في أوقات الشدة، حين تتوالى الأخبار المُثقِلة وتضيق الصدور، يتردد في القلوب سؤالٌ قديم قِدَم الابتلاء نفسه: ﴿مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ﴾؟ وهو سؤال لم يقله الضعفاء وحدهم، بل قاله الرسول والذين آمنوا معه حين ﴿زُلْزِلُوا﴾، فجاء الجواب الإلهي حاسمًا مطمئنًا:

﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾  [البقرة: 214]

غير أن هذا الجواب لا يسكن القلبَ بالقدر نفسه عند كل الناس؛ فالناس في يقينهم بوعد الله درجات، وقد رسم القرآن الكريم هذه الدرجات في ثلاث كلمات: علم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين.

ما اليقين أصلًا؟

اليقين هو العلم وإزاحة الشك وتحقيق الأمر وهو عكس الشك  

لاحظ معي أخى الكريم لا يتوقف  الأمر على مجرد العلم وتحقيق المعرفة بل استشعر ما تتضمنه كلمة إزاحة الشك من الجهد الذى يجب على كل منا بذله ثم ما يكون من نظر وتمحيص ليتم تحقيق الأمر  وبذلك يتحقق للمرء اليقين

ونحن حين نعيش لغاية أرادها الله سبحانه وتعالي منا تدور حياتنا حولها نتعبد لله بالبذل والسعي لتحقيقها بطرق أبواب الأسباب جميعا تكون القلوب بما استقر فيها من إيمان ويقين هى الدافع الرئيس وكذلك هى سبب الأمان من الانحراف أو الركون للأسبلب  

 وحتى نتفهم. رحلة تمكين اليقين بوعد الله بقلوبنا فقد قرّب العلماء المراتب الثلاث  لليقين بمثال بسيط: رجلٌ أُخبر بأن عنده عسلًا فصدّق، فذاك علم اليقين. ثم رآه بعينه، فذاك عين اليقين. ثم ذاقه، فذاك حق اليقين.

المرتبة الأولى: علم اليقين… أن تصدّق قبل أن ترى

﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾  [التكاثر: 5]

هذه مرتبة الخبر الصادق. والمؤمن فيها يصدّق وعد الله بالنصر لأن الذي وعد هو الله، لا لأن المؤشرات المادية تبشّر به. وهذا هو جوهر الإيمان بالغيب: ﴿وَعْدَ اللَّهِ ۖ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ [الروم: 6].

وقد علّم النبي ﷺ أصحابه هذه المرتبة في أشد لحظات الاستضعاف؛ جاءه خبّاب بن الأرت يشكو ما يلقاه المسلمون في مكة، فبشّره بأن هذا الأمر سيتم «حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله»، ثم قال: «ولكنكم تستعجلون» (رواه البخاري: 3612). كانت البشارة يومئذ خبرًا محضًا، لا شيء في الواقع يشهد له، ومع ذلك صدّقه الصحابة يقينًا.

المرتبة الثانية: عين اليقين… حين يرى القلب ما وعد به

﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾  [التكاثر: 7]

وهي مرتبة المشاهدة، والنفس البشرية تطمئن بالمعاينة فوق ما تطمئن بالخبر، ولهذا فى حديث عبدالله بن عباس عن النبي ﷺ: «ليس الخبرُ كالمعاينة»، وذكر أن موسى عليه السلام أُخبر بعبادة قومه العجل فلم يُلقِ الألواح، فلما عاين ما صنعوا ألقاها (رواه أحمد: 2447،

ومن هنا نفهم طلب إبراهيم الخليل عليه السلام:

﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾  [البقرة: 260]

لم يكن إبراهيم شاكًّا، بل كان موقنًا بالخبر، لكنه طلب أن يرتقي من علم اليقين إلى عين اليقين. ونحن اليوم نبلغ هذه المرتبة في باب النصر حين نسير في الأرض وننظر في سنن الله في الأمم: ﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [آل عمران: 137]، وحين نقرأ التاريخ فنرى أمةً اجتاحها الصليبيون فنهضت في حطين، واجتاحها المغول فنهضت في عين جالوت.

المرتبة الثالثة: حق اليقين… أن تذوق

﴿إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾  [الواقعة: 95]

﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ﴾  [الحاقة: 51]

وهي أعلى المراتب: أن يباشر القلب الحقيقة ويذوقها. وفي باب النصر يذوق المؤمن هذه المرتبة حين تنزل عليه السكينة في قلب العاصفة، كما ذاقها النبي ﷺ في الغار فقال لصاحبه: «ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما» (متفق عليه: البخاري 3653، مسلم 2381)، فكانت النتيجة: ﴿فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا﴾ [التوبة: 40].

وذاقها الصحابة يوم الأحزاب؛ إذ رأوا الجموع فقالوا: ﴿هَٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ۚ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 22]، ثم ذاقوا الفرج: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا﴾ [الأحزاب: 25].

كيف نرتقي في هذه المراتب؟

اليقين ليس هبةً جامدة، بل يزيد ويُكتسب، ومن أعظم أسبابه:

◆     تدبّر آيات الوعد وقصص الأنبياء، فقد قال الله لنبيه: ﴿وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [هود: 120].

◆     التأمل في آيات الله في الكون والتاريخ: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ﴾ [الذاريات: 20].

◆     الدعاء، ومن دعاء النبي ﷺ: «ومن اليقين ما تهوِّن به علينا مصيبات الدنيا» (رواه الترمذي: 3502 وحسّنه).

◆     العمل والصبر، فبهما تُنال الإمامة: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا ۖ وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: 24].

◆     الأخذ بالأسباب دون التعلق بها، فاليقين لا يعني التواكل، بل: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: 60].

كلمة أخيرة

علم اليقين يمنعك من اليأس، وعين اليقين يمنحك الطمأنينة، وحق اليقين يجعلك ثابتًا لا تهزّك العواصف. وبين المرتبة والمرتبة صبرٌ وعمل ودعاء. فإن لم تر النصر بعد، فلا تجعل ذلك ينقص من يقينك شيئًا؛ فقد جاء النصر للرسل في اللحظة التي ﴿اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾ [يوسف: 110].

وكان شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: «بالصبر واليقين تُنال الإمامة في الدين» (نقله ابن القيم في مدارج السالكين).

﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ۖ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾  [الروم: 60]