متمرد.. ساخط.. ناقم على أهله وعلى الحياة، يجري وراء الموضة والماركات ومصاحبة الفتيات.

 

مواصفات كثيرًا ما سمعناها تصف حال المراهقين؛ فاقتربنا منهم في محاولةٍ منا فتْحَ الباب لهم للحديث عن أنفسهم؛ فوجدنا من بينهم مراهقًا يفتخر بأنه مراهق!!

 

عجبنا لأمره في البداية، وبعد معرفة قصته اقتنعنا بافتخاره، وأحببنا أن يشاركنا أقرانه المراهقون في التعرف على قصته؛ فيفتخروا مثله بهذه المرحلة، التي طالما كانت سببًا في إهانتهم.

 

طفولة بريئة

الضحك واللعب والحضن الدافئ كانت طفولته التي عاش فيها أيامًا سعيدةً وأحلامًا عظيمةً فتح عينيه على الدنيا ليجد نفسه الطفل الثاني لأسرة كريمة.

 

لم يكدر صفو أيامه إلا تلك المشاجرات التي كانت تحدث بين أخيه الأكبر ووالديه اللذَين لم يدَّخِرا شيئًا لإسعاده إلا وفعلاه من أجله؛ فكثيرًا ما يتذمَّر ويرفض ويسبّ ويلعن ويستغل كل المواقف ليثبت أنه الشهيد والضحية لهذه الأسرة التي تكرهه.

 

استفهامات صغيرة

كبر صاحبنا وهو مهموم بأمر أخيه الكبير، وكثيرًا ما كان يسمع تعليقات الجميع على حاله بأن هذا سلوكٌ طبيعيٌّ في هذه الفترة الحرجة، فترة المراهقة؛ فتعجَّب لهذه الفترة التي سرقت السعادة من بيتهم أشدَّ العجب، وكان أكثر ما يزعجه هو أنه عرَف أنه لا مفرَّ من أن يخوض هذه المرحلة هو الآخر، فتخيَّل نفسَه في موقف أخيه الذي طالما أخذ عليه طريقة حديثه مع أمه وإهانته لها إذا ما حاولت نصحه؛ فعقد العزم أن يبحث في كل الوسائل التي تجعله يهرب من هذه الفترة المليئة بالمشاكل.

 

وذات يوم سأل شيخه وقال له: هل مرَّ العظماء أمثالك أنت وأبي بهذه الفترة يا شيخنا؟! فأجابه أن هناك مَن أعظم منه ومن أبيه.. ألا وهم صحابة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أمثال علي ابن أبي طالب- رضي الله عنه- الذي أسلم صبيًّا، وابنيه الحسن والحسين، الذين هما سيدا شباب أهل الجنة.

 

حقيقة المرحلة

أدرك صاحبنا يومها أن المشكلة ليست في المرحلة نفسها، بل في تعامل كل فرد معها، وكانت هذه بداية بحثه واكتشافه لهذه المرحلة التي كان يتمنَّى لو لم تمكنه الأيام من أن يمر بها من سوء ما سمعه عن تعامل الشباب معها.

 

خطّ البداية لجأ إلى الله ودعاه بشدة ألا يجعله يومًا سببًا في دمعة تَسقُط على وجنة أمه أو ألم في قلب أبيه، واجتهد في البحث عن صحبة صالحة كما أوصاه شيخه؛ ليتعاونوا في أمور دينهم ودنياهم، وإذا ما رغبوا في الترفيه عن أنفسهم كان ذلك بما يُرضي ربهم.

 

مفهوم المراهقة الحقيقي

بعد بحثه المتواصل عن هذه المرحلة عرَف أنها مرحلة إنسانية طبيعية انتقالية، من الطفولة إلى الرجولة، يلحظ فيها تغيرًا واضحًا في شكل الجسم وأسلوب التفكير، وكذلك التعامل مع الانفعالات، وتكوين العلاقات، وانتقاء العبارات، وفيها يتم التأكيد على المفاهيم التي تعلمها المراهق، وتجريب القيم المثبتة والبحث عن الاستقلالية المنمَّقة.

 

فأدرك أنه لا مفرَّ منها إلا إليها؛ فوقف مع نفسه وقفةً، هدفه فيها الدفاع عن هذه المرحلة وإسعاد أهله بكل ما أوتي من قوة، وناضل من أجل الهدفين، ولم يدَع مجالاً لغير ذلك.

 

تجاوز الأزمة

أول ما فعل هو الاقتداء بنموذج مشرِّف أعطاه كل عاطفته التي قد تتزايد في هذه الفترة، والتزم بالفروض والسنن في صلاته وصيامه مهما كلفه الأمر.

 

لازم الصحبة الصالحة، وتعاون معهم على ملء أوقات فراغهم بما يُرضي الله عز وجل.. أطاع والديه، وحرص على كسب ثقتهما والالتزم بأوامرهما، وإن خالفاه الرأي أوضح بهدوء وجهة نظره؛ فإن اقتنعا حمد الله، وإن لم يقتنعا دعاه بأن يقدر له الخير، وإذا تعرض لمشكلة أو فتنة صبر واستشار واستخار، وذكر الله كثيرًا، ودائمًا ما كان هناك فائدة من ذلك، وإذا وجد من يحترم رأيه لا من يناقش من أجل الجدال.

 

عشق النجاح

 وبعد كل هذه الخطوات أصبح يعشق النجاح يحب الحياة من حوله ويحبه كل من تعامل معه، كما أحب تحمل المسئولية، وخاصةً مسئولية نفسه، فلا يرهق أهله بكثرة المطالب والاهتمامات الفارغة، كالجري وراء الموضة والماركات، بل كان دائمًا ما كان يظهر بمظهر جميل لائق بأقل التكاليف، مقتنعًا من داخله بأن الجمال جمال الروح ليس جمال الزي والهيئة.

 

مراهقة ممتعة

أصبح يخطط للمستقبل، وينظر لهذه المرحلة نظرةً تفاؤلية، وأرجع الفضل في ذلك لاقتدائه بسِيَر صغار الصحابة، الذين ضحى كثيرًا منهم بأنفسهم في هذه المرحلة؛ من أجل نصرة الله والرسول الكريم- صلى الله عليه وسلم- وكان كلما قرأ سيرة أحدهم تحمَّس أكثر وافتخر أكثر بأنه مراهق.