاستراتيجية للحكومة وخارج إطار المصلحة العليا للشعب المصري وهو دور مجلسي النواب والشورى والمحكمة الدستورية العليا والأحزاب".
وسادسا: "إعادة ترتيب أولويات الإنفاق القومي"، مؤكدا أن "الناس لن تأكل الطوب والخرسانة؛ بل تحتاج إلى الاهتمام بزراعة القمح وغيره والانتاج الحيواني والسمكي والتصنيع الغذائي، وهم بحاجة إلى التعليم الجيد، والرعاية الصحية المتقدمة، وتوفير فرص عمل حقيقية للشباب، وسد الفجوة الهائلة بين الطبقات الاجتماعية".
وبين أن "هذا النظام نجح في تحويل نحو 90 % من الشعب إلى فقراء وتحت خط الفقر، وينبغي التوجيه العادل للموارد وودائع البنوك نحو قطاعات الإنتاج الحقيقي (الزراعة والصناعة والتعليم والصحة والتجارة والبحث العلمي) للحاق بركب الأمم الأكثر تطوراً".
وختم بالقول: "وكما ينبغي أن تنتج مصر غذاءها ودواءها وسلاحها وتمتلك قرارها واستقلالها وسيادتها، فإنه من البديهيات رد المظالم وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وإطلاق الحريات، والحفاظ على هوية مصر ودينها ولغتها ووحدة نسيجها الوطني والمصالحة المجتمعية ودعم القيم والمبادئ والأخلاق التي عمل العسكر منذ 1952 على تدميرها وبخاصة منذ 2013 حتى اليوم".
حجم الحفرة بالأرقام
وبالتزامن مع حديث الخبير الأمريكي، تشير الأرقام والإحصائيات إلى أوضاع صعبة يعيشها المصريون ووقوع كثيرين في حفرة الفقر والعجز عن تلبية الاحتياجات الأساسية خاصة مع ارتفاع متتال لأسعار عشرات السلع الاستراتيجية، ما يضع مصر بالمرتبة 55 من بين 122 دولة في مؤشر الجوع العالمي لعام 2026.
ووفق رصد للأكاديمي الدكتور علي عبد العزيز، عبر صفحته بـ"فيسبوك" فإن الأسعار في عهد الانقلاب، زادت تراكميا بنحو 451 في المائة بين 2014 و2025، وارتفع معدل الفقر الرسمي من 27.8 بالمئة في 2015 إلى 32.5 % في (2017/2018)، فيما قدّره البنك الدولي بنحو 33.5 % في 2021، بينما ارتفع بنحو 5 نقاط مئوية بين 2022 و2024 ليصل إلى أكثر من 38 %.
وفي هذا السياق، فإن ثاني اقتصاد قاري -بعد جنوب أفريقيا- والثالث عربيا -بعد السعودية والإمارات- يواجه استحقاقات ديون خارجية تبلغ 60.9 مليار دولار بالعام المالي الحالي، فيما تتطلب أقساط القروض 53.83 مليار دولار، وتبلغ الفوائد المستحقة نحو 7.1 مليار دولار.