لا تجد الوقت للحوار مع ابنتها الصغيرة ربما لكثرة الأعباء والمسئوليات ولا تُعطي لوالدها وقتًا للحوار، وفتح المحمول المجال أكثر لمزيدٍ من التقارب المادي والنفسي، فيبدأ الجدُّ في السماح لحفيدته بالعبث بهاتفه المحمول في البداية.
وبعد محاولات متتالية للطفلة يجد الجدُّ نفسه قد فَقَدَ الاهتمامَ أو ضعُف تركيزه فيترك المجال لحفيدته للعب بالجهاز، ثم لا تلبث الطفلة أن تعرف معظم خصائصه فيتحول مجرى الحديث بين الجيلين، فيصبح موجهًا من أسفل إلى أعلى، ويجد الجد نفسه لا يستخدم التكنولوجيا بكل تفاصيلها، فلا يبحث عن المزيد ولكنه يبدأ في قبول حوار الحفيدة بلا جدالٍ وبكل رضًا.
هنا نجد أنفسنا في مقامٍ نحتاج فيه للتغيير في اللغة وأسلوب الحوار وطريقة التفكير، فاللغة أصبحت رقميةً من معانٍ عديدة، والحديث بالأرقام أصبح أكثر إقناعًا وتغيير الحروف إلى أرقامٍ أصبح ضرورةً من ضرورات تكنولوجيا الاتصال التي اختصرت الكلمات وغيَّرت شكلها وتركيبها ولم يعد لها مكانًا في القاموس العربي، فمنها ما يُكتب بحروف عربية ويُنطَق بالأجنبية، ومنها ما ليس موقعًا على الإنترنت، ولكنه حوارٌ إلكتروني من الجد لحفيدته، محاولاً من خلاله تربيتها على التكنولوجيا الحديثة حتى ولو على سبيل المزاح وباحثًا عن أسلوبٍ جديدٍ لتقارب الأجيال.
لم تسأله البنت كيف تدخل على الموقع، ولكنها بدأت معه في حوارٍ آخر لتبادل الخبرات، صحيح الفرق العمري كبير ولكن المصالح مشتركة بينهما سمحت بها الظروف، فالأم لا تنطق بالعربية وتكتب بالأجنبية، ومنها ما يحتوي على الخليط من الحروف العربية والأجنبية والأرقام العربية والأجنبية، المهم في الأمر هو إفراز نوعٍ جديدٍ من اللغة ابتدعها المستخدمون أنفسهم وتمسكوا بها وارتضوها فيما بينهم ورضوا بعمرها القصير، وهي لغة ربما وحَّدت شباب مستخدمي التكنولوجيا من العرب، ولكن تحت شعار "الروشنة والتحديث"!
إذا كان المجال التكنولوجي في يد أبنائنا الآن فمجال القيم الأصيلة والفاضلة في يد الوالدين والأجداد، ولا يجب بأي حالٍ من الأحوال التنازل عنه ليس من أجل أنفسنا ولكن من أجل الحِفاظ على أبنائنا وتواصل الأجيال؛ فهم يحتاجون للتأكيد على معنى المسئولية وتحول مفهوم الرقابة على الغير إلى الرقابة الذاتية ومحاسبة النفس ورقابة الله عز وجل، وتدعيم قيمة صلة الرحم بالتواصل بين الأقارب وأصدقاء الخير، وتطبيق حديث الرسول- صلى الله عليه وسلم-: "خير الناس أنفعهم للناس"، بالتبليغ عن البرامج التليفزيونية الجيدة والمواقع النافعة على الإنترنت والتحذير من المواقع الإباحية والبرامج الفاضحة، وغيرها من المواد الإعلامية التي وفَّرتها تكنولوجيا الاتصال الحديثة بلا رقابةٍ ولا رقيب، ومعرفة قيمة الإنفاق في سبيل الله، خاصةً إذا عرفنا أن مليارات أموال المسلمين تُنفق اليوم على الاتصالات، فهل جنى منها المسلمون مقابل ما ينفقونه؟! خاصةً أن معظمها في يد الشباب الذين يعانون من البطالة والتي تُعتبر من أكثر مشكلات الشباب، خاصةً في الدول العربية والإسلامية.
-----------
* كلية الإعلام- جامعة 6 أكتوبر