تُختم سورة الحجر بثلاث آيات قصيرة تحمل منهجًا كاملًا للداعية: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ ۝ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ ۝ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٧–٩٩]. فهي تصف حال النبي ﷺ وقد أثقله عناد المشركين واستهزاؤهم، ثم ترسم له طريق الثبات: التسبيح والسجود والعبادة الدائمة حتى الموت.

ولا تُفهم هذه الوصية حق فهمها إلا في سياق السورة كلها؛ حتى يتمكن الداعية من استخلاص الدور الواجب عليه ويعيش فى حركته وجهاده مرتبطا بمن سبق فى طريق الدعوة متأسيا بالأنبياء والرسل فيقرأ ويستقبل التوجيهات الربانية كما استقبلها السابقون ويعيش لها كما عاشوا هم لها فيتحقق له فى النهاية ((وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا)) (النساء69)

سورة الحجر

سورة الحجر مكية، آياتها تسع وتسعون، نزلت في مرحلة اشتد فيها تكذيب قريش وسخريتها، وسُمّيت باسم ديار ثمود «أصحاب الحجر». ويرى صاحب الظلال أن محورها الأكبر هو كشف طبيعة المكذبين وتثبيت الرسول ﷺ والقلة المؤمنة معه، وهو ما تنتهي إليه خاتمتها. ويمكن تقسيمها إلى خمسة مقاطع:

1.     الافتتاح وتهديد المكذبين (١–١٥): تبدأ بالحروف المقطعة ﴿الر﴾ والتنويه بالكتاب، ثم بتهديد مخيف: ﴿رُّبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ ۝ ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ ۖ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾. وتحكي سخريتهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾، ويأتي الوعد الحاسم: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾، مع بيان أن عنادهم لا تزيله الآيات ولو فُتح لهم باب من السماء.

2.     آيات الكون (١٦–٢٥): البروج في السماء، والأرض الممدودة والرواسي، والرياح لواقح، والماء المنزل، والإحياء والإماتة، وأن عند الله خزائن كل شيء.

3.     قصة الخلق وإبليس (٢٦–٥٠): خلق الإنسان من صلصال من حمإ مسنون، وسجود الملائكة، وإباء إبليس وتوعده بالإغواء، وأن لا سلطان له على عباد الله المخلَصين، ثم مصير الفريقين: جهنم ذات الأبواب السبعة، والجنات للمتقين، وتُختم بـ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ۝ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾.

4.     مصارع الأقوام (٥١–٨٤): ضيف إبراهيم وبشارته بالغلام، ثم هلاك قوم لوط، ثم أصحاب الأيكة، ثم أصحاب الحجر الذين نحتوا الجبال بيوتًا آمنين فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون.

5.     الخاتمة: خطاب الرسول ﷺ (٨٥–٩٩): تقرير أن السماوات والأرض خُلقت بالحق وأن الساعة آتية، والأمر بـ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾، والتذكير بنعمة ﴿سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾، والنهي عن مدّ العين إلى متاع المترفين، والأمر بخفض الجناح للمؤمنين، ثم ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ۝ إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾، وتنتهي بالآيات التي هي موضوع هذا المقال.

وبين أول السورة وآخرها تناسب لافت: فكما بدأت بقوله ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ في تهديد المكذبين، عاد هذا الوعيد نفسه في الآية ٩٦ قبيل الخاتمة مباشرة، فيلتقي الطرفان على حقيقة واحدة: أن العاقبة بيد الله، وأن على الرسول أن يبلّغ ويصبر.

وقفات مع الآيات الخواتيم

﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ﴾

يلفت ابن عاشور إلى أن الجملة مؤكدة باللام و«قد»، وأن المقصود ليس مجرد إخبار النبي ﷺ بأن الله يعلم حاله، فهو يعلم ذلك يقينًا، وإنما هو كناية عن العناية والرعاية: أي إن ما تلقاه بعين الله، فلن يضيع، وسيجزي المسيئين بما قالوا. وضيق الصدر عنده كناية عن الحزن والغمّ، إذ يجد المهموم كأن صدره لا يتسع لنَفَسه.

أما سيد قطب فيقف عند البُعد الإنساني للآية: فالرسول ﷺ بشر يتأذى من السخرية والتكذيب، والقرآن لا ينكر عليه هذا الضيق، بل يعترف به ويواسيه. وفي ذلك تقرير أن الداعية لا يُطلب منه أن يكون حجرًا لا يتألم، بل أن يعرف كيف يعالج ألمه.

﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ﴾

الفاء هنا للتفريع: فالتسبيح هو العلاج المترتب على ضيق الصدر. ويرى ابن عاشور أن تنزيه الله عمّا يقوله المشركون فيه، مقرونًا بحمده، هو المقابل لأقوالهم الباطلة؛ فكلما سمع الرسول شركًا قابله بالتنزيه والحمد. ويلاحظ أن التعبير بـ﴿وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ﴾ أبلغ من الأمر بالسجود وحده، لأنه يجعل السجود صفة ثابتة يندرج بها في زمرة أهلها. ويتصل هذا بما ثبت من أن النبي ﷺ كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة.

ويجعل سيد قطب هذه الآية مفتاح الزاد في الطريق الطويل: فالداعية لا يستمد قوته من نفسه ولا من استجابة الناس، بل من صلته بربه؛ والتسبيح والسجود يعيدان إلى القلب طمأنينته ويضعان أذى الناس في حجمه الحقيقي.

﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾

اليقين هنا الموت عند جمهور المفسرين، وسُمّي يقينًا لأنه أمر متيقَّن لا يشك فيه أحد، وبه فُسّر قول أهل النار ﴿حَتَّىٰ أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ [المدثر: ٤٧]. ويقرر ابن عاشور أن «حتى» هنا لاستغراق مدة الحياة كلها بالعبادة، لا لأن العبادة تنقطع بعد غاية ما في الدنيا؛ فهي تكليف ممتد لا يسقط بحال. وبهذا يُردّ على من زعم أن من بلغ «اليقين» سقطت عنه التكاليف.

ويرى سيد قطب في هذه الخاتمة توجيهًا إلى أن الدعوة ليست معركة قصيرة تنتهي بنصر سريع، بل مسيرة عمر كامل، لا يتوقف فيها الداعية عند استجابة الناس أو إعراضهم، وإنما يمضي في العبادة والبلاغ حتى يلقى ربه.

الدور الواجب على الداعية

إذا كان هذا الخطاب موجّهًا إلى أكمل الدعاة ﷺ، فهو لمن بعده من أتباعه أولى. ويمكن أن نستخلص من الآيات الخواتيم وسياقها ستة واجبات:

١. أن يدرك أن ألمه معلوم عند الله

أول ما يحتاجه الداعية حين يُكذَّب ويُسخر منه أن يعلم أن الله مطّلع على حاله. فهذا العلم، كما قرر ابن عاشور، عناية ووعد بالجزاء، لا مجرد إحاطة. ومن استقر هذا في قلبه لم يطلب من الناس اعترافًا بجهده، ولم ينكسر لجحودهم.

٢. ألا يجعل ردود الناس ميزانًا لنجاحه

ضيق الصدر طبيعي، لكن الخطر أن يتحول إلى يأس أو انسحاب أو غضب يُفسد الخطاب. والسورة قبل ذلك قررت ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾، فالداعية ليس مكلفًا بإسكات كل ساخر ولا بإقناع كل معاند، وإنما بالبلاغ: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾.

٣. أن يتزود بالعبادة قبل أن يتزود بالحجة

لم تقل الآيات: فاردد عليهم، ولا: فجادلهم، بل: ﴿فَسَبِّحْ﴾ و﴿كُن مِّنَ السَّاجِدِينَ﴾. وهذا ما يجعله سيد قطب أصلًا في منهج الدعوة: أن قوة الداعية الحقيقية من صلته بربه. فالداعية الذي يكثر الكلام ويقل سجوده سرعان ما يجف، ويصير خطابه انفعالًا لا نورًا.

٤. أن يقابل الباطل بالتنزيه لا بالانفعال

في ملحظ ابن عاشور أن التسبيح مقابل لأقوال المشركين معنى دقيق: فكلما سمع الداعية ما يسيء إلى الحق، كان رده الأول في داخله تنزيهًا لله وحمدًا. وهذا يحفظ قلبه من الحقد، ولسانه من الفحش، ويُبقي معركته مع الفكرة لا مع الأشخاص، وهو منسجم مع الأمر السابق ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾.

٥. أن يعتز بما معه ولا يمد عينيه إلى ما مع غيره

سياق الخاتمة يذكّر الرسول ﷺ بأنه أوتي السبع المثاني والقرآن العظيم، ثم ينهاه عن النظر إلى متاع المترفين. فالداعية الذي يشعر بالنقص أمام أصحاب الجاه والمال يضعف خطابه، أما من عرف قيمة ما يحمل فيستغني عن الناس ويخفض جناحه للمؤمنين في الوقت نفسه.

٦. أن يستمر حتى يأتيه اليقين

التكليف الأخير هو الثبات الممتد: لا تقاعد في الدعوة، ولا عبادة موسمية تنشط مع الحماس وتخبو مع الفتور. فالآية تجعل العمر كله ميدانًا للعبادة، والدعوة جزء منها. والداعية الذي يفهم ذلك لا يستعجل الثمرة، لأنه يعلم أن مهمته أن يغرس، وأن الحصاد بيد الله.

خاتمة

بدأت سورة الحجر بوعيد المكذبين وانتهت بتثبيت الرسول ﷺ، وبين الطرفين عرضت آيات الكون وقصة الخلق ومصارع الأقوام، لتقول للداعية: إن الحق محفوظ، والعاقبة لله، وأنت لست مسؤولًا عن هداية الناس بل عن البلاغ والعبادة.

وخلاصة الوصية في ثلاث كلمات: اعلم أن الله يعلم، واستعن بالتسبيح والسجود، واثبت حتى الموت. وهذا هو المنهج الذي يحفظ الداعية من الانكسار أمام الأذى، ومن الفتور مع طول الطريق.