ما إن يأتي شهر رمضان حتى تهفو نفوسنا للصلاة والاعتكاف في بيوت أذن الله أن تُرفَعَ ويذكر فيها اسمه، نربو بأعيننا في مصلى السيدات، وكلنا سرور وانشراح؛ فقد امتلأ بالنساء من مختلف الأعمار.

 

فهذه سيدة مسنة جاءت تتكئ على حفيدتها التي ما إن تدخل المسجد حتى تسرع بوضع الكرسي لها فتجلس وتصلي عليه..

 

وتلك شابة في مقتبل العمر تهرول إلى الصلاة وتعبر عن فرحتها.. فقد جاء رمضان مبكرًا قبل موعد امتحانات نصف العام، وهذه فرصة عظيمة لتصلي التراويح يوميًّا وفي المسجد، بل وتعتكف مع أسرتها أيضًا.

 

ثم نتوقف برهةً عند مشهد للجدل والنقاش بين صفوف النساء، وقد يثار هذا الجدل في أفنية المساجد وفي المصلى، وترتفع الأصوات وتشتدُّ الكلمات بين مؤيد لهذا المشهد ومعارض له.. هذا المشهد هو سيدات يصطحبن أطفالهن الصغار للمسجد لأداء صلاة التراويح، وحول هذه السيدات كان هذا التحقيق:

الرجال يصفقون

تقول السيدة فاطمة محمد: أنا منزعجة جدًّا من هؤلاء الأطفال؛ فهم يشوِّشون عليَّ أثناء الصلاة وعلى كثيرات، بل إن أصواتهم وهم يلعبون ويضحكون وأحيانًا وهم يتشاجرن ويبكون ترتفع حتى إنها تصل أحيانًا إلى مصلى الرجال الذين يبدأون بدورهم في التصفيق لنا من المصلَّى ويردِّدون عباراتٍ تعبِّر عن ضيقهم "كل واحدة تسكت طفلها" وهكذا.

 

قذارة على السجاد

وتضيف نهى: غضبت من إحدى السيدات معنا في المسجد، وعنَّفتها بشدة؛ فهي تُحضِر أطفالها الثلاثة الصغار لصلاة التراويح وتُحضر الحلوى والبسكويت، وأحيانًا الساندويتشات والعصير لتُسكِتَهم بها أثناء الصلاة، وهذا أمرٌ طيبٌ، وما ضايقني منها هو أن أطفالها يقومون بتوسيخ سجاد المسجد ويسكبون عليه المياه والعصائر؛ فهم صغار لا يتحكمون جيدًا فيما يأكلون وهكذا يتركون القذارة على السجاد التي تؤذي المصلين عند السجود ونجعل المكان غير نظيف!!

 

أين حذائي؟!

وتؤيدها مروة في ذلك فتقول: بعض الأطفال يتسابقون في المسجد ويتنافسون مع بعضهم في القفز من فوق المصلين أثناء السجود، ولك أن تتخيل ما يمكن أن يحدث؛ إذ يسقط بعضهم فوق رؤوسنا، والبعض الآخر يسقط على الأرض أو يصطدم بالحائط فيتأذَّى ويصرخ ويشغل المصلين، ويلتفت بعضهم من الصلاة ليرى ما حدث للأطفال.. إنها فوضى لا توصف!

 

كما أخبرتنا أنها بعد الصلاة خرجت تبحث عن حذائها فلم تجده، بعد عناء طويل اكتشفت أن حذاءها على باب مصلَّى الرجال، وحكَى لها أحد الصبية أن صديقَه ألقاه هناك وهو يلعب مع أخيه.

 

وبعد.. كثيرة هي مشاكل الصغار في المسجد إذا كان البعض قد ضجَّ منهم ومن أمهاتهم اللاتي اصطحبنهم معهم، فإن الأمهات قد يكن أكثر انزعاجًا ويُصَبْنَ بحرج كبير من أطفالهن؛ حتى تلجأ الكثيرات إلى الجلوس في منزلها فلا تذهب للصلاة في المسجد حتى يكبر أولادها، أما الأخريات بثَثْنَ لنا شكواهن قائلات:

هل يعدُّ أطفالي جريمةً أعاقَبُ بسببها، فلا أذهب إلى الصلاة في المسجد أبدًا وأُحرَم من دروس الوعظ والخواطر الإيمانية التي يُلقيها الأئمة بين الأربع ركعات عادةً في صلاة التراويح؟! وأحرم أن أشهد اجتماع المسلمين على الطاعات والخير؟ هكذا قالت هدى أم لثلاثة أطفال.

 

أمور البيت

أم نور أم لطفلين قالت: أعلم أن أبنائي مزعجون، لكنني أحاول أن أسكتهم قدر استطاعتي، وتضيف: جربت الصلاة وحدي في البيت، وكانت النتيجة دائمًا أن الشيطان يقعدني عن صلاة التراويح ويشغلني بأمور البيت ومشكلات الأطفال التي لا تنتهي.

 

وتتساءل: هل حرام شرعًا أن أصطحب هؤلاء الأطفال إلى المسجد؟! لقد قرأت فيما رواه البخاري أن النبي- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- قال: "إني لأقوم في الصلاة أريد أن أطول فيها فأسمع بكاء الصبي فأتجوز في الصلاة كراهية أن أشق على أمه"، ولم يذكر الحديث أن النبي- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- نهى الأم عن اصطحاب طفلها للمسجد، رغم بكائه بصوتٍ عالٍ.

 

لا ضرر ولا ضرار

ويجيبها د. محمد المنسي- الأستاذ بقسم الشريعة الإسلامية بكلية دار العلوم في مصر- قائلاً: القاعدة الشرعية أنه لا ضرر ولا ضرار، فلا يجوز لكِ أختي السائلة أن تؤذِي المصلين بأي صورة؛ فهذا الطفل إذا أفسد على المتعبد صلاته، سواءٌ بالصوت العالي أو اللعب أو غير ذلك، فأنت مسئولة عن ذلك أمام الله عز وجل؛ إذ لا يجوز لك التشويش على المصلين بأطفالك.

 

أما الحديث المذكور فقد يكون خاصًّا بصلاة الفريضة، وصلاة التراويح سنة ليست فرضًا عليك، فالأولوية هو كفُّ الأذى عن المصلين، حتى لو لم تصلِّ المرأة في بيتها وحدها فهي غير آثمة، أما التشويش على المصلين فهو إثمٌ، فمصلحة الفرد لا تتقدم على مصلحة المجموع.

 

ويضيف: إن لم تستَطِع المرأة أن تتحكَّم في الصغير فالأَولى لها أن تصلي في بيتها، وثواب رعاية الصغير وكفّ صراخه عن الناس لا يقلُّ- إن شاء الله- عن ثواب التراويح في المسجد.

 

اقتراحات

وإذا كان هذا هو حكم الشرع في القضية، فإليك أختي الأم عدة اقتراحات قد تساعدك في أداء صلاة التراويح في المسجد دون التشويش على المصلين:

تقول نجلاء: أتفق مع جاراتي في الحي أن نذهب معًا لنصلي التراويح في المسجد على أن تجلس من لديها عذرٌ شرعيٌّ منا بالأطفال في بيتها، فلا نصطحبه معنا لئلا يزعجوا المصلين.

 

وتضيف علا: نتفق أنا وأربعٌ من المصليات في المسجد أن تجلس كل واحدة منا بالأطفال في ملحق بالمسجد بطريقة دورية، فتلعب مع الأطفال في هذا الملحق ألعابًا مفيدة وتحكي لهم قصص الأنبياء وتعمل لهم مسابقات إسلامية وتوزِّع عليهم الحلوى والجوائز حتى تشغلهم عن أمهاتهم وعن المصلين، وكان هذا حلاًّ مفيدًا للجميع.

 

وتضيف: علمت أن بعض المساجد بدأت تفتح دورًا للحضانة في وقت صلاة التراويح، وتخصص لها بعض المشرفات على الأطفال يأخذن الأطفال ويقمن على رعايتهن في وقت صلاة التراويح، في مقابل مبلغ من المال أو اشتراك تدفعه الأم للحضانة حتى لا تشوش بأطفالها على المصلين.

 

أما نجوى أم لثلاثة أطفال فقد اتفقت مع زوجها على اقتسام الأطفال حتى يخفَّ الضغط عليها فتتمكن من التحكم في الأطفال، فيأخذ هو محمد (6 سنوات) للصلاة عند الرجال وتأخذ هي الطفلتين، وتكافئ الأطفال بهدايا إذا التزموا بالهدوء أثناء الصلاة، ووجدت أن هذه الطريقة تعوِّد الأطفال احترام المساجد، وهكذا أخواتنا المصليات كانت هذه بعض المحاولات لحل هذا الإشكال.

وتقبل الله منا ومنكن.